بين الخطاب والوقائع.. كيف تفضح حرب إيران الرواية الأمريكية؟

في الحروب، لا يقتصر دور الخطاب الرسمي على تفسير ما جرى، بل يتعداه إلى محاولة تعريفه مسبقا.

ميدل ايست نيوز: في الحروب، لا يقتصر دور الخطاب الرسمي على تفسير ما جرى، بل يتعداه إلى محاولة تعريفه مسبقا: نصر هنا، وخصم يترنح هناك، وتحول سياسي يلوح في الأفق. غير أن الحرب على إيران تكشف، بقدر متزايد، اتساع المسافة بين ما تقوله واشنطن وحلفاؤها، وما تفرضه الوقائع على الأرض.

فبينما تتحدث الرواية الأمريكية عن تعطيل القدرات الإيرانية وفتح الطريق أمام تغيير سياسي، تشير تقارير وتحليلات غربية إلى صورة أقل انتصارا وأكثر التباسا: إيران ما زالت تقاتل، والنظام لم يسقط، والحرب التي قيل إنها ستخنقه قد تكون أعادت إليه أسباب البقاء.

الميدان

يتجلى أوضح وجوه هذه الفجوة في أرض الميدان؛ فوفق قراءة عسكرية نشرتها صحيفة فايننشال تايمز، لا تزال إيران تحتفظ بقدرة محدودة لكنها مستمرة على تنسيق الضربات، رغم القصف المتواصل، وتعطل الاتصالات، واغتيال قادة كبار.

وتلفت الصحيفة إلى أن طهران واصلت إطلاق مئات الصواريخ الباليستية على إسرائيل، وأكثر من 3500 صاروخ قصير المدى وطائرة مسيرة على حلفاء واشنطن في الخليج، فيما بقيت القاذفات المتحركة الأصعب استهدافا والأقدر على الاستمرار.

وحتى التقديرات الأمريكية والإسرائيلية لحجم التدمير لا تبدو حاسمة؛ إذ تنقل الصحيفة أن واشنطن لم تتمكن من التحقق بيقين إلا من تدمير نحو ثلث الترسانة الإيرانية، رغم تقديرات تحدثت عن تدمير نحو 70% منها.

وهكذا يتقدم السرد على الوقائع: يعلن الشلل، فيما يثبت الميدان قدرة الخصم على التكيف وإطالة أمد الاستنزاف.

وتلفت الصحيفة أيضا إلى أن إيران أعادت تكييف بنيتها القيادية خلال الحرب، بالاعتماد على نمط لامركزي صُمم أصلا لتحمل ضربات “قطع الرأس”، بما يسمح للوحدات الميدانية بمواصلة العمل حتى مع استهداف القيادة المركزية.

السياسة

وتتسع الفجوة حين ينتقل الخطاب من الميدان إلى السياسة. فبينما يوحي الخطاب الأمريكي بأن الضغط العسكري يمكن أن يفتح الطريق إلى تغيير النظام، يفكك مقال في فايننشال تايمز لجوني غانون، وهو مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، هذا الافتراض من أساسه.

فغانون لا يجادل فقط بأن إسقاط النظام ليس وشيكا، بل بأن النجاح العسكري لا يساوي تحولا سياسيا، وإضعاف البنية الأمنية لا يصنع بديلا جاهزا، ولا شرعية جديدة، ولا نظاما قابلا للحياة.

ويشدد الكاتب على أن الحرس الثوري وأدوات القسر ما زالت تحتفظ بما يكفي من التماسك لضمان البقاء، فيما تبدو المعارضة مفككة، والشتات الإيراني منقسما، والشخصيات المطروحة في الخارج تفتقر إلى النفوذ داخل المؤسسات التي ستحسم أي انتقال فعلي.

وهنا تتبدى الفجوة في صورتها الأوضح: خطاب يلمّح إلى إمكان إعادة تشكيل إيران، وواقع سياسي يقول إن واشنطن لا تملك لا الأداة ولا البديل ولا الأرضية الاجتماعية لذلك.

ولا تقف هذه الفجوة عند حدود واشنطن؛ فغانون يلفت أيضا إلى أن حلفاءها الخليجيين، ولا سيما الإمارات، لا يريدون أن يجدوا أنفسهم في مواجهة نظام إيراني جريح وغاضب وأكثر ميلا إلى الانتقام غير المتماثل.

وبذلك، يوضح الكاتب أن الشركاء الإقليميين لا يشاركون بالكامل في السردية التي توحي بأن الضغط يقود إلى مخرج آمن؛ لأن ما يرونه هو احتمال بقاء النظام، لكنْ في صورة أشد عدوانية وأكثر استعدادا للرد.

نهاية للحرب

أما باتريك كوكبرن في صحيفة آي بيبر فيدفع المفارقة إلى مداها الأقصى. فبدلا من أن تقود الحرب إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إنهاكها نهائيا، يرى أن مغامرة ترمب قد منحتها “حياة جديدة”. فالخطاب الأمريكي يتحدث عن نصر وشيك، وقيادة إيرانية تترجى وقف إطلاق النار، فيما يصف الكاتب هذه الصورة بأنها بناء دعائي أكثر منها تشخيصا للواقع.

وفي مقابل حديث الحسم، يشير كوكبرن إلى أن الحرب رفعت كلفة التصعيد على المنطقة بأسرها، ومنحت إيران أوراقا إستراتيجية من مضيق هرمز إلى التهديد المباشر للبنى الحيوية في الخليج.

ويضيف أن الحرب التي قُدمت، في بعض الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، بوصفها طريقا إلى “تحرير الإيرانيين”، انتهت عمليا إلى عقاب جماعي قد يدفع قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة تحت القصف، لا إلى الانقلاب عليها.

وهكذا، لا تبدو الحرب أداة لحسم سريع كما أوحى ترمب في بعض خطاباته، بل مسارا قد يوسع الصراع، ويعيد إنتاج النظام المستهدف، ويمنحه وظائف بقاء جديدة.

هنا لا تعود فجوة الواقع والسرد مجرد خلل في الرسائل الإعلامية، بل تصبح عيبا في صناعة القرار نفسها. فحين تعلن الحكومات إنجازا لم يتحقق بعد، أو تتحدث عن حرب محسومة فيما تتكشف أمامها حرب استنزاف أشد تعقيدا، فإنها لا تضلل جمهورها وحده، بل قد تنتهي إلى تضليل نفسها.

وعندئذ لا يكون الخطر في الرواية الرسمية أنها مبالغ فيها فحسب، بل في أنها قد تدفع إلى مزيد من التصعيد، لأن صانعيها باتوا أسرى الصورة التي صنعوها بأيديهم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى