الصحافة الإيرانية: كيف تستعد إيران لحرب كبرى؟ عقيدة «الدفاع الفسيفسائي» تكشف السر
لا يشكّل «الدفاع الفسيفسائي» في إيران مجرد عقيدة عسكرية، بل أيضاً بياناً سياسياً يعلن عدم الاستسلام أمام التهديدات الاستباقية.

ميدل ايست نيوز: لا يشكّل «الدفاع الفسيفسائي» في إيران مجرد عقيدة عسكرية، بل أيضاً بياناً سياسياً يعلن عدم الاستسلام أمام التهديدات الاستباقية، إذ تتمثل أهدافه الأساسية في البقاء والحفاظ على القدرة العملياتية على المدى الطويل.
وقالت الخبيرة في الشؤون السياسية، فاطمة خادم شيرازي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه بحسب تقارير عسكرية وتحليلات لمراقبين، فإن عقيدة «الدفاع الفسيفسائي» الإيرانية تشكّلت بوصفها استجابة جوهرية للتغير في ميزان القوى بعد ما سُمّي بالحرب الأميركية على الإرهاب واحتلال العراق وأفغانستان في العقد الأول من الألفية الثالثة. فقد أدركت طهران أن التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي الحاسم للولايات المتحدة يجعل من تركيز القيادة العليا في مركز واحد نقطة ضعف خطيرة قد تؤدي إلى تدمير كامل للبنية القيادية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ أساسي يتمثل في منح الصلاحيات على نطاق واسع للقيادات الإقليمية والقواعد العسكرية والمستويات الأدنى، بحيث تتمكن هذه الوحدات من مواصلة العمليات القتالية بصورة شبه مستقلة وفق توجيهات عامة معدّة مسبقاً. وقد صُمم هذا النموذج تحديداً لسيناريو حرب شاملة مع الولايات المتحدة. ومن خلال توزيع صلاحيات القيادة على مستويات أدنى، تُنشئ هذه العقيدة بنية مرنة تحول دون قدرة الضربات الجوية المركزة الأميركية أو الإسرائيلية على تعطيل منظومة العمليات الدفاعية الإيرانية عبر استهداف المراكز القيادية الرئيسية.
وتكمن الميزة الأساسية لهذه الاستراتيجية في أنها تحوّل إيران إلى أجزاء منفصلة ضمن «فسيفساء» واحدة، بحيث إن فقدان جزء منها لا يؤدي إلى انهيار الشبكة بالكامل. وبهذا تقلل هذه المقاربة بشكل ملحوظ من تأثير الضربات الاستراتيجية التي تستهدف «قطع الرأس» أي القضاء على القيادة. كما تمكّن هذه العقيدة القوات الميدانية من مواصلة القتال ما لم ينهَر هيكل القيادة بالكامل.
ومع ذلك، يرى المراقب العسكري الروسي المخضرم يوري ليامين أن هذه العقيدة لا تخلو من المخاطر. فهو يشير إلى قضايا محتملة مثل تأخر تنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار الإقليمية مع دول الخليج، إضافة إلى احتمال زيادة الأخطاء في عمليات الاستهداف المعقدة والتنسيق العملياتي، باعتبارها نقاط ضعف محتملة في هذا النهج اللامركزي في ظل التوترات الراهنة في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا التوزيع في القيادة يعرّف الردع الإيراني أساساً من خلال رفع كلفة الاحتلال بالنسبة لأي قوة مهاجمة.
وفي إطار «الدفاع الفسيفسائي» لا يواجه الخصم هدفاً واحداً محدداً، بل شبكة من الأهداف المستقلة والنشطة التي يجب تحييدها في الوقت نفسه، وهو ما يتطلب موارد تتجاوز قدرات قوة محدودة. وبهذا تتحول المعركة إلى حرب استنزاف إقليمية، حيث يمكن لقدرة القوات الإيرانية على الصمود في عمق الجغرافيا أن تقلل من أثر التفوق التكنولوجي المؤقت للخصم. كما تتيح هذه البنية المرنة استمرار العمليات العسكرية حتى في حال تعرض إيران لهجمات مضادة محدودة من قبل إسرائيل أو قواتها الحليفة، بما في ذلك داخل العمق الإيراني.
وبناءً على ذلك، فإن «الدفاع الفسيفسائي» لا يمثل مجرد عقيدة عسكرية، بل رسالة سياسية تؤكد رفض الاستسلام أمام التهديدات الاستباقية، بينما تتمثل أهدافه الأساسية في البقاء والحفاظ على القدرة العملياتية على المدى الطويل. ووفق هذه الرؤية، فإن نجاح هذه الاستراتيجية في الحروب المستقبلية لن يُقاس بتحقيق نصر نهائي، بل بقدرة إيران على مواصلة المقاومة من دون انهيار بنيتها المؤسسية.



