معادلة صعبة أمام صانع القرار الإيراني: سياسات تحفيز الإنتاج في مواجهة التضخم الحربي
قال خبير اقتصادي إن عوامل متعددة تسهم في هروب رؤوس الأموال ولا تقتصر على تضرر الصناعات الكبرى، موضحًا أن سوء الإدارة والهياكل السياسية والاجتماعية والثقافية أدت منذ سنوات إلى تهيئة بيئة مناسبة لخروج رأس المال.

ميدل ايست نيوز: تفاقمت حدة الاشتباكات العسكرية واتسع نطاق الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أدى إلى أضرار طالت البنى التحتية الحيوية، وأصبح الاقتصاد الإيراني يواجه واحدة من أكثر أزماته تعقيدًا وتعددًا في السنوات الأخيرة، فيما بلغت هذه السلسلة ذروتها مع فرض حصار بحري كامل على إيران. أزمة ترافقت من جهة مع اضطراب في سلاسل الإمداد وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية، ومن جهة أخرى مع تصاعد الضغوط الناتجة عن العقوبات الدولية، ما أدى إلى مزيد من تقييد طرق تأمين المواد الأولية والمعاملات المالية.
وتشير تقارير إلى تعرض عدد من المراكز الصناعية الحيوية الإيرانية، بما فيها منشآت إنتاج كبيرة، لأضرار مباشرة، وهو ما لم يقتصر على تعطيل الإنتاج داخل هذه الصناعات فحسب، بل امتد بشكل متسلسل إلى القطاعات المرتبطة بها، ما زاد المخاوف بشأن استمرار توفير السلع الأساسية والصناعية.
وهنا، برزت مؤشرات واضحة على حدوث «صدمة مزدوجة في العرض والتوقعات» داخل الاقتصاد. فقد أدى تراجع الوصول إلى المواد الأولية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة استيراد المعدات وقطع الغيار، إلى دفع العديد من الشركات إلى تقليص الإنتاج أو الإغلاق المؤقت أو حتى تسريح العمال. وتزامن ذلك مع ضغوط تضخمية حادة.
كما أدى تصاعد القلق بشأن المستقبل الاقتصادي إلى تغيّر في أنماط اتخاذ القرار، حيث يُتوقع أن يلجأ بعض المستثمرين إلى نقل رؤوس أموالهم خارج البلاد أو تحويلها إلى أسواق أقل خطورة، في محاولة لحماية أصولهم. ويؤدي هذا «هروب رأس المال» إلى تقليص الموارد المالية اللازمة للاستثمار الداخلي، كما يمكن أن يضعف النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد. كذلك تؤدي ظروف الحرب والعقوبات والتضخم إلى زيادة الضغط على معيشة الأسر الإيرانية، مع تسارع هجرة العمالة، خاصة الكفاءات المتخصصة، ما يؤدي إلى تراجع رأس المال البشري وانخفاض الإنتاجية.
من منظور كلي، يؤدي تزامن تراجع النمو مع ارتفاع المستوى العام للأسعار إلى دفع الاقتصاد نحو «الركود التضخمي»، حيث تصبح أدوات السياسة التقليدية محدودة الفاعلية. فسياسات التشديد النقدي للحد من التضخم قد تعمّق الركود، بينما قد تؤدي السياسات التوسعية لتحفيز الإنتاج إلى زيادة التضخم، وهو ما يضع صانع القرار أمام معادلة صعبة في ظل الحرب والعقوبات.
ويرى بعض المحللين أن حدة هذه الأزمة تعتمد إلى حد كبير على طريقة إدارة الحكومة، حيث يمكن أن تسهم سياسات استهدافية في تخصيص الموارد بالعملة الأجنبية، ودعم الصناعات الاستراتيجية، وتوفير مسارات بديلة للسلع الحيوية، في الحد من تفاقم الأزمة. كما أن الحفاظ على قدر من الاستقرار في السياسات وتقليل حالة عدم اليقين التنظيمي يلعب دورًا مهمًا في الحد من هروب رؤوس الأموال والهجرة.
وبناءً على ذلك، يواجه الاقتصاد الإيراني وضعًا يتعرض فيه لضغوط متزامنة من تضرر البنية الإنتاجية، والقيود الخارجية، والتغيرات السلوكية الداخلية، ما ينعكس في زيادة مخاطر الإنتاج ونقص السلع وتقلبات الأسعار، فيما يبقى المسار المستقبلي مرتبطًا بقرارات إدارة الأزمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تحدث مرتضى أفقه، الخبير في الشؤون الاقتصادي، في حديث لموقع ديده بان إيران، حول تبعات الحرب والعقوبات والحصار البحري للموانئ الإيرانية، إن عوامل متعددة تسهم في هروب رؤوس الأموال ولا تقتصر على تضرر الصناعات الكبرى مثل البتروكيماويات والصلب، موضحًا أن سوء الإدارة والهياكل السياسية والاجتماعية والثقافية أدت منذ سنوات إلى تهيئة بيئة مناسبة لخروج رأس المال، حيث تم نقل جزء كبير منه إلى دول الجوار أو عبر الهجرة.
احتمال إغلاق أو تعطيل مئات الصناعات الصغيرة
وأضاف أن الحرب والحالة غير المستقرة التي سادت منذ يونيو من العام الماضي ساهمت في تسريع هذا الاتجاه، مشيرًا إلى أن استمرار الأوضاع الحالية، مع الأضرار التي لحقت بصناعتين رئيسيتين، والتي قد تحتاج إلى سنة أو سنتين لإعادة البناء، سيؤدي إلى توقف أو شبه توقف مئات الصناعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بها. كما أن المستثمرين الجدد سيترددون في الدخول، بينما قد يضطر المستثمرون الحاليون إلى نقل رؤوس أموالهم خارج البلاد.
هجرة منشآت اقتصادية بسبب انقطاع الإنترنت
وأشار الخبير في الشؤون الاقتصداية إلى أن الانقطاعات المتكررة للإنترنت أدت إلى هجرة مئات المنشآت الاقتصادية الصغيرة المعتمدة على الخدمات الرقمية، مع توقع استمرار هذا الاتجاه. واعتبر أن أخطر ما في الأمر ليس خروج رأس المال المادي، بل هجرة رأس المال البشري، حيث يغادر متخصصون ذوو خبرة طويلة في الإنتاج، ما يشكل خسارة أكبر للاقتصاد.
ارتفاع البطالة مع إغلاق المصانع
وأوضح أفقه أن إغلاق أو تعطيل هذه المنشآت يؤدي إلى نتيجتين أساسيتين: ارتفاع البطالة نتيجة تسريح العمال، وتراجع الإنتاج ما يؤدي إلى التضخم. واعتبر أن الجمع بين الركود والتضخم يمثل أسوأ سيناريو اقتصادي يمكن أن يواجهه البلد إذا لم تحدث تغييرات في السياسة الإقليمية والدولية أو رفع للعقوبات.
تأثير الحصار البحري على الاقتصاد
وبشأن الحصار البحري، قال الخبير الإيراني إن تأثيره لن يقتصر على الصناعة بل سيشمل الاقتصاد ككل، لأن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد يعتمد على التجارة الخارجية، بما في ذلك تصدير النفط والبتروكيماويات لتأمين العملة الأجنبية، إضافة إلى استيراد نحو 70 إلى 80 بالمئة من الاحتياجات عبر الخليج. وفي حال استمرار هذا الحصار، ستتضاعف الضغوط الاقتصادية.
وأشار إلى أن البيئة المعادية للاستثمار في إيران موجودة منذ سنوات طويلة، ما أثر حتى على المستثمرين المحليين، فضلًا عن الأجانب، مؤكدًا أن هذه الإجراءات الأخيرة لا تنشئ الأزمة بل تزيد حدتها، حيث كان هروب رأس المال قائمًا بالفعل قبل تشديد العقوبات في عام 2018، نتيجة البيروقراطية وسوء الإدارة.
وختم بأن مجموع هذه العوامل يشير إلى اقتصاد راكد ومناهض للتنمية، وأن ما يحدث حاليًا هو تسريع لوتيرة هروب رأس المال وليس بدايته.



