هرمز والردع والعقوبات: ثلاثية الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب

طهران تحاول تثبيت تعريفها الخاص لـ"نهاية الحرب"، لا مجرد وقف لإطلاق النار، بل ترتيبات تضمن عدم تكرار الضربات.

ميدل ايست نيوز: في ظل التطورات الأخيرة، بدا أن طهران تحاول تثبيت تعريفها الخاص لـ”نهاية الحرب”، لا مجرد وقف لإطلاق النار، بل ترتيبات تضمن عدم تكرار الضربات، وتحفظ أدوات الردع، وتربط أي تسوية بملفات السيادة والعقوبات وأمن مضيق هرمز.

فالمعطيات التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة تشير إلى أن إيران لم تتعامل مع المقترحات المنقولة عبر الوسطاء باعتبارها مخرجا سريعا من القتال، بل باعتبارها تفاوضا على شكل ما بعد الحرب نفسه.

وفي أحدث تصريح، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران بلورت “مواقفها ومطالبها” ردا على مقترحات وقف إطلاق النار، وإن هذه المطالب تستند إلى “المصالح الوطنية”.

وأضاف أن إعلان إيران مطالبها بوضوح “لا ينبغي أن يُفسر بوصفه علامة على التنازل”، بل على أنه تعبير عن الثقة في الدفاع عن الموقف الإيراني، مشيرا أيضا إلى أن خططا أمريكية سابقة، بينها طرحٌ من 15 بندا، رفضت لأنها كانت “مفرطة” أو “مبالغا فيها”.

كما شدد على أن التفاوض لا ينسجم مع الإنذارات والتهديد بارتكاب جرائم حرب.

الرد الإيراني

وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” بأن طهران أبلغت باكستان ردها على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، في رد من 10 بنود، تضمن رفض وقف إطلاق النار، وشدد على ضرورة إنهاء الحرب بصورة دائمة مع مراعاة ملاحظات إيران.

وأضافت الوكالة أن الرد يتضمن مطالب تشمل إنهاء الصراعات في المنطقة، ووضع بروتوكول للعبور الآمن عبر مضيق هرمز، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات.

وهذه الصياغة تعني أن طهران لا تفصل بين المسار الأمني والمسار السياسي والاقتصادي، بل تريد اتفاقا يعالج الحرب ونتائجها دفعة واحدة.

وزادت الصورة وضوحا مع ما نقلته رويترز عن مسؤول إيراني كبير من أن طهران وضعت شروطا مسبقة لأي محادثات تقود إلى “سلام دائم” مع الولايات المتحدة، من بينها الوقف الفوري للضربات، وضمانات بعدم تكرار الهجمات، وتعويض الأضرار.

وأضاف المسؤول أن إيران ترفض أي وقف لإطلاق النار يكون مؤقتا فقط، وأن أي اتفاق دائم يجب أن يتيح لها فرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز بحسب نوع السفينة وحمولتها والظروف القائمة.

وهذا التطور يرفع سقف التفاوض الإيراني من مجرد وقف النار إلى صياغة ترتيبات سيادية وأمنية واقتصادية دائمة.

ولا ينفصل هذا التشدد عن الرسائل الرسمية الأخرى الصادرة من طهران.

تحول في الردع

ويقرأ أستاذ العلاقات الدولية جواد حيران نيا هذه الشروط على أنها نتيجة مباشرة لتحول عميق في مفهوم الردع الإيراني.

فهو يقول إن “الردع الإيراني قبل الحرب كان قائما على القوات الوكيلة والقدرة الصاروخية والقدرة النووية الكامنة”، لكنّ هذا البناء تعرض لاهتزازات قوية بعد إضعاف الحلفاء الإقليميين، ثم بعد الضربات التي طالت جزءا من القدرات الصاروخية والمنشآت النووية.

ومن هنا، برأيه، خلصت طهران إلى أن الردع التقليدي بصيغته السابقة لم يعد كافيا.

ويضيف حيران نيا أن إيران دفعت، في ضوء هذا الاستنتاج، باتجاه “إقليمية الحرب”، بحيث لا تبقى مواجهة مباشرة بينها وبين إسرائيل فقط، بل تتحول إلى صراع يثبت أن لدى طهران القدرة على إلحاق الضرر بالمصالح والأصول الأمريكية، العسكرية وغير العسكرية، في المنطقة.

وبحسب قراءته، فإن هذا التحول ترافق مع انتقال من “عقيدة دفاعية” تقوم على امتصاص الضربة والرد بالمثل، إلى “عقيدة هجومية” تضع أهدافا أكثر حساسية، بل وحتى الضربات الاستباقية، ضمن الحسابات لمنع الطرف المقابل من تجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية أو استهداف البنية التحتية الحيوية.

ومن هذه الزاوية، يربط حيران نيا بين نهاية الحرب وبين مستقبل الردع الإيراني. فـ”الخروج المطلوب لإيران”، كما يقول، يجب أن يكون خروجا يضمن لها القدرة على ترميم ردعها في المستقبل، لا مجرد وقف تبادل النار.

لذلك يرى أن أي اتفاق مقبول في طهران ينبغي أن يحفظ القدرة الصاروخية والقدرة المسيّرة، وأن يُبقي لإيران دورا مؤثرا في مضيق هرمز.

وهو يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن هرمز “ليس مجرد ورقة ردع”، بل أداة “لتغيير المعادلات الإقليمية وحتى الدولية”، لأن طهران تنظر إليه بوصفه ورقة نفوذ سياسي واقتصادي في آن معا.

هذه القراءة تتقاطع بوضوح مع ما ظهر في الرد الإيراني المعلن عبر “إرنا” وما نُقل عن المسؤول الإيراني الكبير. فحين تُدرج طهران بروتوكول المرور في هرمز، ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار، وضمانات عدم تكرار الهجوم، فإنها تقول عمليا إن نهاية الحرب لا تقاس لديها فقط بسكون الجبهات، بل بقدرتها على الخروج من الصراع وهي لا تزال ممسكة بأوراق قوة مركزية.

مكاسب إستراتيجية

وفي قراءة موازية، يقول الباحث السياسي محمد بيات إن “صندوق باندورا فُتح، وكابوس الحرب الإقليمية تحقق”.

وبرأيه، فإن طهران، رغم تمسكها بحق الدفاع عن النفس ومواجهة ما تعده تهديدات وجودية، تدرك أن المسألة لم تعد مجرد رد على هجوم عسكري، بل باتت تتعلق بمنع جر المنطقة إلى حرب أوسع تستهدف البنى التحتية الحيوية في الخليج وتعيد تشكيل ميزان القوى فيه.

ومن هنا، فإن إيران، مثل دول أخرى في المنطقة، تريد إنهاء هذه الحرب الخطيرة والمعقدة، ولكنْ بشروط تحفظ لها الحد الأدنى من المكاسب الإستراتيجية.

ويضيف بيات أن ما يصدر عن المسؤولين الإيرانيين الكبار، أو المقربين من دوائر القرار، يوحي بأن لدى طهران شرطين أساسيين لأي نهاية محتملة للحرب:

الأول هو التوصل إلى نوع من اتفاق منع اعتداء، ثنائي أو إقليمي، يضمن عدم تكرار أي هجوم على السيادة الإيرانية أو على وحدة أراضيها.

والثاني هو التعويض عن هذا “العدوان غير القانوني”، لكنه يوضح أن المقصود ليس بالضرورة تعويضا مباشرا ومعلنا، بل يمكن أن يتحقق عبر الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة أو عبر فتح باب الاستثمار الأجنبي المباشر.

كما يرى أن إيران تبدي استعدادا للتفاهم في الملف النووي، لكن الملفات الصاروخية والإقليمية تبدو مؤجلة، على الأرجح، إلى مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

وفي جوهر طرح بيات، تبقى “العقدة الكبرى” هي أمن مضيق هرمز. فهو يرى أن هذه المسألة لم تحظ بالقدر الكافي من الانتباه قبل اندلاع الحرب، لكنها مرشحة للتحول إلى عقدة مستعصية إذا طال أمد القتال.

أما إذا جرى تقليص فجوة الخلافات وزيادة نقاط الاشتراك، فقد يصبح ممكنا الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، ومن ثم معالجة ملف هرمز بصيغة “رابح-رابح”، وفق رأيه.

ترتيب الميدان

وهذه القراءة تبدو منسجمة مع ما ورد في الرد الإيراني من حديث عن بروتوكول لعبور آمن، ومع ما نُقل عن رغبة طهران في أن تحتفظ بحق فرض رسوم على المرور ضمن أي ترتيبات دائمة.

وبذلك، يمكن القول إن صورة الموقف الإيراني أصبحت أوضح من ذي قبل. فطهران لا تريد تهدئة مؤقتة تعيد ترتيب الميدان ضدها، ولا تريد فتح مضيق هرمز منفصلا عن سلة أوسع تشمل رفع العقوبات والتعويض وإعادة الإعمار والضمانات الأمنية.

كما أنها تريد، في الوقت نفسه، حماية منشآتها الحساسة من تكرار الاستهداف، وإبقاء برنامجيها الصاروخي والمسيّر خارج أي تنازل عاجل يُفرض تحت ضغط الحرب.

وهذا كله يعني أن المفاوضات الجارية، من منظور إيران، ليست على وقف النار فقط، بل على تعريف معنى “عدم الهزيمة” وشكل التوازن الذي سيلي الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى