الصحافة الإيرانية: حرب إيران تغيّر قواعد الصراع.. المياه تتحول إلى سلاح استراتيجي أخطر من النفط
في منطقة تشتهر بثروتها النفطية، أصبحت المياه الآن المورد الأغلى. وبينما تركز الأخبار على حجم النفط والغاز، يحدد تدفق المياه المحلاة غير المرئي قدرة المدن على البقاء خلال الأزمات.

ميدل ايست نيوز: مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، تتركز الأنظار عادة على ناقلات النفط والمصافي ومنشآت الغاز. لكن في الدول الساحلية لهذه المنطقة—مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت—هناك بنية تحتية حيوية أخرى مثل منشآت تحلية المياه تعمل بصمت لكنها توفر الحياة للملايين. في هذه الدول قليلة الأمطار، حيث الموارد المائية الطبيعية محدودة، تُعد المياه المحلاة ضرورة حقيقية وليست رفاهية.
وقالت صحيفة دنياي اقتصاد الإيرانية، بالنسبة لملايين الأشخاص، يعود الفضل في الحصول على مياه الصنبور أكثر إلى المضخات وأغشية التحلية بالتناضح العكسي ووحدات التبخير، وليس إلى الموارد الطبيعية. ففي السعودية مثلاً، يتم توفير أكثر من 70% من المياه الحضرية عبر منشآت التحلية، وفي الإمارات تعتمد جميع احتياجات المدن والصناعة تقريباً، بما في ذلك المباني والمجمعات الصناعية الكبيرة، على المياه المحلاة. تعمل هذه المنشآت على مدار الساعة لإنتاج ملايين الأمتار المكعبة من مياه الشرب.
التبعات الإنسانية الفورية
يحذر الخبراء من أن منشآت التحلية أكثر عرضة للخطر مقارنة بمنشآت النفط والغاز أثناء النزاعات، وأن تدميرها قد يؤدي إلى عواقب إنسانية فورية. وفقاً لمتخصصي أمن الطاقة والمياه في الشرق الأوسط، النفط والغاز ضروريان للاقتصاد العالمي، لكن منشآت التحلية في الخليج أكثر أهمية لحياة السكان المحليين. فإذا تعرضت هذه المنشآت لأي ضرر، فإن حياة الملايين ستكون مهددة، مع ظهور نقص المياه، وأزمات صحية، واضطرابات اجتماعية في وقت قصير.
من الناحية التقنية، تقع العديد من منشآت التحلية على السواحل وقرب المصافي ومنشآت النفط والغاز، ما يجعلها عرضة للهجمات الصاروخية أو التخريب أو الهجمات السيبرانية خلال النزاعات. المنشآت الحرارية التي تحلل المياه عبر التبخير والتكثيف تحتاج إلى إمدادات مستمرة من الوقود والكهرباء، بينما تعتمد وحدات التناضح العكسي على مضخات عالية الضغط وصيانة متخصصة. حتى الانقطاع القصير قد يقلل الإنتاج بشكل كبير.
التبعات الاقتصادية واسعة النطاق أيضاً. حيث تحتاج الصناعات الكبرى، خصوصاً البتروكيماويات والتصنيع، إلى مياه مستقرة لاستمرار العمل، وأي تعطيل في منشآت التحلية قد يوقف خطوط الإنتاج ويؤثر على الصادرات والوظائف في المنطقة. ستواجه المدن نقصاً عاجلاً في المياه، وسيكون للمستشفيات والمدارس والحياة اليومية للسكان أزمة كبيرة.
الهشاشة الحقيقية
يشير المحللون الدوليون إلى نقطة استراتيجية: التركيز العالمي على النفط والغاز، لكن الهشاشة الحقيقية قد تكون في المياه. ففي حرب الخليج 1990–1991، أدى الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للمياه والكهرباء في الكويت إلى نقص حاد في المياه، واستدعت التدخلات الطارئة لمنع كارثة إنسانية. لكن اليوم، زاد عدد السكان في المدن وأصبحت منشآت التحلية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
سعت الدول لتقليل مخاطر نقص المياه المحلاة من خلال إنشاء أنظمة دعم، وتشغيل عدة منشآت تغذي مياه الشرب الحضرية، إضافة إلى استخدام خزانات احتياطية. لكن الخبراء يحذرون من أن حتى هذه الأنظمة الاحتياطية قد لا تعوض عن نقص حاد في حال اندلاع نزاع شامل، لأن المياه لا يمكن استبدالها فورياً. فالنفط يمكن استيراده أو استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، لكن ملايين اللترات من مياه الشرب لا يمكن تعويضها بسرعة.
النتيجة الاستراتيجية واضحة: في التخطيط العسكري، يمكن أن تكون منشآت التحلية أهدافاً استراتيجية بحجم خطوط أنابيب النفط. تدرك دول المنطقة هذه الهشاشة وتستثمر في خطوط أنابيب تحت الأرض، وتقوية منشآت التحلية، وأنظمة مراقبة متقدمة. ومع ذلك، في حال استمرار التوتر، يؤكد الخبراء أن المدنيين—وليس الاقتصاد فحسب—قد يكونون أول ضحايا الضرر الذي يلحق بمنشآت التحلية.
في منطقة تشتهر بثروتها النفطية، أصبحت المياه الآن المورد الأغلى. وبينما تركز الأخبار على حجم النفط والغاز، يحدد تدفق المياه المحلاة غير المرئي قدرة المدن على البقاء خلال الأزمات.



