حشد واشنطن غير المسبوق يضع حدود العراق وإيران على حافة مواجهة مفتوحة

يضع التصعيد العسكري الأمريكي المتسارع في الشرق الأوسط العراق أمام واحد من أكثر سيناريوهات الإقليم حساسية، مع تصاعد المخاوف من تحوّل حدوده الطويلة مع إيران إلى ساحة مواجهة أو ممر لتبادل الرسائل العسكرية بالوكالة.

ميدل ايست نيوز: يضع التصعيد العسكري الأمريكي المتسارع في الشرق الأوسط، والذي يُعد الأكبر منذ عام 2003، العراق أمام واحد من أكثر سيناريوهات الإقليم حساسية، مع تصاعد المخاوف من تحوّل حدوده الطويلة مع إيران إلى ساحة مواجهة أو ممر لتبادل الرسائل العسكرية بالوكالة. فمع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز حضورها العسكري، وتهديدات إيران المتبادلة، تبدو الجغرافيا العراقية مرشحة لتحمّل كلفة سياسية وأمنية واقتصادية عالية، في حال انزلقت المواجهة إلى صدام مفتوح.

ومنذ أسابيع تواصل الولايات المتحدة حشداً عسكرياً متصاعداً في الشرق الأوسط، شمل نشر مجموعتي حاملات طائرات، ومقاتلات شبحية متطورة، وطائرات قيادة وسيطرة وناقلات وقود جوي، إلى جانب تعزيزات دفاع جوي وأنظمة دعم لوجستي كثيفة، في تحرك وصفته تقارير غربية بأنه الأكبر منذ عام 2003، ويواكب ذلك تصعيد سياسي مباشر، إذ منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران مهلة زمنية لإبرام “صفقة مجدية”.

ويقول خبير الشؤون الأمنية علاء النشوع إن “أي ضربة عسكرية على إيران لن تكون معزولة عن محيطها الإقليمي، وستحمل انعكاسات مباشرة على العراق سياسياً وأمنياً واقتصادياً، خصوصاً إذا لم تتمكن الحكومة من ضبط سلوك الفصائل المسلحة المرتبطة عقائديا بطهران ومنعها من الانخراط في أي رد فعل ضد القوات الأمريكية”.

ويضيف النشوع، أن “الحدود العراقية- الإيرانية بكل امتدادها الجغرافي وعمقها السكاني والتجاري ستتحول إلى منطقة عالية الخطورة، وقد تخضع لمراقبة أمريكية مكثفة باستخدام تقنيات متطورة تجعل أي تحرك عسكري أو لوجستي تحت الرصد الفوري، ما يعني أن أي نشاط مسلح قد يعرض الأراضي العراقية إلى ضربات مباشرة ويجعلها جزءا من مسرح العمليات”.

ويوضح خبير الشؤون الأمنية، أنه “في حال استخدمت الفصائل صواريخ أو طائرات مسيرة انطلاقاً من الأراضي العراقية، فإن ذلك سيضع بغداد في موقف إعلان حرب فعلي، وسيعرض البنية الأمنية والاقتصادية لضغوط هائلة قد تخرج عن السيطرة، فضلاً عن احتمال تحول بعض المناطق الحدودية إلى ساحات اشتباك مفتوح”.

وتتصاعد التحذيرات من موجة نزوح محتملة من الداخل الإيراني باتجاه المحافظات العراقية المحاذية للحدود، في حال اتسعت رقعة المواجهة أو تعرضت مدن إيرانية لقصف مكثف، ما قد يضع السلطات العراقية أمام ضغط إنساني وأمني مزدوج، يتمثل في إدارة تدفقات بشرية كبيرة عبر شريط حدودي طويل ومعقد.

ويلفت النشوع، إلى أن “سيناريو النزوح من الداخل الإيراني باتجاه الحدود العراقية لا يمكن استبعاده، لكن التعامل معه سيكون صعباً للغاية، لأن أي حركة غير منضبطة قد تثير مخاوف أمنية، خاصة إذا تضمنت تسلل عناصر قيادية أو عسكرية تعتبر أهدافاً مباشرة للولايات المتحدة، ما يفرض على الحكومة العراقية إعداد خطط طوارئ واضحة للتعامل مع أسوأ الاحتمالات”.

ويرتبط العراق بحدود برية مع إيران تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر، وتشمل ست محافظات هي السليمانية وحلبجة وديالى وواسط وميسان والبصرة، وتضم هذه الجبهة الحدودية عدداً من المنافذ الرسمية أبرزها المنذرية في ديالى، وزرباطية في واسط، والشيب في ميسان، والشلامجة في البصرة، إلى جانب معابر أخرى ذات طابع تجاري أو ديني، ما يجعل أي تطور أمني في الجانب الإيراني ذا تأثير مباشر على حركة التجارة والتنقل والإمدادات في هذه المحافظات.

وتزامناً مع اندلاع الاحتجاجات في إيران مؤخراً، ذكرت تقارير دولية نقلاً عن مصادر عسكرية أوروبية وأمنية عراقية أن آلاف المقاتلين العراقيين دخلوا إلى الأراضي الإيرانية عبر معابر حدودية جنوب العراق، في خطوة رُبطت آنذاك بإمكانية مساندة قوات الأمن الإيرانية.

وبرغم نفي الحكومة العراقية القاطع، إلا أن تداول تلك التقارير في ظل وضع إقليمي مضطرب اعتُبر مؤشراً على قابلية انخراط فصائل مسلحة عراقية في أي تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل الارتباطات العقائدية والسياسية القائمة، وهو ما يعزز المخاوف من انتقال تداعيات أي مواجهة إلى الساحة العراقية، سواء عبر تحركات غير رسمية أو عبر ضغوط متبادلة تجعل البلاد أمام اختبار أمني وسياسي كبير.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الأمني سيف رعد أن “العراق يُنظر إليه في الإستراتيجية الإيرانية كعمق دفاعي متقدم، سيتحمل جزءاً كبيراً من تداعيات أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي”.

ويردف رعد، أن “أحد السيناريوهات المرجحة يتمثل في لجوء طهران إلى تفعيل وكلائها في العراق واليمن ولبنان، ما قد يفتح الباب أمام إطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة باتجاه مواقع عسكرية أمريكية في أربيل أو بغداد، وهو ما سيضع الحكومة العراقية أمام تحد مباشر في ظل الضغوط الأمريكية المتوقعة لردع تلك الفصائل”.

ويشير إلى أن “أي استهداف ينطلق من الأراضي العراقية قد يقابله رد عسكري أمريكي على أهداف فصائلية داخل العراق، ما قد يفضي إلى اشتباكات داخلية أو ضربات محددة تزيد من تعقيد المشهد، وتحول بعض المناطق إلى بؤر توتر مفتوح”.

ويحذر الخبير الأمني، من انعكاسات اقتصادية سريعة، مع إمكانية تشديد إجراءات التفتيش عبر المنافذ الحدودية، واحتمال إغلاق جزئي أو كلي لبعض المعابر، سواء بقرار إيراني أو نتيجة التطورات الميدانية، ما سيؤدي إلى تكدس الشاحنات وتعطّل حركة البضائع وارتفاع الأسعار، خصوصاً في المحافظات القريبة من الحدود، بنسب قد تكون كبيرة خلال فترة قصيرة.

وبرغم تصاعد التهديدات الإقليمية والحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة، لم تُعلن بغداد حتى الآن عن عقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث سيناريوهات التصعيد المحتملة وانعكاساتها على الداخل العراقي، في وقت تتسارع فيه المؤشرات الميدانية والسياسية على اقتراب مرحلة جديدة.

كما لم تُسجل تحركات معلنة لنشر قوات إضافية أو تعزيزات استثنائية على طول الشريط الحدودي مع إيران، رغم ما يطرحه خبراء من احتمالات تتعلق بإغلاق معابر، أو تدفق نازحين، أو محاولات استغلال أي فراغ أمني في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، ما يفتح باب التساؤل بشأن جاهزية الخطط الطارئة وقدرة المؤسسات الأمنية على التعامل مع تطورات سريعة وغير متوقعة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى