ما شكل الرد الإيراني إذا اشتعلت المواجهات في البحر؟

يرتكز المفهوم الدفاعي الإيراني في الجنوب على ما يُعرف بـ”الدفاع البحري القائم على الردع غير المتكافئ”. جوهر هذه المقاربة يقوم على مواجهة خصم متفوق تقنياً عبر أدوات مرنة وسريعة الحركة.

ميدل ايست نيوز: في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع المسارات الدبلوماسية والعسكرية حول إيران. ففي وقت تتواصل فيه المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في جنيف بوساطة عمانية اليوم الخميس، تتزايد المؤشرات على إعادة تموضع عسكري أميركي في المنطقة، ما يعكس حالة ترقّب متبادلة بين الطرفين.

جنيف بين التهدئة والضغط

المحادثات الجارية في جنيف تأتي في سياق محاولة احتواء التصعيد المرتبط بالملف النووي والعقوبات، وسط تباين في الأولويات. واشنطن تركز على القيود النووية ونسبة تخصيب اليورانيوم (الوقود النووي) وملف الصواريخ الإيرانية والجماعات التابعة لإيران في المنطقة، بينما تدفع طهران باتجاه ضمانات اقتصادية واضحة ورفع فعلي للعقوبات.

ورغم حديث الجانبين اليوم الخميس 36 فبراير 2026 عن أجواء “جدية” ورفع المحادثات بين الوفدين الإيراني والأميركي لغرض إجراء مشاورات على أن تستأنف مساء اليوم، فإن المسار لا يزال هشاً، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الأميركية في الخليج.

خلال الأسابيع الماضية، عززت الولايات المتحدة حضورها البحري والجوي في نطاق الأسطول الخامس، مع نشر قطع بحرية إضافية وأنظمة دفاع جوي في بعض القواعد الإقليمية، وفق ما نقلته تقارير في وسائل إعلام غربية وعربية. هذا الحشد يُقرأ في طهران باعتباره ورقة ضغط ميدانية موازية للمسار التفاوضي.

رسائل إيرانية من البحر

في المقابل، كثّفت إيران مناوراتها البحرية، في خطوة بدت وكأنها رد مباشر على تلك التحركات. فقد نفذت القوات البحرية في الحرس الثوري مناورات متعددة تحت عنوان “التحكم الذكي في مضيق هرمز”، إلى جانب تدريبات مشتركة مع روسيا في المياه الإقليمية.

هذه المناورات لم تكن مجرد استعراض روتيني. فالرسالة المعلنة كانت واضحة: إيران تعتبر أمن الخليج ومضيق هرمز جزءاً من معادلتها السيادية، وأي تهديد محتمل سيُقابل برد محسوب. وقد شاركت في هذه التدريبات كل من بحرية الجيش الإيراني وبحرية الحرس الثوري، في توزيع أدوار يعكس طبيعة الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية.

الدفاع البحري كعمود أساسي

يرتكز المفهوم الدفاعي الإيراني في الجنوب على ما يُعرف بـ”الدفاع البحري القائم على الردع غير المتكافئ”. جوهر هذه المقاربة يقوم على مواجهة خصم متفوق تقنياً عبر أدوات مرنة وسريعة الحركة.

المناطق العملياتية التي يتركز فيها هذا الجهد تشمل الخليج، مضيق هرمز، بحر عمان، وصولاً إلى شمال المحيط الهندي. وتوزع الأدوار بين:

  • بحرية الجيش، التي تتولى العمليات في المياه العميقة باستخدام قطع بحرية كبيرة.
  • بحرية الحرس الثوري، التي تعتمد تكتيكات القوارب السريعة، والغواصات الخفيفة، والانتشار الكثيف في المساحات الضيقة.

هذا الدمج بين العمل التقليدي واللامتماثل يمنح طهران قدرة على المناورة في بيئة بحرية معقدة، خصوصاً في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة الطاقة العالمية.

مناورات إيران وروسيا والصين

زوارق صاروخية بعيدة المدى

من أبرز ما كشفت عنه المناورات الأخيرة إدخال زوارق صاروخية استراتيجية جديدة إلى الخدمة، أبرزها زورقا “الشهيد حسن باقري” و“الشهيد صياد شيرازي”، وهما من أوائل القطع الطويلة التي صنعتها الصناعات البحرية التابعة للحرس الثوري.

تبلغ القدرة العملياتية لهذه الزوارق نحو 5500 ميل بحري، أي ما يعادل قرابة 9500 كيلومتر، بسرعة تصل إلى 32 عقدة بحرية، وبوزن يقارب 600 طن. وهي مصممة بهيكل مزدوج يعزز الثبات والسرعة.

والأهم في هذه الزوارق هو تسليحها؛ إذ تستطيع حمل صواريخ سطح–سطح يتجاوز مداها 700 كيلومتر، إضافة إلى نظام دفاع جوي بمدى يفوق 90 كيلومتراً، مع منصات إطلاق عمودية وصواريخ مخزنة في صوامع داخلية. كما تملك قدرة على حمل ثلاثة زوارق صاروخية أصغر، ما يوسّع نطاق انتشارها القتالي.

مناورات التحكم الذكي هرمز
جنود يقفون في وضع الاستعداد خلال مناورات التحكم الذكي على مضيق هرمز للحرس الثوري الإيراني 16 فبراير/شباط 2026 أسوشيتد برس

حاملة مسيّرات… بعد جديد للانتشار

خطوة أخرى لافتة كانت إدخال سفينة “الشهيد بهمن باقري” إلى الخدمة، وهي سفينة مسيّرات متعددة المهام أضيفت العام الماضي إلى تشكيلات الحرس الثوري.

يبلغ طول السفينة نحو 240 متراً، وعرضها 32 متراً، بوزن يقارب 4200 طن. وهي مجهزة بمدرج إقلاع وهبوط بطول 180 متراً، ما يتيح تشغيل طائرات مسيّرة متنوعة، إضافة إلى مروحيات.

تحمل السفينة ثمانية صواريخ دفاع جوي وثمانية صواريخ مضادة للسفن، وتضم فرقاً للحرب الإلكترونية والغواصين، ومنشآت طبية، ومنصة إطلاق صواريخ متقدمة. تراهن طهران على هذا النوع من القطع لتعزيز قدرتها على تشكيل مجموعات قتالية بحرية قائمة على الطائرات المسيّرة، بما يمنحها عمقاً عملياتياً أبعد من السواحل المباشرة.

تطوير الدفاع الجوي البحري

على مستوى الدفاع الجوي، كشفت إيران خلال المناورات الأخيرة عن صاروخ “صياد 3-G” بمدى يصل إلى 150 كيلومتراً، ويعمل بنظام إطلاق عمودي. أهمية هذا التطوير تكمن في نقل منظومة الدفاع البحري من نطاق الحماية النقطية المحدودة إلى نطاق دفاع إقليمي أوسع، قادر على تشكيل ما تصفه طهران بـ”فقاعة دفاع جوي” فوق مساحات بحرية واسعة.

إلى جانب ذلك، تعتمد القوات الإيرانية على منظومات قصيرة ومتوسطة المدى، مثل صاروخ “نواب” العمودي قصير المدى، و”محراب” المطور عن النسخة الإيرانية من صاروخ HAWK بمدى يصل إلى 50 كيلومتراً، إضافة إلى “صياد 2” المطور. كما تستخدم مدافع دفاعية مثل “فجر 27” وأنظمة قريبة المدى من طراز “كمند” لاعتراض الأهداف المنخفضة.

طائرات مسيرة والجيش الإيراني
الجيش الإيراني أجرى مناورات سابقة بالطائرات المسيرة (الصحافة الإيرانية)

بين الردع والمخاطرة

في المحصلة، تبدو طهران حريصة على إرسال معادلة مزدوجة: الانخراط في مفاوضات سياسية من جهة، ورفع مستوى الجهوزية الدفاعية من جهة أخرى. فبينما تسعى في جنيف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، تعمل في مياه الخليج على تثبيت معادلة ردع بحرية وجوية معقدة.

غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر. فتكثيف الحشود المتقابلة في مساحة جغرافية ضيقة يرفع احتمالات سوء التقدير أو الاحتكاك غير المقصود. ومع استمرار التوتر بين المسارين السياسي والعسكري، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء منطق القوة، أم أن البحر سيظل ساحة الرسائل الأكثر وضوحاً بين طهران وواشنطن؟

اقرأ المزيد

كيف سيكون مستقبل المنطقة في حال اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى