الصحافة الإيرانية: الناتو وحرب إيران… تحالف يعاني من أزمة هوية وارتباك استراتيجي

وضعت الحرب ضد إيران الناتو أمام حقيقة قاسية، وهي أن هذا التحالف لم يعد يمتلك القدرة على إدارة الأزمات المعقدة، ولا يستطيع تجاوز انقساماته الداخلية، ولا يعرف على وجه التحديد سبب وجوده.

ميدل ايست نيوز: لم تعزز الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران حلف شمال الأطلسي، بل كشفت بصورة أوضح عجزه البنيوي والانقسامات العميقة داخله وأزمة هويته.

يقول علي عبدي بور، الخبير في الشؤون الدفاعية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه منذ تأسيس منظمة حلف شمال الأطلسي عام 1949، ظل هذا التحالف يعاني أزمة هوية. فقد تأسس في البداية لاحتواء الاتحاد السوفيتي، ثم دخل مرحلة من الارتباك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وخاض مهمات فاشلة في البلقان وأفغانستان وليبيا، ثم عاد للظهور بعد الحرب في أوكرانيا تحت ذريعة الردع في مواجهة روسيا. إلا أن الحرب ضد إيران وضعت هذا التحالف أمام أزمة أعمق، إذ لم يعد الناتو يعرف على وجه التحديد سبب وجوده ولا المهمة التي ينبغي أن يتولاها.

الحرب ضد إيران وكشف العجز العملي للناتو

أظهرت الحرب ضد إيران أن الناتو، رغم ادعاءاته الكبيرة، لا يمتلك القدرة على إدارة الأزمات المعقدة. فقد بيّنت الاضطرابات الواسعة في مسارات الطاقة، وتهديد خطوط الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وتصاعد ضغوط الهجرة، وهشاشة سلاسل الإمداد، والهجمات السيبرانية الواسعة، أن هذا التحالف عاجز حتى عن حماية المصالح الحيوية لأعضائه.

كما أثبتت منظومات الدفاع الباهظة الثمن المنتشرة في المنطقة، والتي نُشرت بذريعة حماية الحلفاء، عجزها الكامل أمام التكتيكات الإيرانية المركبة. وقد ألحق هذا الإخفاق العملي ضرراً بالغاً بثقة دول المنطقة في القدرات العسكرية للناتو، وأظهر أن التفوق التكنولوجي الغربي لم يعد ضمانة لتحقيق الانتصار.

الانقسام العميق بين الولايات المتحدة وأوروبا… جرح انكشف

لعل أهم تداعيات الحرب ضد إيران بالنسبة للناتو تمثلت في كشف الانقسام العميق والمتزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا. فقد أظهرت الحرب أن الأولويات الاستراتيجية لواشنطن لم تعد تتوافق مع مصالح الأوروبيين. فتركيز الولايات المتحدة على التنافس مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وانخراطها في أزمات غرب آسيا، والضغوط الداخلية التي تواجهها، كلها عوامل قلصت إلى حد كبير قدرتها ورغبتها في حماية أوروبا.

وأدركت الدول الأوروبية، بمرارة، أن الولايات المتحدة تقدم مصالحها الخاصة أولاً في أوقات الأزمات، وتتركها وحدها في مواجهة تداعيات الحرب ضد إيران. وقد أدى هذا التراجع في الثقة إلى إضعاف الأسس التي قام عليها الناتو، والتي استندت إلى الضمانات الأمنية الأمريكية.

زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي… دليل على العجز لا القوة

يفسر بعض المحللين الغربيين زيادة الميزانيات الدفاعية للدول الأوروبية بعد الحرب ضد إيران على أنها دليل على “تعاظم قوة الناتو”. لكن الواقع مختلف. فأوروبا مضطرة إلى زيادة إنفاقها الدفاعي لأنها لم تعد تثق بالضمانات الأمنية الأمريكية. وبالتالي فإن هذا الارتفاع في الإنفاق لا يعكس “القوة”، بل يعكس “العجز” و”القلق”.

وبات الاتحاد الأوروبي مضطراً إلى تنفيذ برامج واسعة لتطوير الصناعات الدفاعية، وزيادة إنتاج الذخائر، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، ليس لأنه يريد أن يصبح أكثر قوة، بل لأنه أدرك أنه لم يعد قادراً على الاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان أمنه. ويعد هذا المسار بحد ذاته مؤشراً على التفكك التدريجي للتماسك الداخلي في خطاب الناتو.

أزمة هوية… تحالف لا يعرف أين تنتهي حدوده

من أبرز مظاهر أزمة الهوية داخل الناتو التوسع غير المنضبط في النطاق الجغرافي لاهتماماته. فالحلف، الذي كان في الأصل تحالفاً أطلسياً، بات يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل شيء، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ومن القطب الشمالي إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ. غير أن هذا التوسع لا يعكس “النضج”، بل يعكس “الارتباك”.

فعندما لا تعرف منظمة حدودها بدقة، فهذا يعني أنها فقدت هويتها. وقد أظهرت الحرب ضد إيران أن الناتو يريد في الوقت نفسه مواجهة روسيا والصين وأزمات غرب آسيا، لكنه لا يمتلك القدرة على إنجاز أي من هذه المهام بصورة كاملة. وهذا “القيام بكل شيء” ليس سوى دليل على “العجز عن القيام بأي شيء”.

أزمة الإجماع السياسي… العجز عن اتخاذ القرار

كلما اتسع نطاق مهام الناتو، أصبح الحفاظ على الإجماع السياسي بين أعضائه الاثنين والثلاثين أكثر صعوبة. وقد أظهرت الحرب ضد إيران أن أعضاء الحلف يختلفون بشأن الأولويات والتهديدات وسبل التعامل مع الأزمات. فبعض الدول تؤيد تدخلاً أوسع، وبعضها يعارض ذلك، بينما يفكر آخرون فقط في مصالحهم الوطنية.

وقد أدت هذه الخلافات إلى شلل داخل الناتو، وأفقدته القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة. وأثبتت تجربة الحرب ضد إيران أن الإجماع السياسي هو أثمن وأندر ما يمتلكه هذا التحالف، وأنه من دونه يبقى الناتو محكوماً بالعجز.

الناتو على طريق التراجع

وضعت الحرب ضد إيران الناتو أمام حقيقة قاسية، وهي أن هذا التحالف لم يعد يمتلك القدرة على إدارة الأزمات المعقدة، ولا يستطيع تجاوز انقساماته الداخلية، ولا يعرف على وجه التحديد سبب وجوده. كما أن توسيع المهام، وزيادة الميزانيات، وتعديل الوثائق الاستراتيجية، لن تتمكن جميعها من إخفاء حقيقة أن الناتو يتحول تدريجياً إلى منظمة تعاني الارتباك.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة لغرب آسيا، إذ كلما حاول الناتو التدخل بصورة أكبر في معادلات المنطقة، كشف بصورة أوضح عن مواطن ضعفه. فقد أظهرت تجربة الحرب ضد إيران أن توسيع نطاق المسؤوليات لا يزيد قدرة الحلف على التدخل، بل يؤدي إلى تفاقم أزماته الداخلية.

وربما يكون الإرث الأبرز الذي خلفته الحرب ضد إيران بالنسبة للناتو هو هذا الواقع: تحالف لم يعد يعرف ما هي مهمته.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى