​فصائل تتمسك بسلاحها ورئيس وزراء يفاوض في أمريكا: المشهد العراقي إلى أين؟

يعود العراق مجدداً إلى قلب المواجهة الإقليمية، لكن هذه المرة في ظل حكومة جعلت من حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز تعهداتها.

ميدل ايست نيوز: مع عودة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود العراق مجدداً إلى قلب المواجهة الإقليمية، لكن هذه المرة في ظل حكومة جعلت من حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز تعهداتها، وبينما تتجه الأنظار إلى زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، يثير التصعيد الأخير تساؤلات بشأن مصير هذا المسار، وقدرة بغداد على مواصلة تنفيذ التزاماتها وسط ضغوط متزايدة من الداخل والخارج.

وعاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة خلال اليومين الماضيين، بعد انهيار الهدنة التي كانت قد أُعلنت في حزيران الماضي، إذ نفذت القوات الأمريكية جولة جديدة من الضربات استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية، قالت إنها جاءت رداً على هجمات إيرانية استهدفت الملاحة في مضيق هرمز، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مواقع وقواعد، تعدها إيران، أمريكية في عدد من دول الخليج، بالتزامن مع إعلانها إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة “حتى إشعار آخر”، في أخطر تصعيد تشهده المنطقة منذ أسابيع، وسط تحذيرات من أن يؤدي تجدد المواجهة إلى نسف مسار المفاوضات وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.

مرحلة حرجة

ويقول رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل إن “عودة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ستلقي بظلالها على العراق، لأن أي تراجع في فرص التهدئة الإقليمية سيزيد الضغوط على الحكومة في المضي بملف حصر السلاح، ويمنح التيارات الأكثر تشدداً داخل محور إيران مساحة أوسع لرفع سقف مواقفها”.

ويضيف، أن “العراق يمر بمرحلة دقيقة تتطلب تحييد نفسه عن الصراع الإقليمي، وعدم السماح بتحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات، لأن استقرار البلاد يرتبط بقدرة الدولة على فرض قرارها الأمني وحصر السلاح بيدها، إلى جانب استمرار سياسة الانفتاح المتوازن مع مختلف الأطراف بعيداً عن سياسة المحاور”.

ويوضح فيصل، أن “التصعيد الحالي يختلف عن الجولات السابقة، في ظل هيمنة التيار المتشدد داخل الحرس الثوري على القرار الإيراني، وتراجع نفوذ الأصوات الداعية إلى التفاوض”، معتبراً أن هذا “التحول يقلص فرص العودة السريعة إلى المسار الدبلوماسي، ويزيد احتمالات استمرار المواجهة والتوتر في المنطقة خلال المرحلة المقبلة”.

رسائل الفصائل

وبعثت الفصائل المسلحة برسائل معاكسة لمسار الحكومة، بعدما جددت ما تعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” تمسكها بسلاحها، مؤكدة أنها لن تتخلى عنه ولن تجعله محل مساومة، مع إعلانها الاستمرار في تطوير قدراتها العسكرية ورفع مستوى الجاهزية، في موقف اعتبره مراقبون تحدياً مباشراً لجهود الحكومة الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، قبل أشهر من انتهاء المهلة الزمنية التي حددتها بغداد لمعالجة هذا الملف.

ولم يقتصر موقف الفصائل على رفض تسليم السلاح، بل حمل البيان رسائل سياسية واضحة، إذ شدد على التمسك بما وصفه بـ”نهج المقاومة”، وربط سلاح الفصائل بالبعد العقائدي، في وقت يرى فيه متابعون أن توقيت البيان، الذي جاء بالتزامن مع عودة التوتر بين واشنطن وطهران وقبيل زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، يؤشر محاولة لإظهار أن ملف السلاح ما يزال خارج دائرة التوافق، وأن بعض الفصائل لا تنوي الانخراط في المسار الذي تتبناه الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة.

مناورة الزيدي

بدوره، يعتبر الخبير الأمني عبدالغني الغضبان، أن “زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة تمثل محطة مهمة في مسار العلاقة بين بغداد وواشنطن، إذ يمتلك رئيس الوزراء مساحة للمناورة استناداً إلى الجدول الزمني الذي أبلغ به الجانب الأمريكي، والقاضي باستكمال إجراءات حصر السلاح مع انتهاء مهمة القوات الأمريكية في إقليم كردستان نهاية شهر أيلول المقبل”.

ويجد، أن “التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة دخول الفصائل العراقية على خط المواجهة، لأن غالبية هذه الفصائل لا ترغب في الانخراط بحرب جديدة، لاسيما أنها سبق أن قدمت تعهدات بالسير في مسار تسليم السلاح للدولة، باستثناء أطراف ما زالت تتخذ موقفاً مختلفاً”.

مأزق الأسلحة الثقيلة

ويحذر الغضبان من أن “أي مشاركة عسكرية مباشرة ستضع تلك الفصائل أمام تحديات كبيرة، لأنها ستضطر إلى استخدام أسلحة نوعية، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في وقت أعلنت فيه سابقاً أنها لا تمتلك هذه الأسلحة، وأن ما كان بحوزتها من أسلحة ثقيلة جرى تسليمه إلى الحكومة، رغم وجود قناعة لدى بغداد وواشنطن بأن جزءاً من هذه القدرات لا يزال خارج إطار سيطرة الدولة”.

يأتي ذلك في وقت تشير فيه تقديرات سياسية إلى أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثراً بأي انهيار جديد في مسار التهدئة بين واشنطن وطهران، بحكم تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية، وارتباط عدد من الملفات الداخلية بالاستقرار الإقليمي، ما يضع بغداد أمام تحدي منع انتقال المواجهة إلى ساحتها.

وتشير تقارير إلى أن بغداد تتحرك حالياً على أكثر من مسار بالتوازي، فمن جهة تكثف اتصالاتها لتجنيب البلاد تداعيات أي مواجهة إقليمية، ومن جهة أخرى تواصل تنفيذ برنامجها الداخلي، وسط رهانات على أن يؤدي الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي إلى تقليل تأثير التطورات الخارجية على المشهد العراقي.

زيارة مهمة

إلى ذلك، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية عصام الفيلي إن “زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة بدأت تحقق نتائجها السياسية حتى قبل انعقادها، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الرسائل الإيجابية الصادرة عن الإدارة الأمريكية، التي تعكس رغبة في دعم الحكومة العراقية خلال هذه المرحلة”.

ويضيف، أن “الإدارة الأمريكية تراقب هذه الإجراءات باعتبارها مؤشرات على وجود إرادة حقيقية للإصلاح، ولذلك فإن استمرار الحكومة في هذا المسار يعزز فرص حصولها على مزيد من الدعم السياسي والاقتصادي، ولا سيما في الملفات المالية التي تمثل أولوية لبغداد خلال المرحلة الحالية”.

تحولات تدريجية

ويبين الفيلي، أن “العراق يشهد تحولات تدريجية باتجاه ترسيخ استقلالية قراره الوطني، من خلال ضبط حركة الأموال، وتشديد الرقابة على المنافذ المالية، والحد من عمليات التهريب، وهي خطوات تتقاطع مع رؤية الحكومة لإعادة تنظيم الاقتصاد وتعزيز سلطة الدولة، فضلاً عن تقليص تأثير شبكات المصالح التي استفادت خلال السنوات الماضية من غياب الرقابة وضعف المؤسسات”.

ومن المقرر أن يتوجه رئيس الوزراء علي الزيدي، على رأس وفد حكومي واقتصادي إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم غد الاثنين، للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل ظروف إقليمية حساسة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى