الصحافة الإيرانية: زيارة الزيدي إلى طهران.. أجندة تتجاوز العلاقات الثنائية

لا يمكن النظر إلى الزيارة العراقية إلى طهران باعتبارها مجرد محطة في إطار العلاقات الثنائية بين دولتين جارتين، بل تمثل أول اختبار عملي للحكومة الجديدة في أداء الدور الذي رسمته لنفسها في المعادلات الإقليمية.

ميدل ايست نيوز: تتجاوز زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران، في الظرف الراهن، كونها مجرد لقاء ثنائي بين دولتين جارتين، إذ تأتي في خضم الحرب التي فُرضت على إيران وما أحدثته من تغييرات في المعادلات الأمنية في غرب آسيا، ما يضع العراق أمام ضرورة الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع كل من طهران وواشنطن، مع إعطاء أولوية خاصة لتأمين حدوده المشتركة مع إيران باعتبارها أحد أبرز هواجس جاره الشرقي.

تقول وكالة إرنا الرسمية في تقرير لها، إنه بحسب البرامج المعلنة وما أكده المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، بأن طهران ستستضيف، الخميس، رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في زيارة تعد من أبرز اللقاءات بين مسؤولي البلدين، في ظل مجموعة من العوامل التاريخية والظرفية التي تضفي عليها أهمية خاصة. فقد أثرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في عدد كبير من معادلات الأمن في غرب وجنوب آسيا، ولم تكن العلاقات بين طهران وبغداد بمنأى عن هذه التداعيات.

وتشكل أوضاع مضيق هرمز، والعلاقات الإيرانية مع الدول العربية في المنطقة، ومستقبل الأمن في الخليج، ومحاولات واشنطن إحداث شرخ في العلاقات بين إيران والعراق، إضافة إلى التهديدات الأمنية التي تواجهها إيران على حدودها مع إقليم كردستان العراق، أبرز الملفات التي تأثرت بالحرب وتؤثر في الوقت ذاته في العلاقات الثنائية، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية والتاريخية التي تجمع البلدين، وهو ما يمنح زيارة الزيدي إلى إيران بعداً خاصاً.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام عراقية، من المقرر أن يلتقي الزيدي خلال زيارته الرئيس الإيراني ووزير الخارجية وعدداً من كبار المسؤولين، لبحث العلاقات الثنائية. كما تتضمن الزيارة توقيع عدة مذكرات تفاهم في مجالات تعاون مختلفة، وتأتي بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن وقبل جولة تشمل عدداً من عواصم المنطقة.

طهران وبغداد… علاقات لم تغيّرها الحرب

تُعد العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق، بحكم الجوار الجغرافي والتقارب التاريخي والأيديولوجي، إضافة إلى التعاون السياسي والاقتصادي، من أعمق وأوسع العلاقات التي تربط إيران بأي من جيرانها في غرب آسيا.

وبحسب رئيس غرفة التجارة الإيرانية العراقية المشتركة يحيى آل إسحاق، يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين طهران وبغداد، وفق الإحصاءات الرسمية، نحو 12 مليار دولار، بينما ترفع بعض التقديرات، مع احتساب المبادلات غير الرسمية والتجارة الحدودية، هذا الرقم إلى نحو 14 مليار دولار. ويرى أن وتيرة التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري المتصاعدة بين البلدين تتيح إمكانية رفع حجم التبادل إلى نحو 25 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

ووفق بيانات وزارة الصناعة والتجارة الإيرانية، جاء العراق في عام 2026 ثاني أكبر وجهة للصادرات الإيرانية بعد الصين، والأولى للصادرات غير النفطية. ويستحوذ قطاع الطاقة على جزء كبير من العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ تعد إيران من أبرز مصدري الغاز والكهرباء إلى العراق، كما يتعاون الجانبان بشكل وثيق في مجالات الخدمات الفنية والهندسية، والسكك الحديدية، والنقل والترانزيت.

وأدت الروابط الدينية المشتركة بين البلدين إلى عبور آلاف الزوار سنوياً عبر الحدود الإيرانية العراقية للمشاركة في الزيارات الدينية، ما يجعل مدينتي كربلاء والنجف مسرحاً لأحد أكبر التجمعات الدينية في العالم. كما أسهم هذا التقارب الديني في تنظيم واحدة من أكبر مراسم تشييع شعب دولة لزعيم دولة أخرى.

الأمن… أبرز تحديات العلاقات بين طهران وبغداد

ورغم ما تتسم به العلاقات بين طهران وبغداد من تقارب استراتيجي وروابط صداقة وحسن جوار، فإنها تواجه في الوقت ذاته تحديات عدة، يتصدرها الملف الأمني، وهو أمر لا يبدو مستغرباً في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني كثرة الأزمات وندرة الاستقرار.

ورغم أن التهديدات الأمنية كانت تشكل هاجساً مشتركاً للبلدين منذ سنوات، فإن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، واستخدام أراضي بعض الدول المجاورة لشن هجمات ضد إيران، زادا من حساسية طهران تجاه أمن حدودها البرية والجوية في غرب البلاد، كما رفعا مستوى مطالبها من العراق في هذا المجال.

ويعد العراق من الدول القليلة التي تربطها علاقات استراتيجية مع إيران، وفي الوقت نفسه تعاون أمني مع الولايات المتحدة. كما يحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران بوصفها دولة ذات أغلبية شيعية، ومع دول مجلس التعاون الخليجي بوصفه جزءاً من العالم العربي، وهو ما يمنحه مؤهلات للعب دور الوسيط في القضايا الإقليمية.

وشملت أبرز بنود مذكرة التفاهم الأمنية بين البلدين التزام بغداد بعدم السماح لأي جماعة أو فرد أو منظمة باستخدام الأراضي العراقية لتهديد الأمن القومي الإيراني، ونزع سلاح الجماعات المسلحة المعارضة لإيران، ولا سيما المتمركزة في إقليم كردستان العراق، وإغلاق معسكراتها وإنهاء أنشطتها العسكرية، إضافة إلى نشر القوات الرسمية العراقية بدلاً من تلك الجماعات على الشريط الحدودي لتعزيز سيطرة الحكومة المركزية على الحدود، وتكثيف التعاون الاستخباراتي والأمني لمواجهة تسلل المسلحين وتهريب الأسلحة والتحركات الإرهابية، فضلاً عن احترام سيادة البلدين ووحدة أراضيهما.

وتتمثل أولوية إيران في تعزيز علاقاتها مع العراق، الذي يرى في عهد الزيدي أنه بحاجة إلى اتباع سياسة أكثر حياداً، في ترسيخ قناعة مفادها أن انعدام الأمن على حدود أي دولة في المنطقة لن يبقى محصوراً داخلها. وأظهرت تجربة الأشهر الستة الماضية أن أي حرب ضد إيران تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد، وأمن إمدادات الطاقة، واستقرار المنطقة والعالم عموماً، والعراق على وجه الخصوص.

وتدرك طهران سعي الحكومة العراقية الجديدة إلى حماية مصالحها الوطنية وتحديد موقع العراق في النظام الأمني الإقليمي الآخذ في التشكل. وفي هذا السياق، يُنظر إلى اختيار واشنطن كأول محطة خارجية لرئيس الوزراء العراقي، وإلى جهود بغداد لتوسيع علاقاتها مع الولايات المتحدة، باعتبارهما جزءاً من هذه المقاربة، غير أن طهران تتوقع ألا تؤثر هذه السياسة، تحت وطأة الضغوط الخارجية، في مبادئ حسن الجوار والروابط التاريخية والثقافية والمصالح المشتركة بين البلدين.

وانطلاقاً من ذلك، لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران باعتبارها مجرد محطة في إطار العلاقات الثنائية بين دولتين جارتين، بل تمثل أول اختبار عملي للحكومة العراقية الجديدة في أداء الدور الذي رسمته لنفسها في المعادلات الإقليمية، والقائم على ثلاثة محاور رئيسية هي: الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع إيران، وتطوير التعاون مع الولايات المتحدة، والقيام بدور حلقة الوصل في الحوارات الإقليمية.

ولا يقتصر نجاح هذا النهج على مستقبل العلاقات بين طهران وبغداد، بل قد يسهم أيضاً في رسم ملامح ترتيبات أمنية جديدة في الخليج وغرب آسيا، وهي ترتيبات أصبحت، بعد الحرب الأخيرة، أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على الحوار والتعاون والشراكة بين دول المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى