الصحافة الإيرانية: منعطف دبلوماسي حاسم ومفاوضات ترسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب

تقف إيران على أعتاب أحد أكثر المنعطفات الدبلوماسية حساسية في تاريخها المعاصر. فمفاوضات إسلام آباد المرتقبة تجاوزت كونها اجتماعاً ثنائياً لتتحول إلى ساحة لتحديد ملامح نظام إقليمي جديد ووضع حد لحرب مكلفة استمرت أربعين يوماً.

ميدل ايست نيوز: تقف إيران على أعتاب أحد أكثر المنعطفات الدبلوماسية حساسية في تاريخها المعاصر. فمفاوضات إسلام آباد المرتقبة، بمشاركة وفود رفيعة من إيران والولايات المتحدة على الأراضي الباكستانية، تجاوزت كونها اجتماعاً ثنائياً لتتحول إلى ساحة لتحديد ملامح نظام إقليمي جديد ووضع حد لحرب مكلفة استمرت أربعين يوماً.

وتأتي هذه المفاوضات في ظل انقسام حاد داخلياً وعلى الساحة الدولية بين أنصار «الدبلوماسية العقلانية» ومؤيدي «المواجهة المفتوحة». ففي حين يتمسك مركز القرار في الجمهورية الإسلامية باستراتيجية «لا حرب ولا استسلام» واختيار التفاوض من موقع قوة، تصف تقارير تيارات إيرانية متشددة بأنها تعتبر مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار تراجعاً، وتسعى عبر مشاريع مستعجلة في البرلمان الإيراني إلى تقييد حركة الفريق المفاوض، في مواقف يرى مراقبون أنها تتجاوز أحياناً الخطاب الرسمي للقيادة وتهدد المصالح الوطنية بسلوكيات انفعالية.

ووصف عباس بازوكي، نائب رئيس مكتب النائب الأول للرئيس الإيراني لشؤون الاتصالات والمعلومات، مفاوضات باكستان بأنها «تدبير من قائد الثورة»، وكتب في مدونة أن «المفاوضات المقبلة تمثل أول اختبار حقيقي للالتزام بالولاية في العصر الجديد، وتميّز بين الثوريين الحقيقيين والمتشددين المتظاهرين بالثورية، وأن المواقف ستُسجل في تاريخ البلاد». ويعكس هذا التحذير حجم المخاوف من محاولات قد تفرغ ثمار المواجهة الميدانية خلال الأيام الأربعين الماضية على طاولة الدبلوماسية. وفي حين يرى الرئيس مسعود بزشكيان أن «السلام المنطلق من موقع اقتدار يضمن مصالح الشعب»، يتهم منتقدون متشددين بالسعي إلى إعادة البلاد إلى أجواء المواجهة المباشرة رغم أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة فرض الإرادة الإيرانية، وفق توصيف رسمي.

مضيق هرمز؛ من «شريان حيوي» إلى «أداة ضغط قانونية»

تقول صحيفة توسعه إيراني، إن وضع مضيق هرمز يبرز بوصفه الملف الأكثر حساسية قبيل مفاوضات إسلام آباد. فالممر الذي يعبر عبره نحو خُمس النفط والغاز في العالم تحول إلى ورقة ضغط رئيسية بيد طهران، غير أن آلية استخدام هذه الورقة موضع جدل. ففي حين تسعى الحكومة الإيرانية وأجهزتها الدبلوماسية إلى صياغة «نظام قانوني جديد» يهدف إلى تحصيل تعويضات وتثبيت السيادة الإيرانية، يدفع بعض النواب باتجاه مقاربات أكثر تشدداً قد تؤدي، بحسب تحليلات، إلى عزلة دولية بدلاً من تحقيق مكاسب تفاوضية.

وفي هذا السياق، أوضح نائب وزير الخارجية سعيد خطيب زاده أن «مضيق هرمز مفتوح، لكن على السفن التنسيق مع القوات الإيرانية، وحتى السفن الأمريكية يمكنها العبور ما لم يصدر عنها سلوك عدائي». ويعكس التباين بين الخطاب البرلماني المتشدد والواقع التنفيذي تحدياً محتملاً أمام الوفد المفاوض.

كما شدد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي في بيان منسوب له على أن «إدارة مضيق هرمز ستدخل مرحلة جديدة، وسيُطالب بتعويض كل الأضرار»، في إشارة إلى تبني نهج «إدارة ذكية» لا إغلاقاً مطلقاً، باعتبار أن اتخاذ قرارات عقلانية يمثل شرطاً أساسياً في هذه المرحلة.

تحديات داخلية؛ بين التشدد ومقتضيات المصلحة

في الداخل الإيراني، تبدي بعض الأصوات تحفظاً على أي اتفاق محتمل. فقد تساءل إمام جمعة مدينة ساري عن جدوى طرح التفاوض ووقف إطلاق النار في ظل ما وصفه بمسار ناجح. ويرى محللون أن هذا الطرح يغفل مفهوم «السلام من موقع قوة»، إذ إن الهدف النهائي لأي مواجهة عسكرية هو الوصول إلى تسوية مستدامة. وأكد النائب رضا سبهوند أن المجلس الأعلى للأمن القومي يمثل رمز السيادة، داعياً مختلف التيارات السياسية إلى الالتفاف حول مواقفه وإظهار الوحدة.

إسلام آباد؛ اختبار كبير لترامب وطهران

تمثل مفاوضات باكستان أيضاً اختباراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى السلطة بشعار إنهاء الحروب المفتوحة، لكنه يواجه ضغوطاً من إسرائيل للاستمرار في المواجهة، إضافة إلى اعتبارات استقرار أسواق الطاقة. وفي تصريحات متباينة، تحدث ترامب عن اقتراب اتفاق، ولوّح في الوقت نفسه بتهديدات شديدة. كما أبدى نائبه جيه دي فانس تشكيكاً في صيغ متداولة إعلامياً، معتبراً أن المسودة المؤلفة من عشرة بنود التي تمت بوساطة باكستان هي المرجعية المعتمدة.

وتوجه الوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف وعضوية شخصيات من بينها عباس عراقجي ومحمد باقر ذوالقدر إلى إسلام آباد بخبرة تفاوضية تراكمت عبر تجارب سابقة. ورغم تقديرات أطلقها الدبلوماسي الأمريكي السابق بريت ماكغورك تشير إلى أن احتمال التوصل إلى اتفاق نهائي خلال أيام ضئيل، فإن مجرد اللقاء المباشر قد يسهم في خفض التصعيد وتهيئة الأرضية لتفاهم مستدام.

وتؤكد طهران أنها تدخل المفاوضات من موقع قوة، بعد ما تعتبره تغييراً في معادلة الردع. وتتمثل ركائز موقفها في معالجة ملف مضيق هرمز، وصون برامجها الدفاعية، ورفع العقوبات، مع الحرص على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة مقنعة.

العقلانية طريق المرحلة الوحيد

تفيد تقارير بأن طهران تعاملت مع حوادث وقف إطلاق النار بحسابات دقيقة، بما في ذلك ضبط النفس حيال التطورات في لبنان، بهدف تحميل الطرف الآخر مسؤولية أي إخفاق في المسار الدبلوماسي. وتشدد أوساط رسمية على أن المرحلة تتطلب التزاماً بالاستراتيجية المعلنة ودعماً للفريق المفاوض.

ويُنظر إلى استمرار فتح مضيق هرمز بوصفه مؤشراً على إدارة محسوبة للأوراق الاستراتيجية، لا دليلاً على تراجع. وترى تحليلات أن تحويل المكاسب الميدانية إلى نتائج سياسية دائمة يتطلب مزيجاً من الحزم في التنفيذ والعقلانية في القرار، في لحظة توصف بأنها مفصلية في مسار البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى