ألمانيا تساند الهجمات الأميركية على إيران
ظهر الموقف الألماني في تصريحات للمستشار الألماني فريدريش ميرز، قبل أسبوع، من واشنطن بعد لقاء مع ترامب، عندما أشار إلى أن واشنطن وبرلين متفقتان على "ضرورة القضاء على النظام في طهران".

ميدل ايست نيوز: في وقت تبدو فيه ألمانيا غير منخرطة مباشرة في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تساند برلين الهجمات الأميركية مع زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التهديد النووي بلغ من الخطورة حداً يبرر الحرب، رغم ادعائه خلال الأشهر الماضية أنه قد أوقف و”محا” البرنامج النووي الإيراني لسنوات عديدة قبله، بعد حرب يونيو/حزيران الماضي.
وظهر الموقف الألماني في تصريحات للمستشار الألماني فريدريش ميرز، قبل أسبوع، من واشنطن بعد لقاء مع ترامب، عندما أشار إلى أن واشنطن وبرلين متفقتان على “ضرورة القضاء على النظام البغيض في طهران”. وتُرجم موقف برلين أيضاً في الأسابيع الماضية من خلال التحركات العسكرية الأميركية على الأراضي الألمانية. فماذا عن حجم الدور وآليات الدعم الألماني في حرب إيران؟
قاعدتا رامشتاين وشبنغدالم
في ظل حال الترقب وتكثيف اجتماعات الأزمات (الاجتماعات الطارئة) والمشاورات على جميع المستويات، بما في ذلك التداعيات المحتملة، أشار موقع كتنر-ادلميتال (kettner-edelmetalle)، في الخامس من مارس/آذار الحالي، إلى أن ما يجهله الكثيرون من الألمان أو لا يرغبون في معرفته، هو أن الضربة العسكرية الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية (قُصفت المنشآت في حرب يونيو الماضي) ما كانت لتتم لولا وجود القاعدتين الأميركيتين الشاسعتين في ولاية راينلاند بفالس الألمانية، وأهمهما قاعدة رامشتاين الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية، ومقر الدعم اللوجستي للولايات المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط.
في هذا الصدد، ذكرت تقارير إعلامية أن الولاية شهدت، خلال الأسابيع الأخيرة، وبانتظام هديراً للطائرات الثقيلة، وأنه منذ يوم 23 فبراير/شباط الماضي، هبطت 161 طائرة في قاعدتي رامشتاين وشبنغدالم. كما انطلقت من القاعدتين 246 طائرة على الأقل، بينها طائرات من طراز “بوينغ سي 17” و”غلوب ماستر 3″، فضلاً عن “لوكهيد سي 130” التي يمكنها نقل حمولة تصل إلى 120 طناً.
بدورها، ذكرت صحيفة فراكفورتر ألغماينه، في الرابع من مارس الحالي، أن طائرات من طراز “أف-16” المقاتلة والتي ستستخدم لتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية، تحركت من قاعدة شبنغدالم في ألمانيا إلى منطقة في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، تجري إعادة نقل الجنود والمعدات عبر قاعدة رامشتاين، والتي تعد الرابط المركزي بين القارة الأميركية ومناطق العمليات خلف البحر الأبيض المتوسط. تجدر الإشارة إلى أن طائرات مقاتلة أميركية سُحبت من قواعد إسبانية إلى ألمانيا، بعد أن حظرت مدريد استخدام القواعد هناك لشن هجمات على إيران.
إعادة توجيه الأقمار الاصطناعية الأميركية
بحسب ما بيّنت معلومات عسكرية، من بينها موقع “ذا وور زون” وموقع القوات الجوية الأميركية في أوروبا، جرى أخيراً أول استخدام موثق على الأراضي الأوروبية لطائرة “إيه إي -37 بي كومباس كول”، والتي مثّل وصولها، في 26 يناير/كانون الثاني الماضي إلى قاعدة رامشتاين، انخراطاً سلساً في منظومة الاستعدادات الحربية الشاملة.
هذه الطائرة مبنية على هيكل طائرة “غلف ستريم جي 550″، تمثل أحدث أنظمة القوات الجوية الأميركية في مجال الحرب الإلكترونية، ومتخصصة لتعطيل أنظمة الرادار والاتصالات والملاحة لدى العدو. حتى أن نظام “سابر” المكوّن الأساسي لهذا النظام (الطائرة)، يمكّن من شن هجمات إلكترونية على أنظمة الدفاع الجوي للعدو، وهو شرط أساسي لأي هجوم على منشآت نووية شديدة التحصين كتلك الموجودة في إيران.
من جهة ثانية، فإن دور قاعدة رامشتاين لا يقتصر على تحركات الطيران المرئية. فالبنية التحتية غير المرئية للقاعدة أكثر أهمية، إذ تضم مجموعة هوائيات الأقمار الاصطناعية التي تعمل محطة تقوية للتحكم بالطائرات المسيّرة. والمبدأ البالغ الأهمية أن طياري الطائرات المسيّرة يتمركزون في الولايات المتحدة، فيما تُنقل أوامر التحكم عبر كابلات الألياف الضوئية إلى رامشتاين، حيث يعاد توجيهها إلى الأقمار الاصطناعية، ومنها ترسل إلى الطائرات المسيّرة في مناطق العمليات.
ونقل “كتنر-ادلميتال” عن خبراء أن إنشاء رابط مباشر عبر الأقمار الاصطناعية بين قارة أميركا والشرق الأوسط يكاد يكون مستحيلاً من الناحية التقنية بسبب انحناء الأرض، ما سيحد بشدة من دقة المناورات الجوية وتحديد الأهداف. مع العلم، أنه يتم أيضاً في قاعدة رامشتاين تقييم تحليل للبيانات والصور ومقاطع الفيديو في الوقت الفعلي من الطائرات المسيّرة وطائرات الاستطلاع قبل إرسالها إلى الطيارين وصناع القرار.
تصنيع الأسلحة
على وقع وصف ترامب تصرف ألمانيا في هذه الحرب بـ”الرائع”، ذكر موقع “أم أم لوجيستيك” أن الصناعات الألمانية ستلعب دوراً رئيسياً في الإمداد مع تناقص صواريخ باتريوت (منظومة دفاع جوي صاروخي أميركية متنقلة بعيدة المدى). والحديث يدور عن دخول شركتي أسلحة ألمانيتين مجال تصنيع هذا النوع من الصواريخ بكميات أكبر (أم بي دي إي ألمانيا وراينميتال). وكل ذلك لأن استهلاك الذخيرة في الحرب ضد إيران يلقي بظلاله على صناعة الدفاع الجوي الأميركية.
في السياق، ذكرت صحيفة هاندلسبلات الألمانية، في الخامس من مارس الحالي، أن هناك استنزافاً لكميات هائلة (من صواريخ الدفاع الجوي) في دول الخليج، مشيرة إلى أنها باتت نادرة. ووفقاً لمصادرها العسكرية فإن دول مجلس التعاون الخليجي وحدها أطلقت نحو 800 صاروخ في الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى استهلاك الجيش الأميركي والإسرائيلي ما يقارب هذا العدد أيضاً. وبينت الصحيفة نفسها أن هناك تشكيكاً بمخزونات الذخيرة من هذا النوع لدى الأميركيين، سيما وأن قدرات الإنتاج لدى الشركات محدودة.
ألمانيا عامل تمكين لأميركا
أمام ما تقدم، رأى الباحث في الشؤون الأوروبية، شتيفان شنايدر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الولاء الألماني للتحالف الأميركي حجر زاوية في السياسة الأمنية الألمانية”، موضحاً أن “برلين مندمجة هيكلياً في الاستراتيجية العسكرية الأميركية، ولها مصلحة في عدم الظهور بمظهر المتواطئ في حرب مثيرة للجدل بموجب القانون الدولي”. لكن ألمانيا، وفق شنايدر، تعد “عامل تمكين لا غنى عنه، إذ يتم تنسيق كل مجريات الحرب القادرة على إشعال الشرق الأوسط على الأراضي الألمانية”.
وفي رأيه فإن “على برلين أن تستعيد دورها الدبلوماسي رغم أن هذا الأمر يتطلب الصبر، وفي كثير من الأحيان يكون محبطاً”، معتبراً أن “الحرب ليست بديلاً عن الضغط السياسي وطرق باب التفاوض”. وأضاف أن “الأمر لا يتعلق بالأخلاق والقيم إنما بالاستقرار”، لافتاً إلى أن “لألمانيا مصلحة اقتصادية أساسية بذلك، فالحروب تكلف غياب الازدهار”.
وشدد على أنه “يقع على عاتق صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا لعب دور واضح بوصفها وسيطاً، لكن عليها أولاً التحرر من نفوذ الولايات المتحدة في سياستها تجاه الشرق الأوسط مع التزام واضح بالقانون الدولي”. وأمام لحظات الانتظار الثقيلة، بحسب شنايدر، فإن ألمانيا وأوروبا تلحقان الضرر بنفسيهما “بهذا الجبن في مواجهة صديقهما في البيت الأبيض، والذي لم يعد صديقاً على الإطلاق”، مضيفاً أنه “في ظل النظام العالمي الفوضوي الناشئ، فإن لأوروبا مصلحة راسخة في تطبيق قواعد القانون الدولي، ومن غير الحكمة تقويضها”.
ترامب يضع ألمانيا في مأزق؟
وعن تبعات تدخل ألمانيا بتوفيرها بنية تحتية لاسترضاء الجانب الأميركي ومعها تصبح متواطئة ضد دولة ذات سيادة، وبالتالي جر البلاد لمساءلة قانونية لاحقاً، اعتبر أستاذ القانون الألماني، كاي أمبوس، في مقابلة مع صحيفة تاغس تسايتونغ الألمانية، في الرابع من مارس الحالي، أنه لا يمكن إدانة حرب روسيا العدوانية (على أوكرانيا) بمصداقية إذا لم نحدد بوضوح انتهاكات القانون الدولي في غزة وفنزويلا.
وأشار إلى أن المصداقية عملة أساسية في القانون الدولي، ولا يمكن لألمانيا أن تدعو إلى نظام قائم على القواعد ثم تتراجع خوفاً من ترامب. هذه ليست مبادئ فحسب، وفق أمبوس، بل مصالح لبرلين أيضاً، لأن النظام القائم على القواعد والقانون الدولي يحمي برلين أيضاً بوصفها قوة متوسطة. ويبرز في هذا الإطار ما قاله وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أخيراً، بأن الحرب مع إيران لا يمكن تقييمها بموجب القانون الدولي، ويجب أولاً دراستها بدقة، ما يعد وفق أمبوس، مراوغة، والقانون الدولي ملزم في ألمانيا وهو مكرس في الدستور.
وفي حين تكتسب هذه النقطة أهمية إضافية، توازياً مع تحدث المستشار الألماني بشكل مبهم عن معضلة التناقض بين انتهاكات القانون الدولي وهدف إزاحة النظام الإيراني، أبرز موقع المحكمة القانونية (ألمانيا)، في السادس من مارس الحالي، أن هناك سابقة في هذا المجال، بعدما رفع مواطنون يمنيون قتل أقاربهم في طائرات مسيّرة أميركية دعوى حمّلوا فيها ألمانيا مسؤولية لأنها أذنت باستخدام قاعدة رامشتاين، وهذا ما أيدته المحكمة العليا في مونستر في العام 2019 إلى حد كبير، وقضت بأن الحكومة الألمانية ملزمة بدراسة مشروعية استخدام القاعدة بموجب القانون الدولي. لكن المحكمة الدستورية الاتحادية وضعت العام الماضي، حداً مبدئياً للمسألة، ورأت أن ألمانيا لا تنتهك القانون الدولي ولا الدستوري بعدم ممارستها رقابة أكثر صرامة على عمليات الطائرات المسيّرة فوق رامشتاين الجوية. كما ذكرت أن السلطة التنفيذية تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في السياسة الخارجية والأمنية، وبعبارة أخرى يسمح للحكومة الألمانية بالتغاضي عن الأمر، وهذا ما يحصل حالياً.



