الهجوم على إيران: لماذا تُستهدف محطات الطاقة في الحروب؟
تدرك الجيوش أن قطع الكهرباء لا يعطّل المصانع فحسب، بل يشلّ المستشفيات وأنظمة المياه والاتصالات وحتى الحياة اليومية لملايين الأشخاص.

ميدل ايست نيوز: تُظهر الحروب الحديثة أن انقطاع الكهرباء قد يكون عاملاً فتاكًا بقدر القصف. فمنذ الحرب العالمية الثانية وحتى الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت محطات الطاقة ومحطات النقل وشبكات الكهرباء مرارًا إلى أهداف عسكرية.
تدرك الجيوش أن قطع الكهرباء لا يعطّل المصانع فحسب، بل يشلّ المستشفيات وأنظمة المياه والاتصالات وحتى الحياة اليومية لملايين الأشخاص. ولهذا السبب، أصبحت الهجمات على البنية التحتية للكهرباء تقع ضمن منطقة رمادية دقيقة بين «هدف عسكري مشروع» و«انتهاك للقانون الإنساني الدولي».
لا يُعد استهداف البنية التحتية الحيوية مثل محطات الكهرباء في الحروب ظاهرة جديدة. ففي العديد من النزاعات الكبرى خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، حظيت شبكات إنتاج وتوزيع الكهرباء بأهمية استراتيجية لدى جيوش دول العالم. غير أن السؤال الأساسي يبقى: ماذا يحدث بعد هذه الهجمات؟ وهل يمكن اعتبار استهداف البنية التحتية للكهرباء جريمة حرب؟
من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الكورية
خلال الحرب العالمية الثانية، شكّلت البنية التحتية الصناعية وقطاع الطاقة جزءًا رئيسيًا من أهداف القصف الاستراتيجي. فقد استهدفت الولايات المتحدة وبريطانيا منشآت الكهرباء في ألمانيا، وهي منشآت كانت تلعب دورًا حيويًا في صناعات الصلب وإنتاج الوقود الاصطناعي وشبكات السكك الحديدية. وفي المقابل، سعت ألمانيا خلال هجومها على الاتحاد السوفيتي إلى تعطيل البنية التحتية للطاقة والكهرباء هناك.
وبعد سنوات قليلة، وخلال الحرب الكورية، استهدفت الولايات المتحدة عام 1952 سلسلة من محطات الطاقة الكهرومائية في كوريا الشمالية. وأدت هذه الهجمات إلى انقطاع واسع للكهرباء داخل البلاد، بل تسببت أيضًا في نقص الكهرباء في أجزاء من شمال شرق الصين.
شلّ دولة بقطع الكهرباء
في حرب الخليج، استهدف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من شبكة الكهرباء في العراق. وخلال أسابيع قليلة، تم تدمير نحو 85 إلى 90 بالمئة من قدرة إنتاج الكهرباء في البلاد. ولم تقتصر تداعيات هذه الهجمات على انقطاع التيار، بل شملت أيضًا اضطرابات في إمدادات مياه الشرب، ومشكلات خطيرة في عمل المستشفيات، وانهيار أجزاء من شبكات الاتصالات. وأظهرت هذه التجربة أن الضربات الدقيقة للبنية التحتية للكهرباء يمكن أن تدفع دولة كاملة إلى أزمة واسعة خلال فترة قصيرة.
وفي عام 1999، وخلال قصف الناتو ليوغوسلافيا، استُهدفت شبكة الكهرباء في البلاد أيضًا. واستخدمت في بعض الهجمات قنابل الغرافيت، وهي أسلحة تُحدث تماسًا كهربائيًا في الشبكة وتتسبب في انقطاع التيار، لكنها غالبًا لا تُلحق أضرارًا دائمة بالبنية التحتية. وقد أدت هذه الضربات إلى انقطاع واسع للكهرباء في صربيا وتعطّل مؤقت في الشبكة الوطنية.
نماذج معاصرة
في الحرب الروسية الأوكرانية، استُهدفت منشآت الطاقة، بما في ذلك محطات الطاقة الحرارية ومحطات النقل وشبكات التوزيع، مرات عديدة. وفي كثير من الحالات، أدت هذه الهجمات إلى فرض انقطاعات كهربائية مبرمجة في مدن مختلفة.
وفي النزاعات بين إسرائيل وقطاع غزة، تعرّضت محطة الكهرباء الرئيسية الوحيدة في غزة للاستهداف في فترات متعددة. كما تضررت محطات الطاقة وشبكات الكهرباء مرارًا خلال الحرب في سوريا، سواء نتيجة غارات جوية أو اشتباكات برية.
الحرب على إيران
وتُظهر التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط نمطًا مشابهًا من استهداف البنية التحتية الحيوية، إذ تتهم إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء هجمات مباشرة أو غير مباشرة استهدفت منشآت طاقة وكهرباء ومياه داخل أراضيها، سواء عبر عمليات سيبرانية أو هجمات تخريبية. في المقابل، تُتهم إيران أيضًا بتنفيذ أو دعم هجمات استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية حيوية في بعض دول الخليج، إضافة إلى محاولات استهداف مرافق حيوية داخل إسرائيل، في إطار صراع غير معلن يتخذ أبعادًا أمنية وتقنية متزايدة التعقيد.
وفي 22 مارس الجاري، صرّح وزير الطاقة الإيراني، عباس علي آبادي، بأن البنى التحتية الحيوية لقطاعي المياه والكهرباء في البلاد تعرّضت لأضرار كبيرة نتيجة الهجمات الجوية والسيبرانية التي نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب الجارية على إيران. وأوضح علي أبادي في تصريحات بمناسبة يوم المياه العالمي، أن الهجمات الأخيرة استهدفت عشرات منشآت نقل المياه ومحطات المعالجة، ما أدى إلى تدمير أجزاء من شبكات المياه الحيوية.
قالت صحيفة “وول ستريت جورنال“، إنه إذا مضى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تنفيذ تهديده بمهاجمة محطات الطاقة الإيرانية “بدءاً بأكبرها”، إذا لم تفتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة، فإنه من “شبه المؤكد”، أن تستهدف الضربات محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي في البلاد.
وفي هذا السياق، برزت الهجمات على منشآت النفط والطاقة في الخليج، مثل الهجمات التي طالت منشآت في السعودية وقطر والكويت والبحرين، باعتبارها نموذجًا على قدرة الضربات المحدودة على إحداث تأثير واسع في أسواق الطاقة العالمية. كما تبادلت إيران وإسرائيل الاتهامات بشأن استهداف بنى تحتية حيوية، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالطاقة والمياه، سواء عبر هجمات مباشرة أو عبر الفضاء السيبراني.
لماذا تُستهدف محطات الكهرباء؟
تتمتع البنية التحتية للكهرباء بأهمية استراتيجية في الحروب، إذ يمكن أن يؤدي قطع الكهرباء إلى تداعيات واسعة، منها تعطيل إنتاج الأسلحة والصناعات العسكرية، وتقليص كفاءة القواعد العسكرية، وإضعاف شبكات الاتصال والقيادة، وتعطيل أنظمة النقل، وفرض ضغوط اقتصادية ونفسية على المجتمع.
ومع ذلك، فإن هذه الهجمات غالبًا ما تؤثر بشدة على المدنيين. فغياب الكهرباء قد يعطّل خدمات حيوية مثل المستشفيات وإمدادات المياه وأنظمة التدفئة، ما يجعل استهداف شبكات الكهرباء خطوة مثيرة للجدل بشكل دائم.
هل يُعد استهداف محطات الكهرباء جريمة حرب؟
وفقًا للقانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف، لا ينبغي استهداف البنية التحتية المدنية بشكل عام. لكن إذا كانت منشأة مدنية تُستخدم مباشرة لدعم العمليات العسكرية، فقد تتحول إلى «هدف عسكري مشروع».
ومع ذلك، يجب الالتزام بمبدأين أساسيين حتى في هذه الحالة:
مبدأ التناسب: يجب ألا تكون الأضرار التي تلحق بالمدنيين مفرطة أو غير متناسبة مع الهدف العسكري.
مبدأ التمييز: يجب التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
وفي حال نُفذت الهجمات على البنية التحتية للكهرباء بطريقة تؤدي إلى أضرار واسعة ومتوقعة للمدنيين، مثل تعطيل الخدمات الطبية أو إمدادات المياه أو التدفئة، فقد تُعد انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي، بل وقد تُصنّف كجريمة حرب.
إضافة إلى ذلك، تخضع بعض المنشآت، مثل المحطات النووية، لقواعد أكثر صرامة، نظرًا لأن استهدافها قد يؤدي إلى كوارث إنسانية وبيئية واسعة.
في المحصلة، تقع الهجمات على البنية التحتية للكهرباء ضمن منطقة رمادية في قوانين الحرب. فقد تُعتبر في بعض الظروف مبررة عسكريًا، لكنها في كثير من الحالات تواجه انتقادات قانونية وأخلاقية حادة بسبب آثارها الإنسانية الواسعة.
وتُظهر تجارب الحروب المعاصرة أن شبكات الكهرباء أصبحت واحدة من أهم ميادين الصراع. إذ يمكن «إطفاء» دولة كاملة دون احتلال أراضيها أو خوض مواجهات مباشرة مع قواتها العسكرية، ما يفرض ضغوطًا كبيرة على الحكومات والمجتمعات. ومع تزايد اعتماد المجتمعات الحديثة على الكهرباء، تتفاقم الآثار الإنسانية لمثل هذه الهجمات، وتتزايد معها حدة الجدل القانوني والأخلاقي حول مشروعيتها.
اقرأ المزيد



