الصحافة الإيرانية: هل تشكل “اتفاقية مكة” تهديدًا جديدًا للأمن القومي الإيراني؟
ينبغي اعتبار توقيع اتفاقية أمنية بين السعودية وباكستان وتركيا ذروةً لبعض المسارات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ميدل ايست نيوز: ينبغي اعتبار توقيع اتفاقية أمنية بين السعودية وباكستان وتركيا ذروةً لبعض المسارات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا لـ«البيان المشترك» الصادر عقب توقيع الاتفاقية في مكة، فإن «أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء يجب أن يُعتبر هجومًا على الأعضاء الثلاثة». وتحدث البيان عن «تعزيز الردع الجماعي في مواجهة العدوان» و«تعزيز التعاون الدفاعي». لكن هذه هي أهداف الاتفاقية، ونظرًا إلى أن نصها لم يُنشر بعد، فلا تتوافر معلومات حول تفاصيل التزامات الأعضاء. وفي المقابل، توضح، على سبيل المثال، وثائق حلف شمال الأطلسي مهام الحلف السياسية، والقيادة المشتركة، والقوات الدائمة، والعقيدة الدفاعية المشتركة وغيرها.
يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت اتفاقية مكة ستتضمن أيضًا آليات مماثلة للرد العسكري، والجدول الزمني للتدخل، وتسلسل القيادة، وهيئة الأركان العملياتية المشتركة وغيرها. ورغم أن هذه المسائل لم تُحسم بعد، فإنه لا ينبغي على الأقل التشكيك في دور الاتفاقية في مجالي الدبلوماسية والردع.
وينبغي النظر إلى هذه الاتفاقية باعتبارها امتدادًا لمسار بدأ مع «اتفاقية الدفاع المتبادل السعودية-الباكستانية» في 25 سبتمبر 2025. وفي إطار هذه الاتفاقية، اتُخذت حتى الآن إجراءات عدة، أُعلن عن أحدها، وهو نشر نحو 8 آلاف جندي باكستاني، إلى جانب سرب من مقاتلات JF-17، في السعودية.
وبحسب تقارير إخبارية، بدأ مسار انضمام تركيا باقتراح قدمته أنقرة للانضمام إلى تلك الاتفاقية في يناير 2026. ولا شك في أن تركيا وباكستان تنظران إلى القدرات الاقتصادية للسعودية، إلى جانب امتلاك كل واحدة من الدول الثلاث أولوياتها الخاصة. فتركيا تركز إلى حد ما على إسرائيل، بينما تركز باكستان على الهند.
وقد انقطعت العلاقات العسكرية والاستخباراتية الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل تقريبًا خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، بعد حادثة سفينة مرمرة عام 2010، ثم أصبحت العلاقات بينهما عدائية في أعقاب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. إلا أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لا تزال قائمة، كما أن الاتصالات العسكرية والاستخباراتية بينهما لم تنقطع بشكل كامل.
وخلال السنوات الأخيرة، جرى الحديث عن تركيا باعتبارها دولة تمتلك صناعة عسكرية متقدمة، وتوفر الطائرات المسيرة والأنظمة البحرية والتقنيات العسكرية المتطورة، فضلًا عن تسجيلها أعلى معدلات النمو في مجال مبيعات المعدات العسكرية. أما باكستان، فتبرز في مجال القوى البشرية العسكرية وكذلك في القدرات النووية.
وإلى جانب امتلاك السعودية قاعدة مالية قوية وموقع جيوسياسي مهم على سواحل الخليج والبحر الأحمر، فإنها سعت من خلال عقد مراسم توقيع الاتفاقية في مكة إلى التذكير بمكانتها في العالم الإسلامي أيضًا.
ولا شك في أن الأولوية بالنسبة إلى اتفاقية مكة تتمثل في دعم تركيا وباكستان للسعودية. فلا يُتوقع أن تتدخل السعودية لمساعدة باكستان في حال تعرضها لهجوم من الهند، كما أن تركيا، باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، لن تحتاج في حال تعرضها لهجوم إلى دعم باكستان والسعودية.
أما بشأن إمكانية توسيع الاتفاقية، فقد قال وزير الخارجية التركي إن دولًا أخرى يمكنها الانضمام إليها. والسؤال هنا هو ما إذا كانت مصر والأردن ودول الخليج الأخرى ستنضم إليها أم لا.
وقد يشير تشكيل هذه الاتفاقية إلى إحباط الرياض من عدم قدرة الولايات المتحدة على توفير أمنها، وإلى رغبة السعوديين في تنويع علاقاتهم الأمنية. لكن بالنظر إلى اعتماد السعودية الواسع والعميق على الأسلحة الأمريكية، واعتمادها على الولايات المتحدة في مجالات المعلومات الاستخباراتية السرية والدفاع الجوي وغيرها، فمن المستبعد أن يؤدي تشكيل هذا التكتل الجديد إلى دفع الرياض نحو الابتعاد عن واشنطن.
والأرجح أن هدف الرياض يتمثل في إضافة طبقة دفاعية إلى جانب الطبقة القائمة التي توفرها الولايات المتحدة. وقد تتمتع هذه الطبقة الثانية بميزة على الأولى، لكونها قادرة على توفير جنود على الأرض للدفاع عن السعودية.
ويمكن للاتفاقية الجديدة أن تدفع المنطقة نحو إنشاء هيكل أمني إقليمي وتقليل الاعتماد على قوة عالمية واحدة. كما يحتمل أن يتم تنظيم طبيعة المشاركة الأمريكية في هذه الاتفاقية وفق نموذج حلف بغداد «سنتو»، بحيث لا تكون الولايات المتحدة عضوًا رسميًا فيه، لكنها ترتبط به بتعاون أمني وثيق.
وينبغي الانتباه إلى أن تركيا وباكستان أظهرتا خلال العام أو العامين الماضيين اهتمامًا خاصًا بتطوير العلاقات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا. كما أن تقاسم أعباء الدفاع يمثل مسألة كانت الولايات المتحدة توليها اهتمامًا دائمًا.
ولا شك في أن مخاوف السعودية تنبع بشكل أساسي من إيران والجماعات المتحالفة معها. ويبدو أن أولويات السعودية تحظى حاليًا باهتمام أساسي، وأن هدف الاتفاقية يتمثل في التركيز على هذه الأولويات.
لكن الاتفاقية الجديدة وُصفت رسميًا بأنها دفاعية، كما أن عبارتي «هجوم مسلح على أحد الأعضاء» و«الردع الجماعي» الواردتين في بيان مكة تؤكدان أيضًا طبيعتها الدفاعية. وعلى هذا الأساس، نُفي أن تكون الاتفاقية موجهة ضد دولة بعينها.
لكن لا شك في أن إيران، بالنظر إلى طبيعة ومستوى علاقاتها مع السعودية، هي أهم دولة يتعين عليها دراسة تداعيات هذه الاتفاقية.
كما أن توقيت إبرام الاتفاقية مهم. فقبل وقف إطلاق النار في 8 أبريل، كانت السعودية تتهم إيران بشن هجمات على أراضيها، وبعد ذلك اتهمت أيضًا الحشد الشعبي والحوثيين بشن هجمات على السعودية، كما نفذت مؤخرًا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، هجومًا على مواقع في العراق.
ويرى البعض أيضًا أن هذه الاتفاقية مرتبطة بالتهديدات الإيرانية باستهداف البنية التحتية للدول العربية في حال تعرض البنية التحتية الإيرانية لهجوم أمريكي.
ولهذه الاتفاقيات، إلى جانب تأثيرها السياسي والإعلامي والنفسي، القدرة أيضًا على استقطاب أعضاء جدد والتحرك نحو إنشاء هيكل أمني جديد في المنطقة، وهو ما قد يتعارض مع مصالح الأمن القومي الإيراني.
ورغم أن وزير الخارجية التركي رفض، ردًا على وصف الاتفاقية بأنها «جبهة سنية موحدة»، الطابع الطائفي لهذا التكتل، فإن ترسخ هذا التصور في الأوساط العامة قد تكون له تداعيات سلبية.
والسؤال المهم الآن هو ما إذا كانت مثل هذه الاتفاقية ستؤدي إلى زيادة مخاطر اتساع نطاق الحرب، وبالتالي تزيد فرص اللجوء إلى الدبلوماسية، أم أنها ستؤدي إلى العكس.
اقرأ ايضا
صحيفة إيرانية تهاجم باكستان عقب “اتفاقية مكة”: ليست جديرة بالوساطة



