ميونخ للأمن: نبض الغرب الذي يصارع الفوضى الدولية وتجاهل واشنطن
يبدو أن مؤتمر ميونخ للأمن يعكس حالة من الفوضى في النظام الدولي وانقسامات داخل الغرب، لكن هذا لا يعني غياب الإجماع بينهم في القضايا غير الأطلسية.

ميدل ايست نيوز: انعقد مؤتمر ميونخ للأمن السادس والستون بين 13 و15 فبراير 2026، بحضور ألف شخصية سياسية وعسكرية وأمنية وعدد من الباحثين والإعلاميين من مختلف أنحاء العالم. وسلطت فعاليات المؤتمر، بعيداً عن الضجيج المصاحب للجلسات الفرعية، الضوء على محورين رئيسيين: التقرير السنوي لمؤتمر ميونخ للأمن، وخطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حول العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، المعروفة بالعلاقات عبر الأطلسي.
وقال محمد كاظم سجاد بور، المدير السابق لمركز الدراسات السياسية والدولية في وزارة الخارجية الإيرانية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه يمكن النظر إلى روح المؤتمر من خلال هذين النصين، أحدهما مكتوب ويعكس عمل بحثي جماعي، والآخر تصريحات شفوية لوزير خارجية يُعد من أكثر الفاعلين إثارة للجدل على الساحة الدولية. من هذا المنطلق، يمكن تقييم المؤتمر عبر دراسة طبيعة مؤتمر ميونخ للأمن، ثم النظر في موضوع “تحت الدمار” في العلاقات الدولية، وأخيراً تحليل العلاقات عبر الأطلسي.
سياسياً، يُعد مؤتمر ميونخ للأمن ظاهرة متعددة الطبقات. أحد جوانبه يعود إلى طبيعته الظاهرية غير الرسمية، فهو ليس مؤتمراً دولياً رسمياً ولا يصدر عنه قرارات أو بيانات. لكن الجانب الآخر يكمن في عمق طبيعته السياسية، إذ يُعد مؤسسة ألمانية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام السياسي الألماني وخصوصاً وزارة الخارجية، وكل المؤتمر مخصص لتحقيق أهداف السياسة الخارجية لألمانيا وتعمل جميع الجهات الحكومية لدعم نجاحه. وهناك بعد رمزي مهم، فالمؤتمر يُعقد في نفس الفندق منذ أكثر من ستة عقود، ويتميز تقسيم جلساته ونوعيتها بالرمزية، كما يُعتبر المؤتمر نبض الأمن العالمي من المنظور الغربي.
ويُبرز هذا البعد عنوان التقرير السنوي للمؤتمر «تحت الدمار». أعد التقرير مجموعة من الخبراء البارزين، معظمهم ألمان، ودرسوا الظروف الدولية المعاصرة من زوايا متعددة وعدد من المناطق العالمية. ويؤكد التقرير أن القيم والمؤسسات التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية تتعرض للدمار، وغالباً ما يكون هذا الدمار نتيجة السياسات والتفكير السائد في الولايات المتحدة. هذا لا يعني انهيار النظام الدولي بالكامل، لكن الشقوق والفجوات التي تشكلت جدية وتستحق التأمل.
أما ما يهم ألمانيا وأوروبا وحلفاء الولايات المتحدة فهو العلاقات عبر الأطلسي. فقد أظهرت مراقبة تصريحات وسلوكيات إدارة ترامب الأمريكية منظوراً مختلفاً تجاه أوروبا مقارنة بالفترات السابقة، حيث لوحظ تجاهل استراتيجي للقارة الأوروبية، إذ تم تهميش أهم تحدياتها الأمنية، وعلى رأسها النزاع الدموي بين روسيا وأوكرانيا، وظهرت اللعبة في إطار الولايات المتحدة وروسيا، كما تجلى في المؤتمر حين اشتكى الرئيس الأوكراني زيلينسكي من مطالبة بلاده تقديم تنازلات لروسيا.
إلى جانب أوكرانيا، شكلت قضية غرينلاند وتصريحات ترامب حولها صدمة كبيرة في هيكلية الأمن عبر الأطلسي واعتُبرت جرحاً خطيراً في هذه العلاقات، ويستمر صدى تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في المؤتمر السابق، والتي وصفت أوروبا بأنها كيان بلا قيمة استراتيجياً.
في هذا العام، أرسلت الولايات المتحدة روبيو وزير الخارجية، يرافقه نحو خمسين مسؤولاً أمريكياً من كلا الحزبين. كان أسلوب روبيو أكثر هدوءاً وودية مقارنة بفانس العام الماضي، وحاول التركيز على العلاقات الحضارية بين أوروبا والولايات المتحدة، مع التأكيد على الدور المسيحي في الروابط عبر الأطلسي. لكن ما جذب اهتمام الأوروبيين كان غياب التركيز على روسيا والديمقراطية، إذ مرة أخرى تم تهميش أوروبا في قضية أوكرانيا، ولم يتم تناول الديمقراطية التي تُعد معياراً لدى الأوروبيين.
يبدو أن مؤتمر ميونخ للأمن يعكس حالة من الفوضى في النظام الدولي وانقسامات داخل الغرب، لكن هذا لا يعني غياب الإجماع بينهم في القضايا غير الأطلسية.



