“إقصاء المنافس”… هل تنجح واشنطن في تضييق الخناق على إيران في العراق؟

أثار انضمام بغداد إلى الحملة الأمريكية لفرض حصار جوي على إيران، خلال الأيام الأخيرة، جدلاً واسعاً.

ميدل ايست نيوز: أثار انضمام بغداد إلى الحملة الأمريكية لفرض حصار جوي على إيران، خلال الأيام الأخيرة، جدلاً واسعاً. وعلى الرغم من الضجة الكبيرة التي أثارها هذا القرار في بغداد، فإنه لم يكن مفاجئاً أو بعيداً عن التوقعات. ففي العراق نفسه، اعترض المقربون من إيران على القرار، ومارسوا ضغوطاً على حكومة الزيدي للتراجع عنه. وفي غضون ذلك، تشير تقارير إلى احتمال إعادة فتح مطار النجف أمام الطائرات الإيرانية.

يقول الكاتب والصحفي الإيراني، صابر غل عنبري، إن العراق اليوم يحتل، أكثر من أي دولة أخرى، موقعاً محورياً في دائرة اهتمام الولايات المتحدة والسعودية وغيرهما من منافسي إيران. فالرياض لا تريد تكرار تجربة اليمن عند حدودها الشمالية. وفي المقابل، غيّرت واشنطن مسار استراتيجيتها تجاه العراق. فبعد أن سعت لأكثر من عقدين إلى إدارة المنافسة والتوتر مع طهران، تتبنى واشنطن الآن نهج «إقصاء المنافس». ويشكل تدخل ترامب المباشر في عملية اختيار رئيس الوزراء العراقي، ومعارضته العلنية لعودة نوري المالكي إلى السلطة، إلى جانب محاولات نزع سلاح الجماعات المسلحة القريبة من إيران، مؤشرات على هذه السياسة الجديدة.

بالتوازي مع ذلك، يحتل العراق، بعد الإمارات، موقعاً بالغ الأهمية في استراتيجية واشنطن لخنق إيران اقتصادياً، والتي تستهدف شركاءها التجاريين وجيرانها. ونظراً إلى موقعه الجيوستراتيجي في التوازنات الإقليمية، ولا سيما في المنافسة والصراع بين إيران والسعودية من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، يتمتع العراق بأهمية جيوسياسية خاصة. وقد ازدادت هذه الأهمية بشكل أكبر بعد الحروب الإقليمية التي خاضتها إسرائيل عقب 7 أكتوبر 2023.

وفي هذه المرحلة الحساسة من الحرب، يسعى كل طرف إلى استخدام أدوات نفوذه لإقصاء الطرف الآخر من العراق. كما أن أدوات الطرفين تختلف في معظمها. وتعتمد إيران بشكل أساسي على «الحشد الشعبي»، الذي يُعد أكثر التشكيلات العسكرية والسياسية والأمنية تنظيماً في العراق، فضلاً عن سعيها إلى توظيف علاقاتها الوثيقة مع التيارات والأحزاب والشخصيات السياسية العراقية. أما أدوات الضغط الأمريكية، خلافاً للاعتقاد السائد، فلا تقتصر بالضرورة على الوسائل العسكرية والقوة الصلبة، إذ لو كان النفوذ الأمريكي يعتمد فقط على الوجود العسكري، لفقدت واشنطن هذه الأداة مع انسحاب القوات الأمريكية. ويعتمد نفوذ واشنطن بدرجة أكبر على «القوة الناعمة»، من جهة على مكانة الولايات المتحدة السياسية والعسكرية والاقتصادية في النظام الدولي، ومن جهة أخرى على نفوذها داخل دوائر السلطة في العراق.

إلى جانب ذلك، هناك عاملان آخران يكملان نفوذ الولايات المتحدة في العراق. أولهما هيمنة واشنطن على شريان الاقتصاد العراقي. فمنذ عام 2003، تُودع عائدات النفط العراقية في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ولا يمكن سحب هذه الأموال أو إنفاقها عملياً من دون موافقة وتنسيق كاملين مع الحكومة الأمريكية. وحتى لو لم يكن للولايات المتحدة نفوذ داخل البنية السياسية العراقية، فإن هذه الأداة المالية وحدها كانت كافية للضغط على بغداد وإجبارها على الاستجابة لمطالب واشنطن. أما العامل الثاني، فيتمثل في بروز مجموعة من السياسيين في العراق خلال السنوات العشر الماضية ممن يتخذون مواقف متباعدة عن إيران، ولا يرغبون في تعريف بغداد باعتبارها مرتبطة بطهران أيديولوجياً وجيوسياسياً.

في الوقت نفسه، يظهر هذا التناقض بوضوح في المشهد السياسي العراقي، إذ يشكل «الإطار التنسيقي»، باعتباره الأغلبية البرلمانية، الحليف الرئيسي لإيران والركيزة الأساسية للحكومة. لكن نتيجة العوامل المذكورة، وصلت الأمور إلى حد بات فيه اختيار رئيس الوزراء خارج سيطرة هذه القوى عملياً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك وصول علي الزيدي إلى السلطة، وهو ما يُعزى إلى الضغوط التي مارسها ترامب لاستبعاد الخيار الذي كانت تفضله إيران. ونتيجة هذا الوضع المعقد هي أن آلية اتخاذ القرار داخل الحكومة في بغداد أصبحت، في القرارات الكبرى، تضع الاعتبارات الأمريكية في الحسبان أكثر من الاعتبارات الإيرانية. ولهذا تمكنت الولايات المتحدة من توجيه القرارات السيادية العراقية بما يتماشى مع سياساتها الإقليمية.

وهنا، إذا تمكنت الحكومة العراقية، من خلال مشاوراتها مع الولايات المتحدة، من استثناء مطار النجف من حملة الحصار الجوي على إيران، فلا ينبغي اعتبار ذلك مؤشراً على تحول كبير في موازين النفوذ. فهذا التوافق سيكون ناجماً بدرجة أكبر عن خشية واشنطن من أن يؤدي انعدام الأمن في العراق إلى إضعاف الحكومة المركزية وفتح المجال أمام الجماعات العسكرية المتحالفة مع إيران لتوسيع دورها، في وقت تراهن فيه واشنطن أكثر من أي وقت مضى على الحد من نفوذ طهران. ويشير ذلك إلى أن الولايات المتحدة تواجه هي الأخرى قيوداً في استخدام نفوذها إلى أقصى حد. في المقابل، فإن النفوذ الإيراني، الذي يعتمد بشكل أساسي على «الحشد الشعبي»، يواجه في الظروف الحالية قيوداً على استخدام دوره وأدواته الصلبة، إلا أن توظيف هذا الدور لن يكون مستبعداً إذا شهدت المنطقة مستقبلاً حالة واسعة من انعدام الأمن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى