الصحافة الإيرانية: نهاية عصر الطاقة الرخيصة.. هل تصل أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
اكتسب موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري. فمن منظور اقتصادي، تمتلك إيران اليوم ما يمكن وصفه بـ“الردع النفطي”.
ميدل ايست نيوز: أخرجت التوترات العسكرية في قلب الشرق الأوسط أسواق الطاقة من مساراتها التقليدية ودفعتها إلى حافة “الانفجار السعري”. وفي وقت تخشى فيه المراكز المالية الغربية كابوس وصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل، تحولت ورقة الطاقة إلى عنصر رئيسي في الردع الاستراتيجي لإيران؛ وهو توازن قد يضع النظام النقدي العالمي أمام تحد غير مسبوق.
وحسب تقرير لموقع اقتصاد24 الإيراني يجد العالم نفسه في الأشهر الأولى من عام 2026 أمام واحدة من أكثر أزمات القرن الحالي تعقيداً. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه نيران التوتر والقتال في قلب الشرق الأوسط، خرجت أسواق الطاقة العالمية من مرحلة “المعادلات التجارية” ودخلت مرحلة “إدارة البقاء”. ولم يعد تجاوز سعر خام برنت للمستويات الحرجة واستقراره عند مستويات مرتفعة مجرد خبر في عناوين الصحف الاقتصادية، بل أصبح مؤشراً على تحول هيكلي في ميزان القوى بين الشرق والغرب.
الحقيقة الصعبة بالنسبة للاقتصادات الكبرى هي أنه رغم كل الحديث عن الانتقال إلى الطاقة الخضراء، فإن نبض الحياة في الصناعة العالمية ما زال ينبض في شرايين الخليج، وأي اهتزاز في هذه المنطقة يتحول فوراً في بورصتي لندن ونيويورك إلى زلزال تضخمي.
تحول في مفهوم المخاطر وعودة العصر الذهبي للنفط
يرى محللون بارزون في بنك غولدمان ساكس أن سوق النفط يواجه حالياً ظاهرة تُعرف باسم “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، وهي ظاهرة غير مسبوقة خلال العقدين الماضيين. ففي الظروف العادية تتحدد أسعار النفط وفق العرض والطلب، لكن في خضم الصراع الدائر اليوم أصبحت الأسعار تُحدد بناءً على “احتمال حدوث اضطراب”. وهذا يعني أنه حتى لو لم ينخفض الإنتاج العالمي ولو بقطرة واحدة من النفط، فإن ظل الحرب يدفع المتعاملين إلى دفع أسعار أعلى لضمان أمن الطاقة.
وأشارت وكالة رويترز في تقرير حديث إلى أن شركات التأمين البحري الكبرى رفعت أقساط التأمين على ناقلات النفط إلى مستويات أدت عملياً إلى ارتفاع كبير في تكلفة نقل كل برميل. يشكل هذا العبء الإضافي أشبه بضريبة غير مباشرة يتحملها المستهلكون في مختلف أنحاء العالم، من طوكيو إلى برلين.
سيناريوهات مقلقة للمؤسسات المالية: من 120 إلى 200 دولار
بدأت أكبر المؤسسات المالية في العالم في رسم سيناريوهات لم تكن مطروحة من قبل. فقد حذر بنك جي بي مورغان، أكبر بنك في الولايات المتحدة، في مذكرة تحليلية من أنه إذا أدت الحرب الحالية إلى توقف إنتاج النفط في حقول الخليج، فإن سعر خام برنت قد يصل بسهولة إلى 120 دولاراً للبرميل. أما السيناريو الأكثر تشاؤماً فقد طرحه دويتشه بنك، حيث حذر محللوه من أنه في حال إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، فإن العالم قد يواجه نفطاً بسعر 200 دولار للبرميل.
إن إغلاق هذا الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، بل سيدفع أيضاً أسعار الغاز الطبيعي المسال إلى مستويات قياسية، ما قد يؤدي عملياً إلى توقف عجلة الصناعة في أوروبا وشرق آسيا. ويعكس هذا الوضع ما يمكن وصفه بـ“المأزق الاستراتيجي” للغرب، إذ يدرك صناع القرار هناك أن استمرار التوتر قد يعني إلحاق ضرر اقتصادي جسيم بأنفسهم.
الركود التضخمي… الإرث الثقيل للنفط المرتفع
تناولت مجلة الإيكونوميست في تحليل لافت تداعيات ارتفاع أسعار النفط على السياسات النقدية للبنوك المركزية. وترى المجلة أن وصول النفط إلى 100 دولار للبرميل يعني عودة شبح “الركود التضخمي”. ففي الوقت الذي كانت فيه البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا تسعى بعد سنوات من الجهود إلى إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المئة، جاءت الصدمة النفطية الحالية لتقوض هذه الجهود.
ويؤدي ارتفاع أسعار الوقود مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل، ما يرفع بدوره أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. وتشير تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس إلى أن استمرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار قد يخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو نصف نقطة مئوية، وهو ما يعني، في اقتصاد عالمي تُقاس قيمته بالتريليونات، فقدان ملايين فرص العمل وتعرض عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الغرب للإفلاس.
الردع الاقتصادي… إيران لاعب أساسي في معادلة الاستقرار
في خضم هذه التطورات، اكتسب موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري. فمن منظور اقتصادي، تمتلك إيران اليوم ما يمكن وصفه بـ“الردع النفطي”. فواقع الأمر أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع تحمل اختفاء النفط أو حتى حدوث اضطراب محدود في الإمدادات القادمة من المنطقة.
ويرى محللون دوليون أن الترابط الوثيق بين “أمن المنطقة” و“استقرار الاقتصاد العالمي” يدفع القوى الكبرى إلى التعامل بحذر شديد في حساباتها العسكرية. وقد أظهر النفط الذي يتراوح سعره بين 85 و100 دولار أن استقرار الأسواق العالمية لا يمكن تحقيقه دون أخذ موقع إيران وأمنها في الاعتبار.
ويمنح هذا الواقع إيران فرصة للدفاع عن مصالحها الوطنية خلال الأزمة، كما يتيح لها التأثير في موازين القوى باعتبارها طرفاً يملك دوراً مهماً في استقرار أسواق الطاقة.
فرص وتحديات داخلية وسط العاصفة
بالنسبة للاقتصاد الإيراني الذي يواجه ضغوطاً كبيرة، يمثل ارتفاع أسعار النفط سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، يوفر ارتفاع عائدات النفط عند هذه المستويات السعرية المرتفعة فرصة مهمة لتأمين الموارد المالية في ظل ظروف الحرب. ويمكن أن تشكل هذه الإيرادات عامل استقرار في مواجهة تقلبات أسعار الصرف وتعزز القدرة الدفاعية والاقتصادية للبلاد.
ومن جهة أخرى، فإن ظروف الحرب تعني أيضاً ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية وتكاليف الالتفاف على العقوبات وارتفاع أقساط التأمين على الصادرات مقارنة بفترات السلم.
ويؤكد خبراء اقتصاديون ضرورة إدارة هذه الإيرادات بحكمة حتى لا تتحول هذه الفرصة إلى مصدر تضخم داخلي، مشيرين إلى أن الحكومة ينبغي أن تستغل العائدات الإضافية لتعزيز البنية التحتية الحيوية كي لا يتعرض الاقتصاد الوطني لصدمة في حال تراجع التوترات وانخفاض الأسعار لاحقاً.
نهاية عصر الطاقة الرخيصة
تشير تحليلات وسائل إعلام دولية مثل وول ستريت جورنال وفايننشال تايمز إلى أن العالم قد دخل مرحلة نهاية عصر الطاقة الرخيصة والمتاحة بسهولة. فقد أظهرت الحرب الدائرة في المنطقة أن أمن الطاقة لم يعد قضية محلية أو إقليمية، بل أصبح سلسلة مترابطة على مستوى العالم.
إن وصول سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل في عام 2026 ليس مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس حقيقة مفادها أن استمرار الحضارة الصناعية الحديثة يعتمد على استقرار الشرق الأوسط، وعلى الاعتراف بدور القوى المؤثرة في المنطقة مثل إيران. وفي نهاية المطاف، يبقى القرار بيد صناع السياسة في الغرب للاختيار بين استمرار التصعيد أو القبول بتوازن جديد للقوة، وهو خيار لن تتحدد نتائجه في ساحات القتال فحسب، بل أيضاً في محطات الوقود في نيويورك ومصانع ميونيخ.



