الصحافة الإيرانية: نحو تفاهم أم مواجهة؟ قراءة في مسار محادثات جنيف

ترى طهران أن هذه الجولة تتسم بـ«البناءية» من حيث الجو العام، مع الاتفاق على «المبادئ الإرشادية العامة» التي قد تمهد الطريق للاجتماعات المقبلة حول البرنامج النووي.

ميدل ايست نيوز: تحولت جنيف مرة أخرى إلى مسرح تتشابك فيه آمال القبول مع مخاوف العجز، والدبلوماسية مع التهديد، وانعدام الثقة مع الحذر. المدينة التي استضافت على مدى عقود أعقد الأزمات العالمية، تشهد الآن جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وهي محادثات تتناول ليس فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا صياغة توازن القوى في الشرق الأوسط ومستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.

وقال محسن شريف خدائي، دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن طهران ترى أن هذه الجولة تتسم بـ«البناءية» من حيث الجو العام، مع الاتفاق على «المبادئ الإرشادية العامة» التي قد تمهد الطريق للاجتماعات المقبلة حول البرنامج النووي. ومع ذلك، يظل هذا البناء هشًا، إذ يمكن لأي قرار سياسي أو حادث أمني أن يقوضه في أي لحظة. وتركزت المباحثات التي جرت يوم الثلاثاء في جنيف، عبر وساطة عمانية، على الإطار الذي تحدّ فيه طهران برنامجها النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع جزئي للعقوبات، واستمرت هذه المباحثات نحو ثلاث ساعات ونصف دون أن يصدر عن الوفد الأمريكي أي رد فعل فوري.

رغم التركيز الظاهري على البرنامج النووي، تمثل هذه المفاوضات تلاقيًا لعدة تحديات متزامنة. من جانب إيران، هناك ثلاثة تحديات رئيسية تؤثر على عملية اتخاذ القرار: أولًا، التحدي النووي والضغوط الدولية المتعلقة باحتياطيات اليورانيوم بنسبة 60% والقيود المفروضة من الوكالة؛ ثانيًا، التحدي الإقليمي والمنافسات الجيوسياسية التي تجعل أي تنازل أو تراجع يحمل تداعيات أمنية؛ ثالثًا، التحدي الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن العقوبات وسوء الإدارة، الذي يرافقه تضخم مزمن، وتراجع القدرة الشرائية، وانهيار الطبقة الوسطى، وهجرة الكفاءات، وانتشار الاستياء الشعبي.

الوضع على الجانب الأمريكي معقد بالمثل. إذ دخلت واشنطن جنيف محملة بمجموعة من الضغوط المتزامنة التي صعبت موقفها وقلّلت من مرونتها: أولًا، ضغوط الانتخابات النصفية القادمة، حيث يحتاج الرئيس إلى إنجاز في السياسة الخارجية يُسجّل كنجاح، وأي اتفاق مع إيران يمكن عرضه على أنه «انتصار»، وأي فشل أو مأزق يُعتبر «نقطة ضعف». ثانيًا، المنافسة الجيوسياسية مع الصين وروسيا، إذ لا تريد واشنطن أن تظل إيران تحت تأثير هاتين القوتين، وترى المفاوضات النووية جزءًا من سباق أوسع بين القوى الكبرى. ثالثًا، ضغوط الحلفاء الإقليميين، خصوصًا إسرائيل وبعض دول الخليج، التي تسعى لفرض قيود أوسع على برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي، مع قلق بشأن أمن الطاقة وفتح مضيق هرمز، مما يجعل القبول باتفاق محدود صعبًا إلا إذا بدا مقبولًا لدى الحلفاء.

في هذا الإطار، ليست المفاوضات في جنيف مسارًا سهلاً، بل مليئًا بالتعقيدات. ومع ذلك، تظهر بعض المؤشرات التي قد توضح مسار المستقبل. الاتفاق على «المبادئ الإرشادية» رغم غموضها، يدل على وجود حد أدنى من نقاط التوافق. وقد اقترحت إيران تخفيف بعض احتياطيات اليورانيوم بنسبة 60% ومنح مزيد من الوصول لمفتشي الوكالة، ما قد يقلل التوتر النووي بشكل كبير، لكنها لا تزال ترفض التفاوض حول برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي. وهذا هو الفارق الذي يسعى المفاوضون لردمه عبر «المبادئ الإرشادية».

وتتفرع السيناريوهات المستقبلية إلى ثلاثة مسارات رئيسية: أولًا، اتفاق محدود ومراحل، يركز على خفض مستوى التخصيب، وعودة مفتشي الوكالة، ورفع جزئي للأصول الإيرانية، وهو السيناريو الأكثر واقعية من الناحية الفنية والسياسية، ويتيح للطرفين تحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات كبيرة، ويمكن أن يكون خطوة لبناء الثقة تمهيدًا لمفاوضات مستقبلية حول قضايا أعمق. ثانيًا، استمرار المفاوضات دون اتفاق، حيث يستمر الحوار لكن لا يتجاوز أي طرف حدوده الحمراء، ما يحافظ على توتر محدود لكن مستمر. ثالثًا، انهيار المفاوضات والعودة إلى دورة التصعيد، في ظل نشر السفن الأمريكية، وتجارب إيران في مضيق هرمز، والتوتر الإقليمي، ما يزيد احتمال التصعيد العسكري أو العمليات المحدودة، وقد يؤدي أي خطأ إلى أزمة أوسع وربما كارثية في المنطقة.

في ظل هذه المسارات، يبدو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير هو الاتفاق المحدود والمراحل، إذ لا تستطيع طهران تقديم تنازلات كبيرة، ولا واشنطن في وضع يمكنها من التوصل سريعًا إلى اتفاق شامل. ومع ذلك، يحتاج الطرفان إلى نوع من «خفض التوتر» و«بناء الثقة» في هذه المرحلة، لتوفير فرصة لإدارة الأزمات. يمكن أن تكون جنيف نقطة انطلاق لهذا المسار، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين. وتعد هذه الجولة اختبارًا لقدرة وإرادة الجانبين في تحويل الأزمة إلى فرصة، بينما يظل مستقبل هذه المسار غامضًا، ما يجعل جنيف ربما آخر فرصة لإعادة تعريف علاقة متوازنة تأسست على مدى أربعة عقود من المواجهة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى