هدنة بلا إنترنت.. هل تضيع فرصة إنقاذ الاقتصاد الإيراني

مع تراجع حدة المواجهات مؤقتًا، يبرز رفع القيود غير المسبوقة على الفضاء الرقمي وإنهاء حالة الإظلام الإلكتروني، التي تجاوزت الأربعين يومًا أو ما يعادل 936 ساعة، كخطوة أولى وحاسمة لاستعادة ثقة الرأي العام وإعادة بناء القدرة الاقتصادية.

ميدل ايست نيوز: دخل وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ، وبغض النظر عن التحليلات السياسية والعسكرية المرتبطة بآفاقه أو الحديث عن الرابحين والخاسرين، حقيقة لا يمكن إنكارها تفرض نفسها أمام صناع القرار الداخلي في إيران، وهي الفرصة المتاحة للعودة إلى حياة طبيعية.

وفي وقت تنشغل فيه المنابر الرسمية ووسائل الإعلام الدولية بتحليل بنود هذا الاتفاق المؤقت، فإن الاقتصاد الإيراني الهش، الذي أنهكته ضغوط مزدوجة من «الحرب» و«انقطاع الإنترنت»، بات بحاجة إلى إنعاش فوري.

ومع تراجع حدة المواجهات مؤقتًا، يبرز رفع القيود غير المسبوقة على الفضاء الرقمي وإنهاء حالة الإظلام الإلكتروني، التي تجاوزت الأربعين يومًا أو ما يعادل 936 ساعة، كخطوة أولى وحاسمة لاستعادة ثقة الرأي العام وإعادة بناء القدرة الاقتصادية.

الأعمال الإلكترونية؛ ضحايا صامتون في ظل الحرب

خلال الأربعين يومًا الماضية، وبينما كانت الأنظار متجهة إلى حركة الطائرات الحربية والصواريخ في السماء والأهداف العسكرية، كانت حرب شاملة تدور في أعماق الاقتصاد الرقمي الإيراني.

وتشير تقديرات غير رسمية ونداءات ناشطين اقتصاديين إلى أن قطع الإنترنت الدولي لم يكن مجرد تقييد بسيط للاتصالات، بل شكّل قطعًا للشرايين الحيوية لآلاف الشركات الصغيرة والكبيرة.

وقد شهد الاقتصاد الرقمي، الذي كان يعد في السنوات الأخيرة أحد محركات التوظيف والابتكار، انهيارًا حادًا خلال هذه الفترة. كما واجهت العديد من المنصات المحلية، التي تعتمد سلاسل إمدادها على الخدمات السحابية والأدوات الدولية، اضطرابات خطيرة، في حين دُمّرت مصادر رزق ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على شبكات التواصل الاجتماعي والأسواق الإلكترونية بشكل شبه كامل.

ويعكس هذا الضعف الاقتصادي تراجع قدرة المجتمع على تحمل الصدمات طويلة الأمد إلى أدنى مستوياتها، ما يجعل استمرار انقطاع الإنترنت تحت ذريعة متطلبات الأمن في ظروف الطوارئ والحرب، في وقت توقفت فيه العمليات العسكرية، أمرًا يفتقر إلى أي مبرر منطقي أو اقتصادي.

السوق السوداء لكاسر الحجب؛ ضريبة إضافية على المواطنين

ومن بين التداعيات الخطيرة لاستمرار هذه القيود، ظهور سوق سوداء لبرامج كاسر الحجب VPN تحولت إلى ما يشبه «مافيا اقتصادية» جديدة. وتشير تقارير ميدانية إلى بيع حزم إنترنت محدودة بأسعار باهظة، تصل أحيانًا إلى نحو مليوني تومان لكل غيغابايت.

ولم يضاعف هذا الوضع الضغوط المعيشية على الأسر  الإيرانية فحسب، بل فرض أيضًا نوعًا من الضرائب غير الرسمية وغير العادلة على المستخدمين. وفي حين كان وزير الاتصالات قد ربط إعادة الاتصال بالنهاية الرسمية للحرب، فإن وقف إطلاق النار الحالي أعاد طرح مطلب الرأي العام والناشطين الاقتصاديين بضرورة استعادة الإنترنت فورًا.

وفي هذا السياق، دعا الناشط الاقتصادي وعضو غرفة التجارة بدرام سلطاني إلى الإسراع في إعادة الخدمة، محذرًا من أن «الشركات الصغيرة تتفكك».

في المقابل، تكشف تصريحات مسؤولي الحكومة يوم الأربعاء، التي أكدت أن «الإنترنت الدولي لن يعود حتى النهاية الرسمية للحرب»، عن فجوة في إدراك حجم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها المواطنون، وتجاهل لتبعات استمرار هذا الوضع.

ويعني الإصرار على بقاء القيود عمليًا ضخ أرباح طائلة في جيوب سماسرة الإنترنت، مقابل الانهيار الكامل للشركات الصغيرة التي فقدت معظم رؤوس أموالها خلال هذه الفترة. ولا يخفى أن هذا المسار، إلى جانب موجة البطالة وتسريح العمالة التي بدأت ملامحها بالظهور، ستكون لها تداعيات اجتماعية وسياسية ملموسة.

الصادرات والواردات في مأزق الاتصالات

ولا تقتصر آثار انقطاع الإنترنت على منصات مثل إنستغرام وتلغرام، بل تمتد إلى مجمل العمليات التجارية، من تسجيل الطلبات وتخليص البضائع، إلى المراسلات الدولية وتحويل الأموال عبر الأنظمة المصرفية، التي تعتمد جميعها على استقرار الشبكات وأمنها.

وفي وقت تحتاج فيه إيران إلى تدفقات نقدية وإلى تسهيل الصادرات غير النفطية لإعادة بناء بنيتها التحتية المتضررة، يشكّل هذا «الحظر الذاتي الاتصالي» أكبر عقبة أمام التجار ورجال الأعمال.

ويُعد وقف إطلاق النار المؤقت فرصة مناسبة لكسر هذا الجمود، بما يتيح للقطاع الخاص استئناف العقود المعلقة وتسهيل دخول السلع الأساسية إلى البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى