“بوابة للإيرادات”… هل تصبح إيران حارسة لمضيق هرمز؟

في أفضل الأحوال، قد تصل الإيرادات الناتجة عن فرض رسوم على السفن في مضيق هرمز إلى عدة مئات الملايين من الدولارات شهريًا، وهو مبلغ غير كافٍ لتعويض خسائر الحرب أو العقوبات أو تراجع عائدات النفط.

ميدل ايست نيوز: في خضم الحرب الإقليمية والتوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتزم إيران فرض رسوم على عبور ناقلات النفط في مضيق هرمز؛ وهي خطوة تُعدّ مصدرًا للإيرادات من جهة، وأداة نفوذ سياسي من جهة أخرى، إلا أن القيود الدولية والضغط العالمي يعرقلان هذا المسار ويجعلانه أكثر تعقيدًا.

في ظل استمرار الاشتباكات الإقليمية وتواصل الحرب بين إيران والائتلاف الأمريكي–الإسرائيلي، أصبح موضوع السيطرة على مضيق هرمز وإدارته أحد أهم القضايا الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط وغاز العالم، لم يعد فقط محور توتر عسكري، بل أصبح أيضًا محل نقاشات جدية بشأن فرض رسوم عبور من قبل إيران، وهو إجراء قد يؤدي، في حال إقراره النهائي، إلى تغيير جذري في معادلات الطاقة والتجارة العالمية وتوازن القوى في المنطقة.

تعتمد الفكرة الأساسية وراء مشروع القانون الذي يناقشه البرلمان الإيراني تحت عنوان «قانون الإجراء الاستراتيجي للسلام والتنمية الذاتية والمستدامة في منطقة الخليج الفارسي»، على تمكين إيران من فرض رسوم على عبور السفن التجارية، خصوصًا ناقلات النفط وحاملات الطاقة، وتحويل ذلك إلى مصدر جديد للعملة الصعبة. وتشير التقديرات إلى أنه في حال تطبيق هذا المشروع بشكل كامل، قد تصل إيرادات إيران الشهرية من هذا المصدر إلى نحو 600 مليون دولار، وهو رقم قد يرتفع أكثر إذا ما أُخذت شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG) في الاعتبار.

لكن عمليًا، تُظهر تحليلات وسائل الإعلام الدولية والخبراء الاقتصاديين أن هذا الدخل، رغم أهميته، لا يكفي لتعويض الخسائر الناتجة عن الحرب والعقوبات والأزمات الاقتصادية. وتشير المعطيات الحالية إلى أنه لم يتم حتى الآن تحديد رسوم واضحة، بل إن بعض التقارير تتحدث عن مدفوعات غير رسمية بملايين الدولارات مقابل العبور الآمن عبر المضيق.

وبالإضافة إلى جانب الإيرادات، يجب أخذ التكاليف الحقيقية لإدارة هذا الممر في الاعتبار. فقد أدّى الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين على السفن، وتوقف آلاف السفن في الموانئ، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، إلى اتخاذ شركات الشحن موقفًا حذرًا للغاية. إذ ارتفعت تكلفة تأمين العبور عبر هرمز، التي كانت سابقًا أقل من 1% من قيمة السفينة، إلى ما بين 7% و9% من قيمة الرحلة، وهو ما يجعل فرض رسوم إضافية عبئًا اقتصاديًا غير ذي جدوى بالنسبة للعديد من الشركات.

يقول موقع اقتصاد 24 المتخصص في الاقتصاد الإيراني، إن هذا الإجراء لا يبدو مجرد مصدر دخل مستدام، بل أقرب إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية والسياسية مع الجيران والقوى الكبرى، مع ما قد يحمله ذلك من آثار طويلة الأمد قد تكون محدودة أو غير واضحة كما يتم الترويج لها.

أداة ضغط أم إعادة تعريف للنفوذ؟

على الصعيد السياسي، لا تسعى إيران فقط إلى تحقيق إيرادات من حركة العبور، بل تستخدم هذا التصور كأداة لإعادة تعريف دورها في المعادلات الإقليمية. وتصف بعض وسائل الإعلام الدولية هذا التوجه بأنه تحول في الاستراتيجية الجيوسياسية لطهران. فعلى سبيل المثال، أفادت وكالة أسوشييتد برس بأن إيران تسعى للتحول إلى «حارس» لمضيق هرمز، بما يتيح لها لعب دور جديد في إدارة الطاقة العالمية يتجاوز مجرد فرض رسوم على السفن.

وفي الوقت ذاته، تشير تقارير إعلامية إلى أن إيران قد تمنح «عبورًا آمنًا» لبعض الدول، بينما تفرض شروطًا مختلفة على دول أخرى وفق اعتبارات سياسية واقتصادية، وهو نهج يرى محللون أنه يعزز نفوذها في النظام الدولي الأوسع.

كما تناولت وسائل إعلام عالمية بارزة هذا الملف بالتفصيل. وفي هذا السياق، ذكرت بلومبرغ أن إيران عرضت على شركات النفط إمكانية العبور برفقة قواتها البحرية مقابل رسوم، ووصفت ذلك بأنه نوع من «العبور الآمن مقابل تكلفة».

من جهتها، أشارت صحيفة الغارديان إلى أنه بعد إغلاق جزئي للمضيق، تمكنت عدة ناقلات فرنسية ويابانية وعُمانية من العبور، معتبرة ذلك دليلًا على وجود ضغط دولي على إيران لإعادة فتح الممر أو التوصل إلى تسوية سياسية.

كما شددت مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي على ضرورة الحفاظ على حرية وأمن الملاحة في مضيق هرمز، حتى في حال فرض إيران رسوم عبور.

وتُظهر هذه المواقف أنه رغم سعي طهران لإدارة المضيق، فإن الضغط الدولي لا يزال يتمحور حول مبدأ «حرية المرور»، وهو ما يحد من إمكانية تحقيق إيرادات مستدامة أو رسمية من هذه الرسوم.

القانون الدولي.. اعتراضات وتحديات قانونية

من منظور القانون الدولي، يتمتع مضيق هرمز بخصوصية مقارنة بغيره من المضائق الاستراتيجية. فبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي لم تصدّق عليها إيران والولايات المتحدة رسميًا، إلا أن مبادئها العرفية تُطبق على المضائق الدولية، يحق للسفن ممارسة «المرور البريء»، ولا يجوز فرض رسوم عبور دون مبرر قانوني واضح يتعلق بخدمات محددة.

ويرى خبراء القانون الدولي أن أي محاولة من إيران لفرض رسوم أو تطبيق سياسات تمييزية على السفن قد تتعارض مع قواعد القانون البحري الدولي، خصوصًا إذا ما ارتبطت هذه الرسوم باعتبارات سياسية أو تمييزية.

كما أكدت المنظمة الدولية للملاحة البحرية (IMO) في بيان رسمي أن أي هجوم أو عرقلة لحركة السفن المدنية أمر غير مبرر، وأن «أي عمل عدائي ضد الأسطول التجاري» غير مقبول.

وبناءً على ذلك، وعلى الرغم من إمكانية مطالبة إيران برسوم مقابل «خدمات ملاحية» أو لأغراض بيئية، فإن القيود القانونية المفروضة تجعل من تطبيق رسوم عبور شاملة أمرًا معقدًا من الناحية القانونية الدولية.

واقع وآفاق فرض الرسوم في مضيق هرمز

في أفضل الأحوال، قد تصل الإيرادات الناتجة عن فرض رسوم على السفن في مضيق هرمز إلى عدة مئات الملايين من الدولارات شهريًا، وهو مبلغ غير كافٍ لتعويض خسائر الحرب أو العقوبات أو تراجع عائدات النفط. وبالتالي، يمكن القول إن هذا المشروع يمثل، أكثر من كونه أداة اقتصادية، أداة سياسية بالأساس.

وفي الواقع، تسعى إيران إلى تحويل مضيق هرمز إلى وسيلة نفوذ إقليمي ودولي، إلا أن الضغوط الدولية للحفاظ على حرية الملاحة، إلى جانب التهديدات السياسية والاقتصادية المحتملة، تجعل هذا المسعى محفوفًا بالتحديات.

وبحسب الأعراف البحرية والاتفاقيات الدولية، يجب أن تبقى المضائق المهمة مفتوحة أمام المرور دون عوائق. كما أن فرض رسوم غير مبررة أو تمييزية، حتى في ظل ظروف أمنية خاصة، قد يتعارض مع قواعد القانون الدولي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى