الصحافة الإيرانية: مضيق هرمز؛ من السيادة الإيرانية إلى رسوم الخدمات البحرية
عاد مضيق هرمز اليوم ليكون ساحة يتقاطع فيها القانون والقوة والأمن. وتسعى إيران إلى التأكيد على أن النظام القانوني الذي يحكم هذه المنطقة لا ينبغي أن يُصاغ فقط وفق مصالح القوى الخارجية.

ميدل ايست نيوز: لا يشكل مضيق هرمز مجرد ممر جغرافي، بل إحدى أكثر نقاط التقاء القانون الدولي والأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي حساسية. فجزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية يمر عبر هذا المضيق، وهو ما يمنح إيران وسلطنة عمان، بصفتهما الدولتين الساحليتين المطلتين عليه، موقعاً استراتيجياً وحاسماً. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول الحقوق القانونية لإيران في مضيق هرمز لا يُعد قضية سياسية فحسب، بل مسألة جوهرية في إطار قانون البحار والأمن الدولي وحقوق السيادة الوطنية.
يقول امیر بيبروا، أستاذ مساعد في القانون الدولي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن النقطة الأساسية تتمثل في أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي، ولذلك فهي لا تعتبر نظام «المرور العابر» المنصوص عليه في الاتفاقية التزاماً تعاقدياً ملزماً لها. ومن المنظور القانوني الإيراني، لا تزال أحكام اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة تشكل الأساس الرئيسي لتحليل الوضع القانوني لمضيق هرمز. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى عبور السفن عبر المضيق في إطار «المرور البريء»، وهو مرور يجب أن يكون متوافقاً مع السلم والنظام وأمن الدولة الساحلية.
ومن هذا المنطلق، ترى إيران أنه يمكنها، في ظروف أمنية استثنائية أو حالات الحرب أو عند وجود تهديدات خطيرة لأمن الملاحة البحرية، اتخاذ إجراءات لتقييد العبور أو حتى تعليقه مؤقتاً. ويُنظر إلى مثل هذه الإجراءات، إذا اتُخذت بهدف الحفاظ على الأمن ومنع الأخطار التي تهدد الأرواح أو حماية معدات الملاحة والدفاع عن السيادة الوطنية، على أنها تندرج ضمن حقوق الدولة الساحلية ومبدأ الدفاع المشروع عن النفس. وكما يُعد تعليق الرحلات الجوية المدنية خلال الحروب إجراءً مسؤولاً لحماية المسافرين، فإن إدارة حركة الملاحة البحرية وتقييدها في منطقة تشهد توترات حادة يمكن تبريره أيضاً بمنطق الوقاية من الأخطار.
وأظهرت المحاولات السياسية الأمريكية الرامية إلى تحويل إجراءات إيران في مضيق هرمز إلى ملف أمني ضد طهران أن هذه القضية ليست سهلة التوظيف قانونياً ضد إيران. فعندما تسعى واشنطن إلى إدراج السلوك الإيراني ضمن أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإنها تصطدم بحقيقة أن الدولة الساحلية تتمتع بحقوق أصيلة ومعترف بها دولياً للدفاع عن أمنها في مواجهة التهديدات الفعلية. ومن ثم، فإن امتناع بعض القوى الدولية عن إدانة إيران أو تحفظها تجاه ذلك لا يعكس موقفاً سياسياً فقط، بل قد يشير أيضاً إلى صعوبة تجاهل الوضع القانوني الخاص لإيران في مضيق هرمز.
ومن القضايا المهمة الأخرى مشروعية فرض رسوم مقابل الخدمات البحرية. فوفقاً لمنطق قانون البحار، يحق للدولة الساحلية تقاضي رسوم مقابل خدمات بحرية فعلية ومحددة، تشمل توفير الأمن البحري، وإدارة حركة الملاحة، وخدمات الإرشاد والإنقاذ، وأعمال التجريف، وحماية البيئة البحرية، والدعم اللوجستي. وتُطبق هذه القاعدة بأشكال مختلفة في عدد من أهم الممرات المائية العالمية، بما في ذلك قناتا السويس وبنما، فضلاً عن بعض الأنظمة الخاصة التي تحكم المضائق الاستراتيجية.
ولا يُعد مضيق هرمز استثناءً من هذه القاعدة. فمرور ناقلات النفط والسفن التجارية والعسكرية يومياً عبر هذا الممر يفرض أعباء أمنية وبيئية وفنية كبيرة على الدول الساحلية. وتتحمل إيران وسلطنة عمان مسؤولية مباشرة في الحفاظ على النظام والسلامة والأمن في هذه المنطقة. ولذلك، فإن طرح فكرة فرض رسوم مقابل الخدمات البحرية الفعلية لا يُعد خروجاً عن قواعد القانون الدولي، بل محاولة لتحقيق توازن بين مصالح مستخدمي الممر والتكاليف التي تتحملها الدول الساحلية.
ومن جهة أخرى، لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على الجوانب القانونية فقط. فالجغرافيا الإقليمية، والإمكانات المحلية، ومواقع الجزر، والسواحل الجنوبية لإيران، والقدرات المتاحة لمراقبة وإدارة المسارات البحرية، كلها عوامل تشير إلى أن أمن المضيق يعتمد بدرجة أكبر على إرادة وقدرات الدول الساحلية أكثر من اعتماده على وجود القوى الخارجية. كما أظهرت التجارب الأخيرة أن الاعتماد الحصري على العقائد العسكرية للقوى الكبرى لا يمكنه تغيير الحقائق الجيوسياسية للمنطقة. وفي نهاية المطاف، يظل مضيق هرمز منطقة ينبغي أن يقوم أمنها على احترام سيادة الدول الساحلية ومراعاة الحقائق الإقليمية القائمة.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تريث إيران في الانضمام إلى بعض الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية قانون البحار لعام 1982، أو في ملفات أخرى كـ«مجموعة العمل المالي» (FATF) و«المحكمة الجنائية الدولية»، باعتباره أمراً مفهوماً من زاوية المصالح الوطنية. فكل التزام دولي، إلى جانب ما قد يوفره من مزايا، يمكن أن يفرض أيضاً قيوداً جديدة ويخلق أدوات ضغط إضافية. ولذلك، فإن انتهاج سياسة الحذر في قبول الالتزامات الدولية، خصوصاً في المجالات المرتبطة مباشرة بالأمن القومي والسيادة الإقليمية، قد يشكل جزءاً من استراتيجية قانونية وسياسية مدروسة.
عاد مضيق هرمز اليوم ليكون ساحة يتقاطع فيها القانون والقوة والأمن. وتسعى إيران إلى التأكيد على أن النظام القانوني الذي يحكم هذه المنطقة لا ينبغي أن يُصاغ فقط وفق مصالح القوى الخارجية، بل يجب أن يستند إلى حقوق الدول الساحلية والأمن الجماعي والعدالة في توزيع الأعباء واحترام السيادة الوطنية. وهنا، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر لعبور النفط والبضائع، بل يجسد سؤالاً أوسع يتعلق بما إذا كان القانون الدولي ينبغي أن يكون أداة ضغط بيد القوى الكبرى أم إطاراً لتنظيم مصالح الدول بصورة عادلة.
وخلص إلى أن الأمن في مضيق هرمز لا يمكن تحقيقه إلا من خلال احترام حقوق إيران.



