الصحافة الإيرانية: حرب الاستنزاف في هرمز.. يجب اغتنام فرصة التفاوض

من المؤكد أن فريق ترامب أدرك حتى الآن أن حساباته كانت ساذجة، وأن توقع استسلام سريع لطهران لم يكن سوى وهم، خاصة مع اقتراب انتخابات الكونغرس وتضييق هامش الوقت المتاح أمامه.

ميدل ايست نيوز: لا شك أن إيران تمرّ بإحدى أصعب المراحل في تاريخها المعاصر منذ فترة ما بعد الثورة. فقد صعّدت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأيام الماضية من حدة حربهما العدوانية ضد إيران، وتعملان على زيادة الهجمات تدريجيًا على البنى التحتية السكنية والمدنية والدفاعية والأمنية والنووية السلمية داخل البلاد، إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال بحق مسؤولين وقادة وعلماء نوويين. وقد ترافق هذا التصعيد مع إرسال مزيد من الحشود العسكرية إلى المنطقة والتهديد بشن هجوم بري.

يكمل كوروش أحمدي، وهو دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لصحيفة شرق: في المقابل، تواجه إيران، في ظل غياب منظومة دفاع جوي فعالة، صعوبة في منع وصول قوتين جويتين عالميتين وإقليميتين، ما يدفعها إلى التركيز بشكل فعّال على إدارة حرب غير متكافئة. وفي هذا الإطار، أظهرت طهران قدرة غير متوقعة على التحكم في مضيق هرمز عبر وسائل غير تقليدية وباستخدام أدوات عسكرية بسيطة، كما حافظت على قدرتها على مواصلة الهجمات داخل الأراضي الإسرائيلية. ويُعد التحكم في مضيق هرمز، الذي ترافق مؤخرًا مع التهديد بإغلاق مضيق باب المندب، تحديًا كبيرًا للاقتصاد العالمي.

ورغم نقاط القوة والضعف لدى الطرفين، يبدو أن أياً منهما ليس في موقع يسمح له بالاستعداد لتسوية أو وقف لإطلاق نار. فمن جهة، يبدو أن دونالد ترامب قد وقع في مستنقع حرب بدأها بشكل متسرع ودون تشاور مع الحلفاء التقليديين أو المؤسسات الداخلية الأمريكية، وهو الآن أمام معادلة صعبة، إذ إن عدم تحقيق نصر حاسم سيُعد هزيمة له. والمفارقة أن فتح مضيق هرمز والحفاظ على استمرارية الملاحة فيه أصبح الهدف الرئيسي لترامب في هذه المرحلة من الحرب. وإلى جانب ذلك، يواجه تحديًا آخر يتعلق بمصير نحو 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ما يجعله مطالبًا بتقديم إجابات حول مدى نجاحه في هذا الملف.

وتُعد محاولاته الجديدة لمعالجة هذين الملفين مقامرة عالية المخاطر، إذ قد تتمكن القوات الخاصة والعمليات البرمائية من الوصول إلى بعض الجزر الإيرانية والمناطق الساحلية، غير أن هذا الوصول قد يكون مكلفًا من حيث الخسائر البشرية، كما أن استمراريته تبقى موضع شك. في المقابل، تستطيع القوات الإيرانية استهداف مواقع هذه القوات حتى من مسافات بعيدة عن الساحل، وقطع خطوط إمدادها البحرية، مع الإبقاء على الملاحة في مضيق هرمز غير آمنة. كما لا توجد أي ضمانات بأن مسألة اليورانيوم المخصب يمكن حلها عبر هذا المسار.

ومن المؤكد أن فريق ترامب أدرك حتى الآن أن حساباته كانت ساذجة، وأن توقع استسلام سريع للجمهورية الإسلامية لم يكن سوى وهم، خاصة مع اقتراب انتخابات الكونغرس وتضييق هامش الوقت المتاح أمامه. ومع ذلك، فإن الوضع بالنسبة لإسرائيل، التي تسعى إلى أهداف مختلفة، يبدو أكثر تعقيدًا.

أما فيما يتعلق بأهداف إيران في هذه المرحلة من الحرب، فلا تزال تثير تساؤلات. فمنذ البداية كان واضحًا أن أي مواجهة مع قوتين عالميتين وإقليميتين ستؤدي إلى أضرار جسيمة في البنية التحتية، كما ستُفاقم من التآكل الهيكلي الناتج عن العقوبات وسوء الإدارة والفساد. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول الأهداف المحددة التي تسعى إيران لتحقيقها والأدوات المتاحة لها. ويبدو أن هذه الأهداف تتركز في مواجهة الأهداف الأمريكية، لا سيما منع فتح مضيق هرمز بشكل دائم دون الحصول على امتيازات كبيرة، والحفاظ على مخزون اليورانيوم المخصب.

وفي ظل عدم استعداد ترامب لتقديم تنازلات قد تُفسر على أنها هزيمة، فإن الصراع حول مضيق هرمز قد يستمر لفترة غير محددة، ما قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تكثيف استهداف البنية التحتية الإيرانية. وفي المقابل، لوّحت إيران باستهداف بنى تحتية في دول عربية، غير أن فعالية هذا التهديد ومدى استمراريته لا تزال غير واضحة، خاصة أن استهداف هذه الدول، التي تحمل شعوبها في الغالب مواقف مناهضة لإسرائيل، قد يصب في مصلحة الأخيرة. كما أن تأثير أزمة الطاقة على الاقتصاد الأمريكي يبقى أقل مقارنة بمناطق أخرى في العالم.

ورغم عدم وجود شكوك منذ البداية بشأن قدرة النظام الإيراني على الصمود في وجه الهجوم الخارجي، فإن القدرة على تحمّل الأضرار الهيكلية وإعادة الإعمار في ظل العقوبات ونقص الموارد المالية تبقى موضع تساؤل. وفي هذا السياق، يتعين على صانعي القرار النظر بعين إلى مجريات الحرب وبعين أخرى إلى مرحلة ما بعدها، مع إدراك أن طريقة إنهاء الحرب سيكون لها تأثير حاسم على إعادة الإعمار ومستوى معيشة الإيرانيين مستقبلًا.

وفي ظل هذه المعطيات، وبينما يفترض أن يسعى كل من إيران والولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن، فإن التحركات التي تقودها باكستان ودخول جي دي فانس على خط الأزمة قد وفّرا فرصة ينبغي للطرفين استثمارها. ومن الواضح أن المواقف المعلنة للطرفين تعكس سقوفًا تفاوضية مرتفعة ودوافع تعبئة داخلية، ومن المرجح أن تشهد هذه المواقف تعديلات خلال أي مسار تفاوضي محتمل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى