بزشكيان في قمة شنغهاي.. طهران تدفع باتجاه التعاون الإقليمي وتوسيع الشراكات الآسيوية

كثّف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لقاءاته مع قادة دول المنطقة وآسيا على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك.

ميدل إيست نيوز: كثّف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لقاءاته مع قادة دول المنطقة وآسيا على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك، في تحرك دبلوماسي ركّز على مسارين متوازيين: الدفع باتجاه الحوار والسلام ومنع اتساع نطاق الصراع، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستراتيجي بين إيران وشركائها الإقليميين.

وفي لقاءاته مع رؤساء أذربيجان وقرغيزستان ورئيسي وزراء الهند وباكستان، شدد بزشكيان على أن أمن المنطقة ينبغي أن يتحقق من خلال تعاون دولها وقدراتها الذاتية، بعيداً عن التدخل الخارجي، بالتوازي مع تأكيد استعداد طهران لتطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية وفتح مجالات جديدة للتعاون.

أذربيجان.. التعاون الإقليمي طريق السلام والاستقرار

وخلال لقائه نظيره الأذربيجاني إلهام علييف، أكد بزشكيان أن تعاون دول المنطقة وتقاربها يمثلان الطريق إلى تحقيق السلام والاستقرار المستدامين.

وبحث الرئيسان مستجدات العلاقات الثنائية وسبل تطويرها وتعميقها، فيما أعرب بزشكيان عن تقديره للمواقف الإيجابية والتعاون الذي أبدته باكو مع طهران خلال “حرب رمضان”، معتبراً أن المواقف المتضامنة والنهج البنّاء الذي تتبعه دول المنطقة في الظروف الصعبة يؤكد أهمية التضامن والتعاون بين شعوبها.

وأكد الرئيس الإيراني استعداد بلاده لتطوير التعاون مع أذربيجان في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية، مشيراً إلى وجود إمكانات واسعة بين البلدين ينبغي توظيفها بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين.

وفي البعد الإقليمي، قال بزشكيان إن الأمن والاستقرار المستدامين يمكن تحقيقهما عبر الحوار والتعاون بين دول المنطقة والاعتماد على القدرات المحلية والإقليمية، مؤكداً ترحيب طهران بتوسيع التعاون الإقليمي في هذا الاتجاه.

كما تطرق إلى الضغوط والعقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على إيران، مؤكداً أن الشعب الإيراني سيواصل مواجهة الضغوط الخارجية بالاعتماد على إمكاناته الداخلية ودعم التعاون الإقليمي، ولن يسمح بأن تخضع إرادة الشعوب لضغوط القوى الكبرى.

من جانبه، أكد علييف دعم بلاده وتضامنها مع الشعب الإيراني، مشدداً على أهمية الحفاظ على الصداقة والتعاون بين البلدين وترسيخهما.

وقال إن أذربيجان لطالما أولت علاقاتها مع إيران أهمية خاصة، وتعمل على تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة، معلناً استعداد باكو لتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي وتهيئة مجالات جديدة للتفاعل بين البلدين.

واتفق الجانبان على مواصلة المشاورات والحوار البنّاء وتعزيز التعاون الثنائي والاستفادة من الإمكانات المتاحة لتوسيع العلاقات بين طهران وباكو.

الهند.. بزشكيان يدعو مودي إلى دعم مسار السلام

وفي لقائه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، أكد بزشكيان أن إيران والهند تتمتعان بإمكانات واسعة لتطوير التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والثقافي، معتبراً أن تعزيز التعاون الثنائي وتحييد آثار العقوبات يمكن أن يرتقيا بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة.

وأعرب الرئيس الإيراني عن تقديره لمواكبة نيودلهي وتعاونها مع طهران خلال ظروف الحرب الأخيرة، مؤكداً ضرورة تعزيز الجهود الدبلوماسية لإرساء السلام والأمن في المنطقة.

وقال إن سياسة حكومته منذ بدايتها قامت على تحقيق السلام والأمن وتسوية القضايا عبر الحوار والتفاوض، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة اختارت، بدلاً من الاستفادة من الآليات الدبلوماسية، “طريق الحرب وانعدام الأمن وفرض إرادتها بالقوة”.

وشدد بزشكيان على أن إيران لا ترحب بالحرب، مؤكداً أن مسؤولية حكومته تتمثل في إبعاد الشعب عن الخطر وانعدام الأمن وتهيئة الظروف لتحقيق السلام والطمأنينة والأمن.

وفيما يتعلق بالاتفاقات السابقة، أكد أن إيران التزمت بتعهداتها، في حين لم يفِ الجانب الأميركي بالتزاماته، لكنه قال إن طهران ما زالت تسعى إلى تحقيق الاتفاق والتفاهم، لأن استمرار الحرب ليس في مصلحة إيران أو المنطقة ولا يخدم مصالح البشرية.

ودعا بزشكيان مودي إلى استخدام اتصالاته مع مختلف الأطراف للمساعدة في إعادة المنطقة من مسار الحرب وسفك الدماء إلى مسار الحوار والاتفاق.

بدوره، قال مودي إنه يرى في بزشكيان “شخصاً محباً للسلام”، معتبراً أن بإمكانه أداء دور مؤثر في مسار تحقيق السلام، ومؤكداً ثقته بأن جهود الرئيس الإيراني ستفضي في النهاية إلى نتائج إيجابية.

واتفق رئيس الوزراء الهندي مع بزشكيان على أن هناك تيارات ترى مصالحها في استمرار الحرب، لكنه شدد على ضرورة مضاعفة الجهود من أجل إرساء السلام، معرباً عن قناعته بأن السلام والأمن سينتصران في نهاية المطاف.

كما استحضر مودي عمق العلاقات التاريخية والحضارية بين إيران والهند، معتبراً أن الإرث الثقافي المشترك يمكن أن يشكل ركيزة لتوسيع التعاون في مختلف القطاعات.

وعلى المستوى العملي، ناقش الجانبان التعاون في مجالات النقل والملاحة البحرية والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز، إضافة إلى مسار التعاون في ميناء جابهار، مؤكدين أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون الاستراتيجي.

باكستان.. طهران مستعدة لتنفيذ الاتفاق بشروط

وفي لقائه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أكد بزشكيان استعداد إيران لتنفيذ الاتفاق الأخير، شرط التزام الطرف المقابل بتعهداته وتنفيذها.

وأشاد الرئيس الإيراني بالدور الذي أدته إسلام آباد في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق، معرباً عن تقديره للتحرك الباكستاني البنّاء، وكذلك لمشاركة شريف والوفد الباكستاني في مراسم تكريم جثامين الضحايا الذين سقطوا مؤخراً في إيران.

وأكد بزشكيان أن تحقيق السلام والأمن المستدامين في المنطقة لن يكون ممكناً إلا عبر تعاون دولها وتضامنها ومن دون تدخل الأجانب.

وشدد على ضرورة إبعاد شعوب المنطقة، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو القومية، عن الحروب والعنف والنزاعات، مؤكداً أن الدول الإسلامية تمتلك الإمكانات اللازمة لتسوية خلافاتها وقضاياها الداخلية عبر الحوار والتعاون.

ورحب الرئيس الإيراني بـ”اتفاق مكة”، معتبراً أن التحرك المشترك لباكستان والسعودية وتركيا يمثل خطوة باتجاه تعزيز وحدة العالم الإسلامي، داعياً بقية دول المنطقة والدول الإسلامية إلى الانضمام إلى هذا المسار وتوسيع التعاون ليشمل المجالات الدفاعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

من جانبه، وصف شهباز شريف إيران وباكستان بأنهما “بلدان شقيقان”، مؤكداً أن من واجبهما العمل من أجل السلام والرفاه والسعادة لشعبيهما ولشعوب المنطقة.

وأشار إلى تزايد الزيارات المتبادلة والتنسيق بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، معتبراً أن هذا التعاون أسفر عن نتائج إيجابية.

وفي ظل التوترات الإقليمية، قال شريف إن حالة الاضطراب وانعدام الأمن لا تثير مخاوف شعوب المنطقة فحسب، بل ملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، داعياً دول المنطقة إلى تعزيز التعاون والتنسيق لإنهاء الوضع القائم.

وأكد أن “اتفاق مكة” ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف أي دولة، وأن هدفه يتمثل في إرساء السلام والأمن وحماية مصالح دول المنطقة.

كما أيد شريف موقف بزشكيان بشأن ضرورة تعزيز وحدة الدول الإسلامية، مشيراً إلى ما وصفه بالدعم الذي يحظى به الموقف الإيراني لدى الرأي العام العالمي، ومعرباً عن أمله في أن يؤدي الحوار وتنفيذ الاتفاق إلى تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

قرغيزستان.. شراكة اقتصادية تمتد من النفط إلى موانئ الخليج

أما في لقائه الرئيس القرغيزي صدير جباروف، فقد اتسعت أجندة المباحثات لتشمل طيفاً واسعاً من الملفات الاقتصادية والتجارية والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والزراعة والدفاع والسياحة والثقافة والرياضة.

