كيف يقرأ كبار المحللين في العالم مستقبل الحرب في إيران؟
تشير الصورة العامة إلى أن الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بدأت عسكرياً لصالح محور واشنطن–تل أبيب، لكنها من الناحية الاستراتيجية والسياسية لم تصل بعد إلى نصر حاسم لهما.
ميدل ايست نيوز: تشير الصورة العامة إلى أن الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بدأت عسكرياً لصالح محور واشنطن–تل أبيب، لكنها من الناحية الاستراتيجية والسياسية لم تصل بعد إلى نصر حاسم لهما، كما لم تؤدِّ إلى انهيار سريع للجمهورية الإسلامية. وعلى العكس، كلما مرّ الوقت ازداد وضوح الفجوة بين التفوق العملياتي العسكري والغموض الذي يكتنف النهاية السياسية للحرب.
وتتفق مراجعة تقارير عدد من المجلات والمحللين الأمريكيين، من بينهم معهد هدسون وواشنطن بوست وفورين أفيرز ونيويوركر وفريد زكريا وتوماس فريدمان وديفيد إغناتيوس وكاسبيت وروبرت بيب وآخرون، على نقطة رئيسية مفادها أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من توجيه ضربات قوية، لكن ما زال من غير الواضح كيف يمكن ترجمة هذه الضربات إلى نظام مستقر بعد انتهاء الحرب.
الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في المرحلة الأولى من الحرب
فقد تمكنتا من تحقيق تفوق جوي واستخباراتي، واستنزاف جزء مهم من القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، واستهداف قادة ومراكز قيادة، وتدمير أجزاء من البنية التحتية النووية والعسكرية، كما انخفضت وتيرة الهجمات الإيرانية بشكل ملحوظ مقارنة بالأيام الأولى من الحرب.
لكن التحليلات نفسها تضع قيداً مهماً على هذا التقييم، إذ إن تراجع القدرات لا يعني انهيارها بالكامل. فإيران ما زالت تحتفظ ببنية قيادة، وما زال جزء من قدراتها الصاروخية والمسيّرة قائماً، كما تستطيع توسيع نطاق الحرب أفقياً إلى مستوى إقليمي، ونقل كلفتها إلى دول الخليج وأسواق الطاقة وحتى إلى الداخل الأمريكي. والأهم أنها لم تنهَر حتى الآن.
المشكلة الأساسية هي أن النجاح العسكري الأولي لم يتحول بعد إلى نجاح سياسي. وهذه الفكرة تكررت في عدة تحليلات بصيغ مختلفة تحت عنوان واضح: تفوق عسكري من دون نصر استراتيجي.
ومن أبرز النقاط التي تتكرر في هذه التحليلات أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تمتلكان خطة متماسكة ومشتركة لإنهاء الحرب.
ما الهدف من الحرب؟
في قراءة وسائل الإعلام الأمريكية تتعدد الروايات حول «هدف الحرب»:
ترامب يتحدث عن استسلام غير مشروط وتغيير القيادة، بل وحتى دور في تحديد القائد القادم لإيران.
بعض المسؤولين الأمريكيين يقولون إن الهدف ليس تغيير النظام بل إضعاف البرنامجين الصاروخي والنووي.
بنيامين نتنياهو وأجزاء من المؤسسة الإسرائيلية يرون في الحرب فرصة تاريخية لتدمير الجمهورية الإسلامية.
بعض الأوساط الأمنية الإسرائيلية تعتقد أنه بعد تحقيق الأهداف العسكرية الأساسية من الأفضل وقف الحرب.
أما تحليلات قريبة من ترامب فتقول إن الولايات المتحدة ليست مسؤولة عن إعادة بناء إيران، بل فقط عن إزالة التهديد.
بمعنى آخر، فإن التحالف العسكري القائم في الحرب ليس تحالفاً ذا هدف سياسي موحد.
استراتيجية إيران: استنزاف الولايات المتحدة في المنطقة
يقدّم روبرت بيب ومعهد هدسون أوضح قراءة لسلوك إيران في هذه الحرب، إذ يرون أن طهران تسعى إلى تغيير طبيعة الصراع.
ويتضمن هذا التغيير عدة عناصر:
أولاً، التصعيد الأفقي، أي توسيع نطاق الحرب من داخل إيران إلى القواعد الأمريكية في المنطقة ودول الخليج وأنظمة الرادار والبنى التحتية للإنذار المبكر والملاحة البحرية وأسواق الطاقة، وحتى الجبهات غير المباشرة إذا لزم الأمر.
ثانياً، حرب الاستنزاف، أي اعتماد موجات متكررة من الهجمات بدلاً من رد حاسم ونهائي، بهدف إنهاك منظومات الدفاع الجوي، واستنزاف الصواريخ الاعتراضية، ورفع كلفة الحرب وإطالة أمد الأزمة.
ثالثاً، استهداف البنية الأمنية الإقليمية للولايات المتحدة، إذ لا تكتفي إيران بإطلاق الصواريخ، بل تسعى أيضاً إلى تعطيل طبقات الاستشعار والإنذار والقيادة في شبكة الدفاع الأمريكية في المنطقة، في محاولة لإظهار أن كلفة الحرب لن تتحملها إيران وحدها، بل ستنتقل أيضاً إلى العمود الفقري للنظام الأمني الأمريكي في الخليج.
رابعاً، استخدام ورقة الطاقة. فبعد تراجع محور الحلفاء غير المباشرين لإيران، تبقى ورقة الطاقة أهم أدوات الضغط لدى طهران، التي تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أنه إذا أصبح بقاء النظام هدفاً مباشراً للحرب، فإن الكلفة لن تُدفع في طهران وحدها، بل أيضاً في دبي والدوحة والرياض والأسواق العالمية وحتى في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
وتظهر معظم التقارير، من تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى مقالات فورين أفيرز وواشنطن بوست ونيويوركر واستطلاع TRIP وآراء فريدمان وزكريا وآصف بيات وداسا كاي وحتى بعض التحليلات القريبة من إسرائيل، درجة عالية من الشك في إمكانية تغيير النظام في إيران من الخارج.
وتعود أسباب ضعف هذه الاستراتيجية إلى عدة عوامل، أبرزها تشتت المعارضة الإيرانية، وغياب بديل يحظى بإجماع واسع، وضعف القاعدة الداخلية للمعارضة في المنفى، إضافة إلى أن بنية النظام أمنية وأيديولوجية وليست قائمة على شخص واحد فقط. كما أن التدخل الخارجي قد يعزز النزعة القومية الدفاعية داخل إيران، وقد تؤدي الحرب إلى مزيد من الحكم العسكري بدلاً من الديمقراطية، بينما قد يؤدي انهيار الدولة المركزية إلى حرب أهلية أو صراعات إثنية وسيناريوهات شبيهة بما حدث في سوريا أو ليبيا.
وتظهر دراسة التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث والمجلات الدولية أن تغيير النظام في إيران لا يُنظر إليه فقط على أنه أمر صعب التحقيق، بل يُعد في كثير من التقديرات السيناريو الأكثر خطورة.
ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحرب؟
إذا جرى ترتيب السيناريوهات المحتملة، يبدو أن ثلاثة مسارات رئيسية تلوح في الأفق:
السيناريو الأول: توقف الحرب بعد تحقيق الأهداف العسكرية الأساسية
في هذا السيناريو تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد إضعاف البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين بشكل ملحوظ وإظهار القوة العسكرية، إلى وقف إطلاق النار أو إنهاء القتال بطريقة مضبوطة.
ويظهر هذا السيناريو في كتابات إغناتيوس وفريدمان وبعض المحللين الإسرائيليين وجزء من التحليلات الأمريكية.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف إقليمية
تحاول إيران عبر مهاجمة القواعد العسكرية والبنية التحتية للطاقة والرادارات والملاحة البحرية رفع كلفة الحرب واستنزاف خصومها، في حين تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات متكررة.
ويتوافق هذا السيناريو مع تحليلات بيب وعزيزي وتقارير معهد هدسون وبعض تقارير الطاقة وعدد كبير من القراءات الاستراتيجية.
السيناريو الثالث: السعي إلى إسقاط النظام وفتح باب الفوضى
إذا استمرت الحرب حتى انهيار أو سقوط البنية المركزية للنظام، فإن خطر اندلاع حرب أهلية وتدخلات غير مباشرة وأزمات إثنية وموجات لجوء واسعة قد يتزايد، ما قد يحول إيران إلى سيناريو مشابه لما حدث في ليبيا أو سوريا.
وتعتبر نسبة كبيرة من التقارير هذا السيناريو أسوأ الاحتمالات وأكثرها كارثية.



