الصحافة الإيرانية: دروس فشل الاتفاق النووي: من الضمانات القانونية إلى الضمانات العملية في تفاهم إسلام آباد
لو اعتبرنا المفاوضات الأخيرة اتفاقًا نهائيًا، فإننا نقع في نوع من خداع الذات. فما تحقق حتى الآن يشبه وقف إطلاق نار مُدارًا يهدف إلى كبح التصعيد مؤقتًا، ريثما تتضح التفاصيل الأساسية في جولات تفاوض لاحقة.

ميدل ايست نيوز: بتقليل تجربة الاتفاق النووي إلى مجرد فشل في اتفاق واحد، نكون قد بسّطنا الواقع من جهة، وتجاهلنا من جهة أخرى الدروس التي كان ينبغي أن تستخلصها السياسة الخارجية الإيرانية منه. فقد شكّل اتفاق 2015 بالنسبة لجهاز صنع القرار في الجمهورية الإسلامية «ورشة مكثفة ومكلفة» أظهرت أن الاعتماد على النصوص القانونية وتواقيع القوى الكبرى لا يفضي بالضرورة إلى ضمانات دائمة. ففي تلك المرحلة، قيّدت طهران جزءًا من أنشطتها النووية اعتمادًا على القانون الدولي، لكنها لم تحصل في المقابل على النتيجة المتوقعة، أي رفع العقوبات بشكل مستدام، وهو ما لم يتحقق بعد تغيّر الإدارة في البيت الأبيض.
يقول الصحفي الإيراني، حسين دلير، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق الذي كان قد حظي بمصادقة مجلس الأمن أرسل رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن التزامات الولايات المتحدة، إذا لم تُدعّم بضمانات ملموسة وشبكة من المصالح المتبادلة، قد تكون أقرب إلى تكتيك سياسي منها إلى التزام طويل الأمد. وقد تجاوزت آثار هذه التجربة مستوى العلاقات الخارجية، إذ واجهت الحكومة الإيرانية آنذاك انتقادات داخلية حادة واتُّهمت بالسذاجة في الثقة بالخصم. ومع ذلك، ترسخ داخل جزء من النخب الإيرانية نوع من انعدام الثقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق دائم مع الولايات المتحدة، وهو ما انعكس لاحقًا على خيارات السياسة الخارجية.
يمكن ملاحظة هذا الترسخ في انعدام الثقة داخل سلوك الجهاز الدبلوماسي الإيراني، حيث باتت المفاوضات مع الولايات المتحدة تُقوَّم، إلى جانب مخاطرها الذاتية، على افتراض قوي يتمثل في احتمال نقض الالتزامات أو الانسحاب الأحادي من أي اتفاق. وهو نوع من التشاؤم الإدراكي الذي ألقى بظلاله على مفاوضات إسلام آباد أيضًا.
لو اعتبرنا المفاوضات الأخيرة اتفاقًا نهائيًا، فإننا نقع في نوع من خداع الذات. فما تحقق حتى الآن يشبه وقف إطلاق نار مُدارًا يهدف إلى كبح التصعيد مؤقتًا، ريثما تتضح التفاصيل الأساسية في جولات تفاوض لاحقة. إنه إطار مؤقت لا يمكن فهمه دون إدراك سياقه وظروفه. فالولايات المتحدة، بعد مواجهتين عسكريتين مكلفتين في العام الماضي، وجدت نفسها أمام وضع يتزايد فيه الإرهاق العالمي، مع أزمة طاقة، واضطراب طرق التجارة، وضغوط على الاقتصاد الدولي، واقتراب موعد كأس العالم والانتخابات النصفية، ما جعل استمرار التصعيد مكلفًا لها.
وقد أعادت الحروب الأخيرة الاعتبار لدور إيران في معادلات الطاقة وأمن الملاحة البحرية. إذ إن إغلاق مضيق هرمز وتراجع حركة النفط والبضائع لم يُضعف الاقتصاد الإيراني بقدر ما دفع الأسواق الإقليمية والعالمية إلى حافة الأزمة. كما أتاح الجمع بين القدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، والتحكم في ممرات الطاقة، وامتلاك القدرة على تعطيل طرق التجارة، لإيران أدوات ضغط متعددة. وللمرة الأولى، تمكن الجهاز الدبلوماسي الإيراني من توظيف هذه الأدوات لإضفاء وزن أكبر على المفاوضات، التي لم تعد استمرارًا لتسوية سابقة، بل نتيجة توازن ضغط متبادل على الأرض.
وتتجلى ملامح هذا التحول في مضمون تفاهم إسلام آباد، حيث تم تحديد إجراءات مثل انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، ورفع الحصار البحري، وتحرير الأصول المجمدة كخطوات أولية. وعلى خلاف الاتفاق النووي، الذي قُدمت فيه التزامات إيران أولًا، فإن هذا الإطار يفترض تحقيق حد أدنى من المكاسب الملموسة قبل تقديم أي تنازلات استراتيجية. هذا التغيير في ترتيب الالتزامات يعكس حالة عدم الثقة المتزايدة التي ترسخت بعد تجربة الاتفاق النووي.
في الملف النووي، أكدت إيران مجددًا موقفها الرافض لتطوير سلاح نووي، وهو موقف ثابت في العقيدة الرسمية للجمهورية الإسلامية. وفي الوقت ذاته، بقيت مستويات التخصيب ونطاقه ضمن دائرة التفاوض ولم تتحول إلى التزام مسبق ونهائي. كما لم يتم تفكيك البنية التحتية النووية أو تدميرها، وظلت القدرات التقنية قائمة. وقد جرى تثبيت الخطوط الحمراء الفنية والأمنية عند مستوى يسمح بمواصلة التطوير في حال خرق الاتفاق، مع طمأنة الطرف الآخر بعدم الوصول إلى إنتاج السلاح النووي. وإذا ما تم تثبيت هذا التوازن في النص النهائي، فسيشكل ذلك فارقًا مهمًا مقارنة بالتجربة السابقة.
كما تتضمن بعض بنود تفاهم إسلام آباد تركيزًا على البعد الإقليمي لدور الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك التأكيد على سيادة لبنان، ووقف العمليات العسكرية في جبهات مختلفة، ونقل بعض الملفات الأمنية إلى مستوى الحوار بين طهران وواشنطن، بما يعني تقليص دور بعض الفاعلين الذين يقوم وجودهم السياسي على استمرار التوتر. إن ترسيخ هذا المسار من شأنه أن يحد من قدرة الكيان الإسرائيلي على تحديد إيقاع التصعيد في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، يبرز بند الاستثمارات البالغة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران كعنصر لافت. وبغض النظر عن واقعية الرقم، فإن البنية التي يقوم عليها تعكس فكرة ربط استقرار إيران بإعادة رسم خريطة الاستثمارات الإقليمية، بما يفتح الباب أمام دخول أطراف متعددة من الخليج وخارجه في الاقتصاد الإيراني وربط مصالحها باستمرار هذا الاستقرار. وبهذا المعنى، فإن تكلفة انسحاب الولايات المتحدة مستقبلًا لن تقع على إيران وحدها، بل ستشمل شركاء إقليميين، ما يخلق شبكة مصالح تجعل من الانسحاب الأحادي أكثر كلفة وصعوبة.
أما مصير هذا التفاهم، فيتوقف إلى جانب العوامل الخارجية على ردود الفعل الداخلية في إيران. فالمعارضون للمفاوضات يستندون إلى تجارب سابقة ومخاوف تتعلق بانعدام الثقة والتدخلات والضغوط. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى أداة للصراع السياسي الداخلي قد يعرقل مسار التفاوض بدل أن يدعمه.
ومن النقاط الحساسة أيضًا مسألة احتكار تفسير مواقف المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، حيث يؤدي احتكار بعض التيارات لنفسها حق تمثيل التوجيهات العليا واعتبار أي نقد معارضة لها، إلى إضعاف الحوار الداخلي داخل النظام. بينما يفترض أن تكون الاستراتيجيات الكبرى للسياسة الخارجية فوق مستوى التجاذبات السياسية، وأن تنفيذها يحتاج إلى توافق داخلي واسع. إن قيمة الالتزام لا تكمن في الادعاء، بل في كيفية ترجمة الاستراتيجيات على أرض الواقع، إذ إن تجميد الدبلوماسية قد يحرم الدولة من أدواتها الأساسية.
تواجه إيران اليوم وضعًا لا يمكن فيه العودة إلى مرحلة الاتفاق النووي، ولا الاستمرار في حالة التوتر الدائم. فبينما أثبتت القدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي حضورها، تشير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إلى أن كلفة استمرار حالة الطوارئ باتت مرتفعة. وأي اتفاق يبقى حبيس الورق دون انعكاس على حياة الناس سيفقد تدريجيًا قيمته. ومن دون دعم داخلي متماسك، يمكن حتى للاتفاق الجيد أن يواجه مصير الاتفاق النووي.
الفارق الأساسي في الاتفاق الجديد يتمثل في تفضيل الضمانات العملية على الضمانات القانونية الصرفة. فالتجربة السابقة أظهرت أن الاعتماد على النصوص القانونية دون شبكة مصالح متداخلة يجعل الاتفاق عرضة للتغيرات السياسية في القوى الكبرى. ويُراد اليوم معالجة هذا الخلل عبر ربط مصالح أطراف متعددة باستقرار إيران. فإذا نجح النص النهائي في توفير ضمانات عملية كافية لمنع الانسحاب الأحادي، مع الحفاظ على هامش المناورة الإيراني، فسيكون ذلك إنجازًا مهمًا.
إن المفاوضات الجارية تمثل اختبارًا لمرحلة نضج في السياسة الخارجية. فإما أن تنجح إيران في تحقيق توازن واقعي بين دروس الماضي ومتطلبات الحاضر، أو أن تضيع هذه الفرصة. وفي حال تحقق هذا التوازن، يمكن أن يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة يصبح فيها كل من الدبلوماسية والميدان عنصرين متكاملين في منظومة واحدة. وإلا فإن هذا التفاهم لن يكون سوى توقف قصير على طريق أزمة أكثر حدة.