وأكد بزشكيان عزم إيران على تطوير وتعميق العلاقات الثنائية، مشيداً بالمواقف التي اتخذتها قرغيزستان خلال الحرب الأخيرة وإدانتها ما وصفه بالعدوان الخارجي على الأراضي الإيرانية.

كما ثمّن حضور رئيس البرلمان القرغيزي مراسم تكريم جثمان القائد الشهيد للثورة الإسلامية، معتبراً ذلك تعبيراً عن التضامن والتعاطف بين الشعبين.

وأشار الرئيس الإيراني إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بأكثر من 30 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، لكنه أكد أن هذا المستوى لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة.

وفي هذا السياق، رأى بزشكيان أن التنفيذ الكامل لاتفاقية التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي وإزالة العقبات القائمة يمكن أن يمهدا لزيادة كبيرة في حجم التجارة بين البلدين.

وفي قطاع الطاقة، أبدى الرئيس الإيراني موافقته المبدئية على مقترح قرغيزستان إنشاء مصفاة مشتركة، موضحاً أن إيران يمكن أن توفر النفط الخام اللازم للمصفاة، على أن يجري تقاسم المنتجات النفطية الناتجة بين الجانبين.

ويبرز النقل والخدمات اللوجستية كأحد أهم محاور التعاون المقترحة، إذ أكد بزشكيان قدرة إيران على توفير مسار مناسب لنقل البضائع القرغيزية بحراً إلى دول الخليج الفارسي وشبه القارة الهندية وشرق آسيا.

واقترح في هذا الإطار إنشاء مركز لوجستي تابع لقرغيزستان في بندر عباس، بما يعزز التجارة والترانزيت ويتيح لبيشكيك والدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الاستفادة بصورة أكبر من إمكانات النقل الإيرانية والوصول إلى المياه الدولية.

كما دعا إلى تسريع تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها في مجالي الزراعة وتربية المواشي، مؤكداً استعداد إيران لتوظيف إمكانات شركاتها الفنية والهندسية في قرغيزستان.

وفي المقابل، طلب من الحكومة القرغيزية المساعدة في إزالة العقبات المصرفية التي تواجه بعض الشركات الإيرانية العاملة في البلاد.

وفي الجانب الأمني، أشار بزشكيان إلى تنامي تبادل الوفود الدفاعية والعسكرية بين إيران وقرغيزستان، معتبراً ذلك مؤشراً على الثقة المتبادلة ورغبة البلدين في تطوير التعاون.

وأكد أن التعاون العسكري والدفاعي الإيراني مع الدول الأخرى “لم يكن ولن يكون موجهاً ضد دول المنطقة”، وإنما يأتي، بحسب قوله، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي.

ولم تقتصر مباحثات طهران وبيشكيك على الاقتصاد والأمن، إذ طرح بزشكيان توسيع العلاقات الشعبية من خلال إلغاء متبادل للتأشيرات.

وأشار إلى أن إيران ألغت خلال السنوات الثلاث الماضية تأشيرات الدخول للمواطنين القرغيز، معرباً عن أمله في اتخاذ بيشكيك خطوة مماثلة.

من جانبه، أكد جباروف أهمية تطوير العلاقات مع إيران، وأعرب عن تعازيه للشعب الإيراني بضحايا الحرب الأخيرة، مشيداً بالوحدة الوطنية الإيرانية.

كما أبدى استعداد بلاده لدراسة مقترح إلغاء التأشيرات السياحية، وأشار إلى مذكرة التعاون المشترك التي وقعها البلدان عام 2025 باعتبارها أرضية مناسبة لتعزيز العلاقات.

ورحب الرئيس القرغيزي بتطوير التعاون الاقتصادي وفي مجال الطاقة، داعياً الشركات الإيرانية ذات الخبرة في استكشاف النفط إلى توظيف قدراتها في قرغيزستان، كما أعلن استعداد بلاده لتوسيع التعاون الرياضي.

وبذلك، حملت لقاءات الرئيس الإيراني على هامش قمة شنغهاي رسالة مزدوجة: طهران تريد منع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة وآسيا، وتعزيز الاعتماد على القدرات الإقليمية في مواجهة الضغوط الخارجية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى