فريد زكريا في مقال: الحرب الأهلية الإيرانية ليست في مصلحة أميركا

نفى وزير الدفاع بيت هيغسيث صراحة أن تكون هذه "حربا لتغيير النظام"، ووافقه في ذلك كبير مساعديه إلبريدج كولبي. وقال الاثنان إن الهدف ينحصر في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: “تغيير النظام بعزف جاز مرتجل”. بهذه العبارة لخص الباحث البارز في الشأن الإيراني كريم سجادبور استراتيجية إدارة ترمب في الحرب التي شنتها على إيران. وللأسف، ربما كان هذا الوصف أصدق تعبير عن النهج المبعثر والمتقلب والغامض الذي يصدر عن واشنطن في هذه الأيام.

بدأ الرئيس هذه الحرب وهو يحض الإيرانيين على إسقاط حكومتهم. ولعله كان يتصور أن النظام سينهار من فوره. ولما لم يحدث ذلك خلال يوم أو يومين، بدل خطابه، وصار يتحدث عن إمكان التعامل مع شخصيات محتملة من داخل النظام، وراح يمتدح التدخل الأميركي في فنزويلا ويقدمه نموذجا يحتذى، بل وصفه بأنه “مثالي”، لأنه لم ينته، في المحصلة، إلى تغيير النظام، واكتفى باعتقال شخصين فقط.

ونفى وزير الدفاع بيت هيغسيث صراحة أن تكون هذه “حربا لتغيير النظام”، ووافقه في ذلك كبير مساعديه إلبريدج كولبي. وقال الاثنان إن الهدف ينحصر في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وهي القوات نفسها التي سبق أن قيل إن قسما كبيرا منها “أبيد” في يونيو/حزيران الماضي خلال هجوم جوي استمر 12 يوما وشمل استخدام قاذفات شبحية.

غير أن ترمب عاد، في انعطافة جديدة، إلى التواصل مع قادة كرد في إيران والعراق، واعدا إياهم بالدعم إذا انضموا إلى القتال، لا من أجل إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، وإنما للمساهمة في إسقاط الحكومة في طهران، وربما تغيير حدود إيران نفسها. وأعلن ترمب الآن أن لا اتفاق من دون “استسلام غير مشروط” من إيران.

وهكذا لا يلبث الهدف أن يخرج عن كونه تغيير النظام، حتى يعود إليه من جديد.

غير أن أخطر ما في هذه الحرب لا يتمثل في أن بطلها الرئيس يرتجل كعازف ساكسفون، وإنما في أن الدولتين اللتين تخوضانها تتحركان وفق أجندتين منفصلتين، وربما متصادمتين. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تدور هذه الحرب بوضوح حول تدمير الجمهورية الإسلامية. مقرا بأن هذه الحرب تمثل ذروة حلم امتد أربعين عاما. وهو يستثمر هذه الفرصة أيضا لاجتثاث “حزب الله” من جذوره.

وجاءت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية مركزة ومحكمة التنفيذ ومتسقة مع غايتها. فالضربات الإسرائيلية تستهدف رأس القيادة الإيرانية، وتدمر قواتها العسكرية، وتقصف مجمعات القيادة، بل تطال منشآت الشرطة أيضا. وهي، على ما ذكرت “وول ستريت جورنال”، تمضي بصورة منهجية في تفكيك بنية الدولة القمعية في إيران، بما يترك النظام على شفير الانهيار.

وإذا استمر المسار الحالي، فقد تنجح إسرائيل فعلا في بلوغ هدفها. لكن ذلك سيخلف، على الأرجح، فراغا في السلطة داخل البلاد، وهو فراغ قد يفتح الباب أمام التمرد، ويرجح أكثر انزلاق البلاد إلى حرب أهلية. ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذا النظام، أيا تكن الجهة التي تسعى إلى انتزاع السلطة منه، سيقاتل دفاعا عن نفسه. وأقرب الأمثلة إلى ذلك سوريا، البلد الذي غرق في حرب أهلية لأكثر من عقد، وسقط فيه مئات الآلاف من القتلى، وشرد منه الملايين.

وإيران، كما كتب توم فريدمان، بلد قابل للانفجار بسهولة. فهي تضم جماعات إثنية متعددة، من كرد وأرمن وأذربيجانيين، ترتبط جميعها بصلات مع دول الجوار. وعاشت هذه الجماعات معا في سلام، غير أن التاريخ يبين، من البلقان إلى العراق، أنه عندما ينهار النظام وينشأ فراغ في السلطة، ينكفئ الناس إلى جماعاتهم الأولية ويفقدون الثقة بغيرهم. ومن هنا تبدأ الحروب الأهلية.

ويغذي حربا كهذه أن الدولة الإيرانية تمتلك عددا هائلا من المقاتلين العقائديين المدججين بالسلاح، ممن سيحاربون أي حكومة أو قوة جديدة. ويقدر عدد عناصر “الحرس الثوري” بنحو 200 ألف، يضاف إليهم الباسيج يضم مئات الآلاف. ثم هناك القوات المسلحة النظامية، ويقارب عددها 400 ألف.

وكما تلاشى جيش صدام حسين بعد الغزو الأميركي، ثم عاد قسم كبير منه في صورة تمرد مسلح، يمكن أيضا تصور “الحرس الثوري” وهو يقاتل بأزياء مختلفة، سعيا إلى حرمان أي سلطة جديدة من القدرة على إحكام السيطرة على البلاد. وفي ليبيا، بعد أكثر من 14 عاما على سقوط القذافي، لا تزال البلاد تفتقر إلى قوة واحدة تفرض سيطرتها على كامل أراضيها. فهدم الدولة أيسر بكثير من إعادة بنائها.

وبالنسبة إلى إسرائيل، قد يكون هذا مآلا مقبولا. فهو يخلصها من أخطر أعدائها، وإذا ما قاد ذلك إلى الفوضى في إيران، وفي لبنان أيضا، فلن يضيرها ذلك. بل إن الحرب الأهلية السورية حسنت أمن إسرائيل فعليا، لأنها لم تعد تواجه دولة عربية كبرى تكرس نفسها لمحاربتها. لكنّ حربا أهلية في إيران لا تخدم المصلحة الأميركية، ولا مصالح أقرب حلفاء واشنطن العرب، الذين يعتمدون على بقاء المنطقة مستقرة وقابلة للتوقع، حتى يظل تدفق النفط والسلع والأموال والبشر فيها حرا ويسيرا.

ولا تزال هناك سبل لتعزيز ما تحقق ووضع هذه الحرب على طريق النهاية. وكما جرت العادة، يمكن لقطر أن تؤدي دورا نافعا في الوساطة. لكن الوقت يضيق. فهذه الحرب ستبلغ، عند نقطة ما، عتبة فاصلة لن يعود بعدها في وسع أحد أن يضبط ما يتسرب منها من تداعيات.

 

فريد زكريا

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
المجلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى