كيف أوقفت باكستان دوران ساعات العالم الحرجة؟
إنها لحظة نادرة وثمينة لباكستان التي يستحق قادتها الإشادة لما أبدوه من صمود وابتكار والتزام بصناعة السلام في بيئة شديدة التعقيد والخطورة.

ميدل ايست نيوز: لا شك أن الهدنة التي ستستمر أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، في خضم حرب دفعت العالم إلى حافة كارثة كبرى، تُعد أقرب إلى المعجزة، لقد ساهمت باكستان في تحقيق هذا الاختراق، بطبيعة الحال بدعم من الإدارة الأمريكية، وبفضل الثقة التي اكتسبتها لدى إيران، ودول الخليج، وقد تنفس المواطنون والحكومات والقوى الاقتصادية حول العالم الصعداء عقب هذا التطور الإيجابي.
إنها لحظة نادرة وثمينة لباكستان التي يستحق قادتها الإشادة لما أبدوه من صمود وابتكار والتزام بصناعة السلام في بيئة شديدة التعقيد والخطورة.
توفر هذه الهدنة القصيرة فسحة من الوقت للأطراف المتحاربة والوسطاء لاستكشاف أرضية مشتركة بشأن مجموعة من القضايا المعقدة، من بينها الاتفاق النووي، والتعويضات، وإدارة مضيق هرمز.
محطة دبلوماسية فارقة
لقد كانت عملية الوساطة شاقة ومعقدة، غير أن باكستان نجحت في ترسيخ مكانتها كوسيط نزيه، فقد أسفرت دبلوماسيتها المكوكية المكثفة، التي بدأت بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، عن اجتماع لوزراء خارجية تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان في إسلام آباد، وهو الاجتماع الذي ساهم في بلورة توافق إقليمي حول صنع السلام.
وقد مثل ذلك محطة دبلوماسية فارقة، تعززت لاحقا بخارطة طريق من خمس نقاط للسلام طورتها باكستان والصين بالاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، والحوار، وضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
وقد أضفى إشراك الصين وزنا إضافيا ومصداقية أوسع على جهود الوساطة، كما شجع ذلك روسيا والمجلس الأوروبي على دعم المبادرة، وتقديم مقترحات دبلوماسية خاصة بهما.
وإدراكا منها لإحجام الولايات المتحدة وإيران عن الجلوس إلى طاولة واحدة في المفاوضات السابقة، اعتمدت باكستان نهج الدبلوماسية المكوكية بطرح محايد؛ سعيا لترتيب التزامات أولية تمهد لمحادثات رسمية دون شروط مسبقة.
وخلال اليومين الماضيين، ومع اقتراب العالم من حافة تصعيد أوسع، كثفت إسلام آباد اتصالاتها غير المعلنة مع واشنطن، وطهران، والرياض، وأنقرة، والقاهرة.
قضية محفوفة بالمخاطر
ومع اتساع الفجوة بين مواقف الولايات المتحدة، وإيران، طورت باكستان ما يمكن تسميته “إطار الحد الأدنى من التوافق”؛ أي صيغة قواسم مشتركة دنيا لإقناع الطرفين بالدخول في مفاوضات رسمية حول القضايا المعقدة.
وتمثل الاختراق الفوري في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أصبح أولوية قصوى ليس فقط للولايات المتحدة بل للمجتمع الدولي بأسره. وفي المرحلة المقبلة، ستتركز الجهود على تقليص الفجوات بين واشنطن؛ وطهران؛ لتفادي تعثر المحادثات في مراحلها الأولى.
وبذلك، تكون باكستان قد نجحت فعليا في التوصل إلى وقف مؤقت للأعمال العدائية، بما يهيئ بيئة مناسبة لإجراء مفاوضات منظمة، إذ كان من شبه المستحيل إطلاق مفاوضات جادة في ظل تصاعد التوترات بشكل خطير.
كما وضعت الوساطة الباكستانية مسألة مضيق هرمز في صلب الأجندة الدبلوماسية، وساهمت إعادة فتحه في تهدئة تقلبات الأسواق العالمية، ومثل الإغلاق الجزئي للمضيق قضية محفوفة بالمخاطر، ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة، وإيران، بل للعالم بأسره، من الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وجنوب شرق آسيا، إلى أوروبا.
وقد أكدت باكستان باستمرار أن أمن طرق الملاحة -خاصة مضيق هرمز- هو مسؤولية دولية مشتركة، ونظرا لتعقيد القضية، ينبغي معالجة مسائل السيادة وفقا للقانون الدولي، ويفضل أن يكون ذلك تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتُعد إيران وسلطنة عمان من الأطراف الرئيسية، إلى جانب ضرورة إشراك بقية الدول المطلة على الخليج.
قناة مثالية للتواصل
ومن شأن استضافة محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد أن يمثل محطة جديدة في الدبلوماسية الباكستانية، وبصفتها وسيطا محايدا، سيتعين على باكستان إدارة توقعات جميع الأطراف في توازن دقيق.
وتؤهل علاقات باكستان التاريخية مع إيران، وشراكتها الإستراتيجية مع السعودية، وعلاقاتها القوية مع دول الخليج الأخرى، إلى جانب انخراطها المتزايد مع الولايات المتحدة، لتكون قناة مثالية للتواصل، غير أن هذا الدور يعرضها أيضا لضغوط من مختلف الأطراف.
وسيكون التحدي الأول أمام باكستان هو بناء الثقة بين الأطراف التي تفتقر إليها حاليا، فهل يمكن لإجراءات بناء الثقة -مثل تسهيل الوصول الإنساني والاتفاق على عدم استهداف المدنيين والبنية التحتية- أن تسبق الاتفاقات الجوهرية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وتحالفاتها الإقليمية والسيطرة على مضيق هرمز؟
تسعى إيران إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء النزاعات الإقليمية، لكن يبقى السؤال: هل ستقبل الولايات المتحدة بهذه المقترحات؟ وهل تستطيع واشنطن ضمان التزام إسرائيل بأي تعهدات؟
إن التوصل إلى اتفاق يتطلب من الطرفين تجاوز خلافات عميقة، وهنا قد تلعب باكستان دور “الوسيط المحفز” عبر تحديد مجالات التوافق الممكنة.
كما أن الصورة العامة لا تقل أهمية عن الجوهر، إذ يتعين على باكستان، رغم واقعيتها، الحفاظ على الثقة في العملية التفاوضية حتى في مواجهة أي انتكاسات متوقعة.
نافذة نحو السلام
ويبقى الأمل أن تواصل باكستان، بعد تعزيز مكانتها الدبلوماسية، دورها في دعم الحوار، ومن غير المرجح التوصل إلى تسوية نهائية فورا، لكن السيناريو الأفضل يتمثل في الاتفاق على المبادئ الأساسية، ووضع آليات لمواصلة المفاوضات.
ومن شأن نجاح هذه الجهود أن يعزز مكانة باكستان إقليميا ودوليا، ويؤكد موقفها الراسخ بأن النزاعات تحل بالحوار والدبلوماسية لا بالحرب، والأهم من ذلك، أن نجاح المسار الدبلوماسي في إسلام آباد سيمنح منطقة الخليج متنفسا بعد أن تحولت إلى ساحة صراع دون إرادتها.
لقد فتحت الدبلوماسية الباكستانية- بدعم من أطراف إقليمية والولايات المتحدة والصين- نافذة نحو السلام. غير أن نجاح هذه العملية سيعتمد في نهاية المطاف على استعداد الولايات المتحدة وإيران للتخلي عن مواقفهما المتشددة والتوجه نحو حلول وسط عملية.
وستكون نتائج هذا المسار- نجاحا كانت أو فشلا- ذات تداعيات بعيدة المدى على المنطقة والعالم، فالنجاح سيعزز استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ويقوي الأمن والسلام، إنها لحظة “يالطا” بالنسبة لباكستان والمنطقة ككل، كما أنها فرصة تاريخية يجب اغتنامها لا إضاعتها.



