إغلاق مضيق هرمز يهدد اقتصاد الذكاء الاصطناعي والرقائق

تبدو كوريا الجنوبية وتايوان الأكثر عرضة للمخاطر، نظراً لاعتماد شبكتي الكهرباء فيهما على الغاز، إلى جانب تعويل استراتيجيات الاستيراد بدرجة كبيرة على إمدادات الخليج.

ميدل ايست نيوز: قد يبدو عالم إنتاج مقاطع فيديو بالذكاء الاصطناعي خلال ثوان عبر تطبيقات الهواتف الذكية بعيداً كل البعد عن واقع الحروب الدائرة في ممرات الشحن بالخليج، لكن في الحقيقة الترابط بين المجالين وثيق جداً.

فالأسس التي تقوم عليها صناعة التكنولوجيا العالمية تعتمد بدرجة كبيرة على تدفق النفط عبر مضيق هرمز، حيث تعهدت الحكومة الأميركية الثلاثاء بحماية حركة الملاحة التي يهددها الرد الإيراني على الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع.

رقائق العالم تعتمد على غاز الخليج

أكثر من نصف رقائق الذاكرة “دي رام” (DRAM) و”ناند” (NAND) التي تزوّد الأجهزة الإلكترونية بذاكرة التخزين قصيرة الأجل وطويلة الأجل، تُصنَّع في كوريا الجنوبية. كما يُنتَج نحو 70% من رقائق المعالجة المتقدمة المستخدمة في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومراكز البيانات في تايوان. وتُعدّ الدولتان من أكبر المعتمدين على واردات الغاز الطبيعي المسال من قطر.

يشكل ذلك نقطة ضعف خطرة، تتفاقم مع التقدم البطيء والمتردد للدولتين نحو مصادر الطاقة المتجددة. فقد أوقف مجمع “رأس لفان” للغاز في قطر الذي يوفر نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إنتاجه يوم الاثنين قبل أن يعلن لاحقاً حالة “القوة القاهرة”، وهو إجراء قانوني يتيح تعليق الإمدادات في حالات الطوارئ. وأوضحت شركة “قطر للطاقة” أن القرار جاء عقب هجمات عسكرية استهدفت المنشأة.

ويتجه نحو 90% من الغاز الطبيعي المسال المنتج في قطر والإمارات شرقاً نحو الأسواق الآسيوية.

اضطرابات الطاقة تضغط على أسهم كوريا وتايوان

أشعل ذلك موجة بيع سريعة في أسواق الأسهم الآسيوية المرتبطة بقطاع الطاقة يوم الأربعاء. إذ هوى مؤشر “كوسبي” في كوريا الجنوبية بنسبة 12%، مسجلاً أكبر هبوط يومي، حيث تشكل شركتا “سامسونغ إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس” (SK Hynix) نحو 40% من وزنه.

كما انخفض مؤشر “تايكس” (Taiex) في تايوان بنسبة 4.4%، حيث شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات” (Taiwan Semiconductor Manufacturing) وحدها تمثل نحو 45% من المؤشر.

ويعكس هذا التراجع إدراك الأسواق لحجم الانكشاف الفريد لهذين الاقتصادين. فالصين والهند قد تكونان أكبر مستوردين للغاز الطبيعي المسال من قطر، لكنهما لا تمنحانه وزناً كبيراً في مزيج توليد الكهرباء، إذ لا تتجاوز مساهمته نحو 3%. وفيما تستخدم اليابان الغاز الطبيعي المسال لإنتاج نحو ثلث كهربائها، إلا أن قطر والإمارات معاً لا تمثلان سوى نحو 5% من وارداتها.

في المقابل، تبدو كوريا الجنوبية وتايوان الأكثر عرضة للمخاطر، نظراً لاعتماد شبكتي الكهرباء فيهما على الغاز، إلى جانب تعويل استراتيجيات الاستيراد بدرجة كبيرة على إمدادات الخليج.

سباق لتأمين الغاز قبل نفاد المخزونات

في الوقت الراهن، تتهافت الدولتان على تأمين الإمدادات. فعلى عكس الاتحاد الأوروبي، الذي تكفي مخزوناته لتغطية نحو ثلث الاستهلاك السنوي، فإن سعة التخزين في الدولتين محدودة جداً، إذ تكفي فقط لتغطية أقل من شهرين من الواردات في كوريا الجنوبية، وأقل من شهر في تايوان.

مع تفريغ السفن المتجهة حالياً إلى الموانئ حمولاتها مطلع أبريل، فإن أي تعطل مستمر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز سيبدأ سريعاً بالضغط على إمدادات الكهرباء.

سيشكل ذلك تحدياً كبيراً لمصانع أشباه الموصلات كثيفة الاستهلاك للطاقة التي تنتج مليارات الرقائق التي تشغّل أجهزتنا الإلكترونية.

فرصة لأستراليا والولايات المتحدة في سوق الغاز

مع ذلك، توجد سبل لتخفيف وقع الصدمة. فالغاز الطبيعي المسال متوافر في السوق الفورية، لكن بأسعار أعلى بكثير، وقد ترتفع أكثر إذا استمرت الأزمة في مضيق هرمز.

ومع ذلك، لا يزال العقد الآسيوي المرجعي يتداول عند نحو سدس المستويات التي بلغها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.

تميل أستراليا والولايات المتحدة اللتان تتنافسان مع قطر على لقب أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال، إلى اعتماد شروط أكثر مرونة في عقود البيع، وقد تجد كلتاهما فرصة لإبرام مبيعات في السوق الفورية وانتزاع حصة من السوق.

كما قد تسعى اليابان، التي لا تزال لديها إمدادات مريحة من مصادر أخرى وتطرح نفسها كداعم لتجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إلى المساعدة في تخفيف الضغوط، وفق ما كتب زميلي خافيير بلاس.

خيارات إمدادات الطاقة تزيد هشاشة كوريا وتايوان

تدق هذه التطورات ناقوس الخطر. فقد عمل عدد كبير من دول العالم خلال السنوات التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا لتقليص الاعتماد على الوقود القادم من مناطق مضطربة. ويتجلى ذلك في إقبال أوروبا على طاقتي الرياح والشمس، واندفاعة الصين نحو مزيج من الطاقة المتجددة والفحم، وتزايد الاكتفاء الذاتي النفطي للولايات المتحدة.

إلا أن ديمقراطيات شمال شرق آسيا، التي تشكل ركائز أساسية لمجتمعاتنا القائمة على التكنولوجيا، سارت في الاتجاه المعاكس. فبالنسبة لهذه الدول، اكتسب التدفق المستمر للطاقة المستوردة أهمية أكبر من أي وقت مضى، في حين لا تزال السياسات تتحرك في الاتجاه الخطأ.

فقد أغلقت تايوان آخر محطات الطاقة النووية لديها في مايو الماضي، كما أقرّت في نوفمبر قانوناً يجعل إنشاء مزارع الطاقة الشمسية واسعة النطاق شبه مستحيل.

أما كوريا الجنوبية، فلا تزال تعمل تدريجياً على إزالة قيود تنظيمية مشابهة. إذ كان أحد القوانين المتعلقة بتحديد مواقع مشاريع الطاقة الشمسية، الذي أُلغي الشهر الماضي، يقيّد إقامة هذه المنشآت في أقل من 1% من مساحة الأراضي في العديد من المقاطعات.

قيود تنظيمية تعرقل التحول للطاقة النظيفة

أسهمت ظاهرة “ليس في فنائي الخلفي” (NIMBY)، التي غذّتها حملات التضليل، في تقييد انتشار طاقة الرياح البرية في البلدين، رغم تمتعهما بظروف طبيعية ملائمة لهذه التكنولوجيا. كما أدت التأخيرات الطويلة في إجراءات الترخيص والقيود المفروضة على استخدام المعدات المستوردة إلى إبطاء تطوير مشاريع طاقة الرياح البحرية أيضاً.

وفي وقت أصبحت فيه الطاقة النظيفة أرخص من الوقود الأحفوري في معظم أنحاء العالم، جعلت شبكة معقدة من القواعد التنظيمية غير المدروسة كلفتها مرتفعة بشكل استثنائي في شمال شرق آسيا.

وغالباً ما تهمل الدول مواطن الضعف في سياسات الطاقة لديها إلى حين تفرض الطوارئ الجيوسياسية التعامل معها. فقد دفعت أزمة النفط عام 1973 الدول المتقدمة إلى التوسع في الطاقة النووية والفحم وإنتاج النفط المحلي، بينما سرّع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 اندفاعة أوروبا نحو مصادر الطاقة المتجددة.

تكشف الأزمة الراهنة حجم اعتماد الديمقراطيات المتقدمة في آسيا، بل والعالم بأسره، على ممر بحري واحد شديد الحساسية في الشرق الأوسط. وقد حان الوقت لأن تكثّف كوريا الجنوبية وتايوان جهودهما لمعالجة نقطة الضعف هذه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى