الصحافة الإيرانية: لماذا تتمتع إيران بالأفضلية في حرب الاستنزاف مع واشنطن وتل أبيب؟

ما يجري اليوم في المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لا يشبه حربًا تقليدية ذات خطوط مواجهة واضحة، بل هو صراع غير متكافئ ومتعدد المستويات.

ميدل ايست نيوز: تشهد المنطقة في الأيام الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق في التوترات على ساحة المواجهة بين تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا المشهد ليس فقط شدة الاشتباكات، بل التحول في طبيعة المعادلة وتحرك «نقطة توازن القوة» تدريجيًا، ولكن بشكل مستمر، لمصلحة إيران.

وقال صحيفة شرق، إنه رغم أن الرواية السائدة في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية تحاول رسم صورة لإيران بوصفها دولة محاصرة وفي موقع الدفاع والانفعال، فإن الواقع الميداني والتطورات الاستراتيجية في الأيام الأخيرة تروي قصة مختلفة. فإيران لم تتعرض لتراجع أو انهيار أمام موجة الهجمات المتبادلة، بل تمكنت من الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز قدرتها على الضربات الدقيقة، ما أتاح لها الإمساك بزمام المبادرة.

وجاء البيان رقم 29 الصادر عن الجيش الإيراني ليحمل نقاطًا لافتة، من بينها استهداف مراكز أمنية ومقرات للشرطة الإسرائيلية، بما في ذلك الوحدة الخاصة «لاهاف 433» التي تُعد بمثابة نظير مكتب التحقيقات الفيدرالي في إسرائيل، إضافة إلى مركز الاتصالات الفضائية «جيلات ديفنس» الذي يتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية وحلف شمال الأطلسي. ويعكس اختيار هذه الأهداف تطورًا نوعيًا في المعلومات العملياتية والقدرة الإيرانية على ضرب نقاط حساسة واستراتيجية لدى الخصم.

وفي الوقت نفسه، أفادت وسائل إعلام روسية بتدمير أكبر ملجأ أمني في إسرائيل، كان يُستخدم عبر حلقة داخلية في هذا النظام. كما بدأت عملية تعطيل المجال الجوي في العراق والميدان البري في السعودية بالنسبة للولايات المتحدة بشكل متصاعد، في حين أُطلق الصاروخ الباليستي «سجيل» ضمن الموجة الرابعة والخمسين من عملية «الوعد الصادق 4». وفي جانب الدفاع، أُسقط أكثر من 110 طائرات مسيرة، كما جرى اعتراض وتدمير عدد من الصواريخ المجنحة. وتشير هذه الأرقام والمعطيات إلى استمرار العمليات الهجومية الإيرانية بل وتصاعدها، وليس مجرد الاكتفاء بالدفاع.

مضيق هرمز.. معادلة تصب في مصلحة إيران

على الجهة الأخرى من ساحة المواجهة، تحول مضيق هرمز إلى إحدى النقاط الاستراتيجية في الصراع. وفي تحليل له، أشار روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إلى أن مسارات الملاحة في هذه المنطقة ضيقة للغاية، بحيث تصبح ناقلات النفط والسفن الحربية المرافقة لها أهدافًا سهلة للطائرات المسيرة والألغام البحرية الإيرانية.

ويكتسب تحليل بيب أهمية إضافية، إذ يؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقع في «فخ التصعيد»، وأن أي زيادة في الضغط قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع. ويعكس هذا التقييم الصادر عن أكاديمي أمريكي مأزقًا استراتيجيًا تواجهه واشنطن. كما أن محاولات البيت الأبيض تدويل أزمة مضيق هرمز وجر دول أخرى إلى المواجهة لم تحقق نتائج تُذكر حتى الآن، وهو ما أدى إلى تصاعد ردود فعل غاضبة من جانب ترامب. وقد وصل الأمر بالرئيس الأمريكي، في غياب أي إنجاز ميداني، إلى استخدام عبارات مهينة ولغة هجومية، وهو ما يعد مؤشرًا كلاسيكيًا على حالة العجز الاستراتيجي.

الساحة الداخلية في إيران.. من الصمود إلى التضامن

يُعد التماسك الداخلي ودعم المواطنين من أبرز المؤشرات التي تقاس بها قوة الدول في أوقات الأزمات. وقد أسفرت الهجمات الأخيرة على مناطق سكنية، من بينها الحادثة المؤلمة في حي جوادية بطهران وقصف منطقة في مدينة قم، عن خسائر كبيرة بين العائلات الإيرانية. إلا أن هذه الهجمات، بحسب ما تشير إليه تقارير محلية، لم تؤد إلى تراجع اجتماعي، بل أظهرت درجة من الصبر والتضامن بين المواطنين.

وأشار معاون الشؤون الأمنية في محافظة قم إلى قصف منطقة سكنية فقيرة، متسائلًا: «لماذا يلجأ العدو العاجز إلى استهداف المنازل؟». ويعكس هذا التساؤل البعد الأخلاقي والإنساني للحرب، حيث يقابل قصف المناطق السكنية من جهة، استهداف مقار عسكرية وأمنية من جهة أخرى، في وقت سبق أعلن فيه ترامب مرارًا تدمير جميع الأهداف العسكرية.

مستقبل غير واضح للتحالف المهاجم

كما يكتسب تصريح يائير غولان، رئيس حزب «الديمقراطيين» والمسؤول السابق في الجيش الإسرائيلي، أهمية لافتة. فقد أشار إلى أن إسرائيل تخوض حربًا منذ عامين ونصف العام، مؤكدًا أن أيًا من الجبهات، سواء في غزة أو لبنان أو حتى الحرب الحالية مع إيران، لم تقترب من نهايتها.

وأضاف غولان أن «لا دولة يمكن هزيمتها بالنار وحدها»، واصفًا إيران بأنها خصم «عنيد وصعب الهزيمة»، استطاع الصمود خلال ثماني سنوات من الحرب مع العراق دون أن يستسلم.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يشير فيه تشديد الرقابة الإعلامية في بعض الدول المجاورة إلى مخاوف من انتشار الوعي العام. فقد جرى اعتقال أكثر من 45 شخصًا في الإمارات بسبب تصوير ومشاركة مشاهد من الهجمات الإيرانية، في حين اعتقلت إسرائيل صحفيًا هنديًا نشر صورة للهجوم الإيراني على منزل بنيامين نتنياهو، كما أصدرت البحرين تحذيرات باعتقال أي شخص ينشر صورًا للهجمات الإيرانية.

رسالة إلى الضفة الأخرى

وفي خضم هذه المواجهة، وجه علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، رسالة مهمة فصل فيها بين الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي. وحذر لاريجاني من احتمال قيام بقايا فريق جيفري إبستين بالتخطيط لسيناريو مشابه لهجمات الحادي عشر من سبتمبر واتهام إيران به، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية تعارض مثل هذه المخططات الإرهابية ولا تخوض حربًا مع الشعب الأمريكي.

وتحمل هذه الرسالة تحذيرًا من سيناريوهات محتملة جرى التخطيط لها مسبقًا، إلى جانب تأكيد موقف إيران المبدئي الرافض للإرهاب.

حرب الإرادات

ما يجري اليوم في المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لا يشبه حربًا تقليدية ذات خطوط مواجهة واضحة، بل هو صراع غير متكافئ ومتعدد المستويات. وفي مثل هذا النوع من المواجهات، تفقد مؤشرات القوة التقليدية، مثل عدد الضربات أو اتساع نطاق العمليات، جزءًا كبيرًا من أهميتها.

ويبرز في المقابل عامل «الإرادة الوطنية» و«القدرة على الاستمرار» و«إعادة صياغة المعادلة لمصلحة الذات» بوصفها عناصر حاسمة في هذا الصراع.

ورغم الأضرار التي لحقت بها، فإن إيران لم تتراجع، بل وسعت نطاق عملياتها، وزادت من دقة ضرباتها، واستهدفت بنى تحتية حساسة للخصم في عمق الأراضي المحتلة. وفي المقابل، يبدو أن التحالف المهاجم يواجه حالة من الجمود الاستراتيجي تتفاقم مع مرور الوقت.

ولعل أبرز دروس الأيام الأخيرة يتمثل في أن القدرة على «مواصلة القتال» و«امتلاك زمام المبادرة» أصبحت أهم من تسجيل الضربات المتبادلة، وفي هذه المعادلة الجديدة للقوة، تبدو إيران صاحبة اليد العليا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى