الصحافة الإيرانية: كيف يمكن لتقليص مدى الصواريخ أن يغير معادلة الردع الإيرانية؟

يتجاوز النقاش حول مدى الصواريخ الإيرانية عادة الإطار الإقليمي والجيوسياسي، غير أن الواقع يشير إلى أن آثار هذا التغيير لا تقتصر على خارج الحدود فحسب، بل تمتد بعمق إلى داخل إيران أيضاً.

ميدل ايست نيوز: يتجاوز النقاش حول مدى الصواريخ الإيرانية عادة الإطار الإقليمي والجيوسياسي، غير أن الواقع يشير إلى أن آثار هذا التغيير لا تقتصر على خارج الحدود فحسب، بل تمتد بعمق إلى داخل إيران أيضاً. فخفض مدى الصواريخ إلى 500 كيلومتر يبدو ظاهرياً قيداً تقنياً، لكنه في الواقع يؤثر في بنية الأمن القومي الإيراني، وفي كيفية توزيع القوة، وفي شعور المواطنين بالأمن، وحتى في تماسك النظام السياسي الداخلي.

يتناول هذا القسم الذي نشره موقع دبلوماسي إيراني، هذه الأبعاد بصورة متكاملة، لأن الأمن ليس مفهوماً أحادي الطبقة، وأي ضربة لمكونات الردع الخارجي تنعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي.

  1. إضعاف طبقات الدفاع وزيادة التهديدات المباشرة للبنية التحتية الحيوية في إيران

بحكم وجودها في بيئة إقليمية متوترة، احتاجت إيران دائماً إلى نوع من «الدفاع متعدد الطبقات». ويتكون هذا النظام من:

• الجغرافيا الواسعة والعميقة.
• شبكة الدفاع غير العسكري.
• القدرات المدفعية والدفاعية.
• القوة الصاروخية التي تشكل الطبقة الخارجية للدفاع.

في الواقع تمثل الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى «خط الدفاع الخارجي» لإيران. فكلما ازداد مدى الصواريخ، اضطر الخصم إلى التخطيط من مسافة أبعد قبل الدخول إلى الطبقات الدفاعية. لكن إذا انخفض المدى إلى 500 كيلومتر، فإن هذه الطبقة الخارجية تكاد تختفي، ما يسمح للخصم بوضع خططه العسكرية على مسافة أقرب بكثير من الحدود الإيرانية. وتتمثل نتيجة هذا التراجع في «زيادة قابلية تعرض البنية التحتية الحيوية داخل البلاد للخطر»، مثل:

• المصافي ومجمعات البتروكيماويات.
• السدود ومحطات توليد الطاقة.
• المراكز الصناعية والعسكرية.
• مراكز القيادة الطارئة.

وفي ظل تراجع الطبقة الدفاعية الخارجية، سيجد الخصم طرقاً أكثر للتسلل وإلحاق الضرر. أي أن تقليص المدى لا يقلل فقط القدرة الهجومية، بل يعرض القدرة الدفاعية للبلاد لمخاطر جدية.

  1. زيادة الشعور بالهشاشة وتأثيره النفسي على المجتمع

يعد «الإحساس بالأمن» لدى المواطنين أحد أهم عناصر الأمن القومي. فالمجتمع الذي يشعر بأنه غير محمي أمام التهديدات الخارجية قد يعاني القلق السياسي وفقدان الثقة وتراجع التضامن الداخلي. ويعرف هذا المفهوم في الأدبيات الأمنية باسم Security Perception Gap، أي «الفجوة بين تصور الناس للأمن وما هو موجود فعلاً».

خلال العقدين الماضيين تحولت القوة الصاروخية الإيرانية إلى رمز لما يمكن وصفه بـ«فرض الكلفة على الخصم». وكان الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة عين الأسد مثالاً على هذا الأثر النفسي، إذ رأى المواطنون أن إيران قادرة على الرد، ما عزز شعوراً بالثقة الوطنية والطمأنينة النسبية. لكن إذا جرى تقليص مدى الصواريخ ولم تعد إيران قادرة على الرد خارج حدودها، فإن شعور المجتمع بالأمن سيتضرر بشدة.

وفي العالم المعاصر لا تقتصر الحروب على الجانب المادي؛ فالحرب النفسية تشكل جزءاً كبيراً من ساحة الصراع. وفي مثل هذا الوضع قد يستغل خصوم إيران ضعف المدى الصاروخي لإطلاق حملة نفسية تقول إن «إيران لم تعد قادرة على الرد» أو إن «أمن البلاد أصبح هشاً» أو إن «العدو قادر على ضربها متى شاء». وحتى إن لم تكن هذه الادعاءات دقيقة، فإنها قد تؤثر في الرأي العام. ولهذا فإن تقليص مدى الصواريخ لا يمثل تهديداً عملياتياً فقط، بل «تهديداً نفسياً للمجتمع» أيضاً.

  1. إضعاف التماسك السياسي وزيادة الخلافات الداخلية

لا يمثل الردع مجرد أداة دفاعية، بل هو أيضاً «رأسمال سياسي». ففي معظم الدول، ورغم الخلافات الداخلية، تتفق القوى السياسية على الخطوط العريضة للدفاع الوطني في مواجهة التهديدات الخارجية. وفي إيران كذلك كانت القدرات الصاروخية من المجالات القليلة التي لم تشهد خلافاً جوهرياً بين التيارات السياسية، نظراً لطبيعتها الحيوية.

لكن إذا تم تقليص مدى الصواريخ، فقد يفسر بعض التيارات السياسية هذا الأمر على أنه فشل أو ضعف أو تراجع. وفي المقابل قد ترى تيارات أخرى أنه خطوة تكتيكية أو ضرورية في إطار العلاقات الدولية. ويمكن أن يؤدي هذا الانقسام إلى خلق شرخ في الساحة السياسية الداخلية وإلى «إضعاف التماسك الوطني».

وتظهر تجارب دول مثل ليبيا والعراق وحتى أوكرانيا أن تراجع قدرة الردع غالباً ما يؤدي إلى تصاعد الخلافات السياسية الداخلية، إذ يسعى كل طرف إلى تحميل الآخر مسؤولية الضعف الأمني. وقد يقود هذا التوتر إلى إرباك الرأي العام، والأسوأ من ذلك أنه قد يبعث رسالة انقسام إلى الخصوم. فالخصم الذي يلاحظ وجود انقسام داخلي حول قضية حيوية قد يتبنى سلوكاً أكثر عدوانية.

  1. زيادة التهديدات النووية والسيبرانية ضد الأراضي الإيرانية

من النتائج الأقل وضوحاً لتقليص مدى الصواريخ ارتفاع احتمال العمليات السيبرانية وأعمال التخريب الموجهة ضد البنية التحتية الداخلية. فالخصوم اليوم لا يعتمدون فقط على الصواريخ والطائرات، إذ إن جزءاً كبيراً من الحروب الحديثة يجري في الفضاء السيبراني وعبر العمليات الخاصة.

عندما تمتلك إيران قدرة ردع بعيدة المدى، يدرك الخصم أنه في حال تنفيذ عمليات تخريبية أو هجمات سيبرانية واسعة، فإنه قد يتعرض لضربة مضادة. لكن إذا تلاشت هذه القدرة، فقد يتصرف الخصم بثقة أكبر ويقدم على:

• استهداف شبكات الكهرباء والمياه.
• تنفيذ هجمات سيبرانية ضد منشآت الطاقة والنقل.
• أو تنظيم عمليات ميدانية عبر عناصر متسللة.

بعبارة أخرى، فإن «تقليص المدى يفتح الباب أمام تهديدات أقل كلفة وأكثر تعقيداً»، وهي تهديدات تستهدف مباشرة الأمن الداخلي والحياة اليومية للمواطنين.

  1. فتح المجال أمام ضغوط سياسية واجتماعية خارجية

الدول التي لا تمتلك قدرة ردع قوية غالباً ما تتعرض لضغوط سياسية أكبر، لأن الخصوم يدركون أن الدولة المستهدفة تفتقر إلى خيارات الرد الصارم. وإذا فقدت إيران مدى صواريخها البعيدة، فمن المرجح أن تواجه زيادة في:

• العقوبات الذكية؛
• الضغوط المرتبطة بملفات حقوق الإنسان كأداة سياسية؛
• الحملات الإعلامية المنظمة؛
• بل وحتى التهديدات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة.

ويعرف هذا النمط في العلوم السياسية باسم Coercive Diplomacy، أي «الدبلوماسية القسرية» التي تهدف إلى الضغط على دولة ما لاتخاذ قرارات تتعارض مع مصالحها وأمنها. ومن دون الردع الصاروخي ستصبح إيران «أكثر عرضة من أي وقت مضى» لمثل هذه الضغوط.

وخلاصة القول إن تقليص مدى الصواريخ الإيرانية إلى 500 كيلومتر لا يشكل تهديداً لمكانة البلاد الإقليمية فحسب، بل يضعف أيضاً «الأمن الداخلي وشعور المواطنين بالأمان وبنية النظام السياسي والتماسك الاجتماعي». فإيران دولة تعيش في بيئة إقليمية مضطربة ومن دون تحالفات رسمية قوية، ولذلك فإن أي ضربة لقدرتها على الردع تنعكس فوراً داخل البلاد.

وسيؤدي هذا التغيير إلى سلسلة من المشكلات الداخلية، منها:

• إضعاف الطبقات الدفاعية؛
• زيادة هشاشة المجتمع؛
• تصاعد الخلافات السياسية؛
• ارتفاع الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب؛
• وزيادة الضغوط الدولية.

لهذا فإن مدى الصواريخ لا يمثل مجرد مسألة عسكرية، بل يعد «عنصراً أساسياً في الأمن القومي والاستقرار الداخلي».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى