كيف دفعت عتمة الكهرباء عشرات آلاف النساء في إيران إلى البطالة؟

تشير آخر معطيات سوق العمل الإيراني إلى أن ما يحدث لا يمثل مجرد تبدل في توزيع الوظائف بين الرجال والنساء، بل يعكس خللاً أعمق في بنية الإنتاج.

ميدل ايست نيوز: أظهرت بيانات سوق العمل الإيراني تراجع عدد النساء العاملات في القطاع الصناعي نهایة خريف 2025 إلى أكثر من 120 ألف وظيفة مقارنة بالعام السابق، في مؤشر يسلّط الضوء على تفاقم البطالة بين النساء الإيرانيات في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وتفيد الإحصاءات بأن أكثر من 121 ألف امرأة إيرانية فقدن وظائفهن في الصناعة خلال عام واحد، في حين تم خلق ما يزيد قليلاً على ألف فرصة عمل للرجال في الفترة نفسها. وبالنظر إلى أن إجمالي عدد النساء العاملات في القطاع الصناعي الإيراني يُقدّر بنحو مليون امرأة، فإن خسارة ما يقارب 10 في المئة من هذه الوظائف خلال عام واحد يدق ناقوس خطر حقيقي لسوق العمل النسائي في هذا القطاع.

Women Mechanics Receiving Training In Iran

وتتركز غالبية النساء العاملات في الصناعة الإيرانية داخل ورش صغيرة تقع في المناطق الحضرية. خلال الأشهر الماضية، توقفت أعداد كبيرة من هذه المنشآت عن العمل بسبب مشكلات متعددة، من بينها عجز الطاقة والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وتداعيات الحرب القصيرة التي شهدتها البلاد، فضلاً عن اضطرابات الإنترنت. وأدى ذلك إلى انضمام آلاف العاملات إلى صفوف العاطلين عن العمل.

في قراءة أولى، قد يُعتقد أن أرباب العمل يمنحون الأولوية للرجال باعتبارهم المعيلين الرئيسيين للأسر الإيرانية، أو أن النساء أُقصين بشكل منهجي من القطاع الصناعي. غير أن تحليلاً أعمق يشير إلى أن جذور الأزمة لا ترتبط بجنس العامل بقدر ما تتصل بطبيعة الشركات التي تعرضت للإغلاق أو التراجع. فالاقتصاد الإيراني يرزح تحت وطأة تضخم مزمن، وضرائب مرتفعة، وتقلبات حادة في سعر الصرف، ما وضع بقاء كثير من المنشآت الإنتاجية موضع خطر.

Alfred Yaghobzadeh Photography | Women in Work Iran

ويكمن أحد الفروق الجوهرية في هيكلية التوظيف بين الرجال والنساء. فالرجال يعملون في الغالب داخل المدن الصناعية الواقعة خارج المراكز الحضرية، وهي منشآت أكبر نسبياً وتتمتع بقدر أعلى من القدرة على الصمود رغم الضغوط. في المقابل، تعمل نسبة كبيرة من النساء في صناعات صغيرة وورش داخل المدن، وهي الأكثر تأثراً بانقطاعات الكهرباء المتكررة وبالقيود التي تحول دون استخدام مولدات كهربائية في الأحياء السكنية، فضلاً عن تداعيات الركود.

من هذا المنظور، لا تعكس موجة تسريح النساء في إيران بالضرورة تمييزاً ضدهن أو ضعفاً في أدائهن، إذ ينظر أرباب العمل تقليدياً إلى العاملات باعتبارهن يتمتعن بدرجة عالية من الانضباط والدقة، فضلاً عن تقاضيهن أجوراً أقل نسبياً، وهو ما يشكل ميزة تنافسية في نظر كثير من أصحاب الأعمال. غير أن تراجع الصناعات الصغيرة، التي تشكل النساء غالبية قوتها العاملة، كان العامل الأبرز في هذا التحول.

City of Tehran's female workers fired 'for own well-being' - AL ...

إغلاق المنشآت… السبب الرئيسي

وفي هذا السياق، قال عضو في هيئة ممثلي غرفة التجارة الإيرانية إن تسريح العاملين في القطاع الصناعي لا يمكن إرجاعه إلى استهداف النساء تحديداً، بل يرتبط أساساً بوقوع الشركات تحت ضغط يهدد وجودها. وأوضح أن التضخم المزمن، والحرب التي استمرت 12 يوماً، وفرض أعباء ضريبية إضافية على المنتجين، والارتفاع الحاد في سعر الصرف وما تبعه من تراجع قيمة العملة الوطنية، جميعها عوامل فرضت ضغوطاً ثقيلة على الوحدات الصناعية.

وأضاف أن قنوات التصدير تقلصت بشكل كبير، ولم يبق أمام بعض الشركات سوى التصدير إلى دول الجوار كوسيلة للبقاء. ومع ذلك، لم تتمكن كثير من المنشآت الصغيرة من الصمود، ما أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال، وفي مقدمتهم النساء.

وأشار إلى أن النساء في الوحدات الإنتاجية والتجارية يُعتبرن من الكفاءات المميزة من حيث الالتزام والانضباط والدقة، ولا يوجد مبرر اقتصادي لاستبدالهن بالرجال في الوظائف نفسها، لأن منطق السوق يقوم على البحث عن الميزة. لذلك فإن ما حدث يعكس انهيار بعض الأعمال أكثر مما يعكس تفضيلاً قائماً على النوع الاجتماعي.

More women in Iran are forgoing marriage. One reason? The men aren ...

انقطاع الكهرباء… ضربة قاصمة للورش الصغيرة

وأوضح أن خلق فرص عمل جديدة للرجال يرتبط جزئياً بطبيعة تمركز المدن الصناعية خارج النطاق الحضري، حيث تكون ظروف التنقل والعمل أكثر ملاءمة للرجال، في حين تواجه النساء صعوبات أكبر بسبب بُعد المسافة وطول ساعات العمل.

وفي المقابل، تعتمد نسبة كبيرة من النساء على الصناعات الصغيرة داخل المدن، وهي الأكثر تضرراً من الانقطاعات المتكررة للكهرباء. فالورش الواقعة في الأحياء الحضرية لا تستطيع تشغيل مولدات كهربائية بسهولة، وتواجه في بعض الحالات انقطاعاً للتيار يصل إلى يومين أسبوعياً، ما يعرقل استمرارية الإنتاج ويضاعف الضغوط المالية عليها.

وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى خروج تدريجي لعدد من الصناعات الصغيرة من دورة الاقتصاد. وبما أن النساء يشكلن الشريحة الأكبر من العاملين في هذه المنشآت، فقد انعكس ذلك مباشرة على معدلات بطالتهن وعمّق الفجوة القائمة في سوق العمل.

Back from Iran, Afghan Families Wonder What Tomorrow Holds | IOM Storyteller

دعوات إلى سياسات دعم موجهة

ويرى خبراء أن تحريك عجلة الاقتصاد الإيراني بصورة طبيعية وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي كفيلان بخلق بيئة أكثر توازناً في سوق العمل، بما يتيح فرصاً أوسع لكل من الرجال والنساء. غير أن استمرار التضخم وضعف فعالية السياسات النقدية يضرب أولاً الصناعات الصغيرة، ما يؤدي إلى خروج العاملين فيها من السوق.

ومن التداعيات المقلقة أيضاً تزايد ظاهرة خروج رؤوس الأموال، إذ تفكر بعض المنشآت الصغيرة في نقل أنشطتها إلى دول مجاورة. وفي ظل هيمنة القطاع العام على الحصة الأكبر من الاقتصاد، تبرز أهمية صياغة سياسات دعم فعالة، تشمل حوافز مالية وتأمينية وضريبية موجهة للمنشآت الصغيرة، إضافة إلى برامج مساندة للنساء العاملات في الصناعة.

Unsdg | Refugees tailor face masks for their communities in Iran

وتشير آخر معطيات سوق العمل الإيراني إلى أن ما يحدث لا يمثل مجرد تبدل في توزيع الوظائف بين الرجال والنساء، بل يعكس خللاً أعمق في بنية الإنتاج. فتراجع توظيف النساء في الصناعة يرتبط أساساً بضعف الصناعات الصغيرة وتراكم الضغوط على الوحدات الإنتاجية. وإذا لم تتجه السياسات الاقتصادية نحو تعزيز الاستقرار ودعم هذه المنشآت ورفع القيود عن الإنتاج، فقد يتسع الشرخ في سوق العمل وتتفاقم خسائر رأس المال البشري. ويرتبط مستقبل عمل النساء في الصناعة إلى حد بعيد بمصير هذه المنشآت الصغيرة.

اقرأ المزيد

ما الذي يعيق النساء في إيران عن الدخول في سوق العمل؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى