برنامج الذكاء الاصطناعي كلود في قلب العدوان على إيران

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" وموقع "أكسيوس" أن الولايات المتحدة الأميركية استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي كلود التابع لشركة أنثروبيك في الضربات على إيران.

ميدل ايست نيوز: في خضم العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، حذّر خبراء من أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية يؤذن بمرحلة تُنفَّذ فيها الحروب بسرعة قد تتجاوز “سرعة التفكير”، وسط مخاوف متزايدة من تهميش صانعي القرار من البشر.

إذ كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” وموقع “أكسيوس” أن الولايات المتحدة الأميركية استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي كلود التابع لشركة أنثروبيك في الضربات، في إطار ما يُعرف بـ”تقليص سلسلة القتل” (kill chain)، أي تسريع المسار الكامل من تحديد الهدف، مروراً بالمراجعة القانونية وصولاً إلى تنفيذ الضربة. وقد نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو 900 ضربة على أهداف إيرانية خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى فقط من بدء العدوان، في عملية قُتل خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي يوم 28 فبراير/شباط الماضي.

ويرى أكاديميون أن الذكاء الاصطناعي يختصر زمن التخطيط المعقّد للعمليات العسكرية في ظاهرة تُعرف بـ”ضغط القرار” (decision compression)، ما قد يحوّل الخبراء العسكريين والقانونيين إلى مجرد مصدّقين على خطط جاهزة أعدّتها الخوارزميات.

الذكاء الاصطناعي من التخطيط إلى التنفيذ

عام 2024، نشرت شركة أنثروبيك نموذجها داخل وزارة الحرب الأميركية وأجهزة الأمن القومي، بهدف تسريع التخطيط العسكري. وأصبح “كلود” جزءاً من نظام طورته شركة بالانتير، بالتعاون مع “البنتاغون”، لـ”تحسين تحليل الاستخبارات، وتمكين المسؤولين في عمليات اتخاذ القرار”. ويعتمد النظام على التعلّم الآلي لتحديد الأهداف، وترتيب أولوياتها، واقتراح نوع السلاح المناسب، مع مراعاة المخزونات السابقة، وأداء الأسلحة ضد أهداف مماثلة، كما يستخدم “استدلالاً آلياً” لتقييم الأساس القانوني لأي ضربة. وتتيح أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات، من لقطات الطائرات المسيّرة، إلى اعتراضات الاتصالات والمعلومات البشرية، خلال وقت قياسي.

في هذا السياق، قال المحاضر في الجغرافيا السياسية في جامعة نيوكاسل، والمتخصص في “سلاسل القتل”، كريغ جونز، إن “آلة الذكاء الاصطناعي تقدّم توصيات بالأهداف بسرعة قد تتجاوز سرعة التفكير”. وأضاف جونز، متحدثاً لصحيفة ذا غارديان أمس الثلاثاء، أن الجمع بين السرعة (اتخاذ القرار خلال ثوانٍ أو دقائق)، والحجم (تنفيذ عدد كبير من الضربات في آنٍ واحد)، يسمح بتنفيذ عمليات واسعة النطاق تشبه الاغتيالات المتزامنة، بالتوازي مع شل قدرة الخصم على الرد، وهي عملية كانت تستغرق أياماً أو أسابيع في الحروب التقليدية، بينما يمكن الآن تنفيذها “كلها دفعة واحدة”.

من جهته، وصف أستاذ أخلاقيات التكنولوجيا في جامعة كوين ماري في لندن، ديفيد ليزلي، ذلك بأنه “الحقبة التالية من الاستراتيجية العسكرية”، لكنه حذّر من ظاهرة “تفريغ العبء المعرفي”، حيث قد يشعر البشر المكلّفون باتخاذ القرار بالانفصال عن نتائجه، لأن عملية التفكير الأساسية قامت بها الآلة، في حين يضيق الهامش الزمني المتاح لهم لتقييم التوصيات.

استخدام رغم الحظر

اللافت أن استخدام “كلود” جاء رغم إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قطع العلاقات مع “أنثروبيك” قبل ساعات من بدء العدوان على إيران، السبت الماضي. ووفق ما نقلته “وول ستريت جورنال” و”أكسيوس”، استخدم الجيش الأميركي النموذج لأغراض استخباراتية، ولمساعدة القيادة العسكرية في اختيار الأهداف وتنفيذ محاكاة ميدانية، ما يعكس صعوبة فصل الأنظمة العسكرية عن أدوات ذكاء اصطناعي باتت متغلغلة في البنية العملياتية.

وكان ترامب قد أمر بوقف استخدام “كلود” في جميع الوكالات الفيدرالية، وكتب على منصته تروث سوشال واصفاً “أنثروبيك” بأنها “شركة ذكاء اصطناعي يسارية متشددة، يديرها أشخاص ليس لديهم أي فكرة عما يدور في العالم الحقيقي”.

وجاء التصعيد بعد خلاف سابق على استخدام النموذج في يناير/كانون الثاني الماضي لاختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، إذ اعترضت الشركة على الخطوة، استناداً إلى شروط استخدامها التي تمنع توظيف تقنيتها لأغراض عنيفة، أو لتطوير أسلحة أو للمراقبة. واتهم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، الشركة بـ”الغرور والخيانة”، وطالب بحق الوصول الكامل وغير المقيد إلى جميع نماذجها لأغراض قانونية، مع إقرار بصعوبة الانفصال السريع عنها. وأعلن أن “أنثروبيك” ستواصل تقديم خدماتها لفترة انتقالية لا تتجاوز ستة أشهر، لضمان الانتقال إلى “خدمة أفضل وأكثر وطنية”.

بعد القطيعة مع “أنثروبيك”، سارعت شركة “أوبن إيه آي” إلى توقيع اتفاق مع “البنتاغون” لاستخدام أدواتها، بما في ذلك “تشات جي بي تي”، في شبكات عسكرية سرّية مخصّصة لتداول معلومات أمن قومي عالية الحساسية. وأعلن الرئيس التنفيذي، سام ألتمان، أن الجيش الأميركي لن يستخدم النموذج في أنظمة القتل الذاتي أو المراقبة الجماعية، إلا أن هذه التعهدات قوبلت بتشكيك من خبراء ومحامين وعاملين في القطاع، تساءلوا عن سبب التخلي عن شراكة “أنثروبيك”، ثم إبرام اتفاق مماثل بضوابط قريبة. وفي محاولة لاحتواء موجة الانتقادات، أعلنت “أوبن إيه آي”، أمس الثلاثاء، أنها تعمل على إدخال تعديلات إضافية على اتفاقها مع “البنتاغون”، تتضمن نصاً صريحاً يمنع استخدام أنظمتها في التجسس على المواطنين الأميركيين، أو توظيفها خارج الأطر المتفق عليها. وأقرّ ألتمان بأن الإعلان الأولي لم يكن واضحاً بما يكفي، وأكد أن حساسية استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية السرية تتطلب شفافية أكبر وضمانات مكتوبة، تحدد حدود الاستخدام، في ظل تصاعد الجدل حول دور الشركات الخاصة في تسليح التقنيات المتقدمة.

مفارقة السوق

على نحو مفارق، أدّى إدراج “كلود” على القائمة السوداء إلى ارتفاع شعبيته، إذ تصدّر قائمة التطبيقات المجانية الأكثر تحميلاً على متجر “آبل” في الولايات المتحدة، متجاوزاً “تشات جي بي تي”، بعد يوم واحد من تعاقد البنتاغون مع “أوبن إيه آي”. وفي المملكة المتحدة، صعدت شعبية التطبيق على هواتف “آيفون” من دون أن يتفوق على “تشات جي بي تي”، كما تقدم في قوائم “أندرويد” في الولايات المتحدة وبريطانيا، بينما ظل منافسه في الصدارة، وفق بيانات شركة سنسور تاور.

وتعرّض “كلود” لانقطاعات، صباح الاثنين، بسبب ما وصفته الشركة بـ”طلب غير مسبوق”، إذ أبلغ أكثر من 1400 مستخدم عن أعطال، عبر منصة داون ديتيكتور، قبل أن تُحل المشكلة بحلول الساعة 11 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. وأعلنت الشركة أن “كل يوم من الأسبوع الماضي كان رقماً قياسياً تاريخياً لعدد الاشتراكات الجديدة في كلود”.

وكانت “أنثروبيك” قد بدأت العام بزخم ملحوظ، إذ ارتفع عدد المستخدمين النشطين المجانيين بأكثر من 60%، وتضاعف عدد الاشتراكات اليومية أربع مرات، فيما تضاعف عدد المشتركين في الخدمة المدفوعة في “كلود” أكثر من مرتين. كما سهّلت الشركة انتقال المستخدمين عبر ميزة “الذاكرة” المتاحة في الخطط المدفوعة، التي تتيح تحديث السياق بنسخ ولصق واحد، بحيث “تبدو محادثتك الأولى وكأنها المائة”، وفق وصفها، إضافة إلى دليل إرشادي لمساعدة الراغبين في الانتقال من نماذج أخرى للذكاء الاصطناعي.

في المقابل، ارتفع معدل حذف تطبيق تشات جي بي تي في الولايات المتحدة بنسبة 295% خلال يوم واحد (مقارنة باليوم السابق) في 28 فبراير/شباط الماضي، وذلك بعد إعلان شركة أوبن إيه آي اتفاقها مع وزارة الحرب الأميركية. وللمقارنة، لم يتجاوز متوسط معدل حذف التطبيق خلال الثلاثين يوماً السابقة 9% يومياً، وفقاً لبيانات شركة سنسور تاور.

فجوة إيرانية

لا يُعرف بدقة مدى دمج إيران لأنظمة ذكاء اصطناعي في بنيتها العسكرية، رغم إعلانها عام 2025 استخدام هذه التقنية في أنظمة توجيه الصواريخ. ويبدو برنامجها في هذا المجال محدوداً مقارنة بالقوى الكبرى في الذكاء الاصطناعي مثل الولايات المتحدة والصين.

ومع ذلك، يحذّر خبراء الأمن السيبراني من أن محدودية برنامج إيران في الذكاء الاصطناعي العسكري لا تعني غياب استخدام هذه التقنيات في مجالات أخرى، وخصوصاً في الفضاء الرقمي. فقد أشار تقرير نشرته شركة غوغل في فبراير/شباط الماضي إلى أن مجموعة القرصنة الإيرانية APT42، المدعومة من الحكومة، استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، من بينها روبوت “جيميناي”، لتعزيز عمليات الاستطلاع والهندسة الاجتماعية، مثل البحث عن عناوين بريد إلكتروني رسمية وجمع معلومات عن أهداف محتملة لبناء سيناريوهات اختراق أكثر إقناعاً.

ويتوقع خبراء أن تتصاعد هذه الأنشطة مع استمرار الحرب، إذ رجّح كبير محللي التهديدات في شركة غوغل، جون هولتكوست، أن تردّ إيران بهجمات سيبرانية قد تطاول الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، مستفيدة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير البرمجيات الخبيثة وتحسين عمليات الاختراق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى