12 ألف حاوية إيرانية عالقة في باكستان وسط أزمة التجارة الخارجية

تراجعت التجارة الخارجية الإيرانية 35%، وسط اختناقات في الممرات التجارية وارتفاع القيود الداخلية، فيما تكشف أزمة الحاويات والشاحنات عن هشاشة منظومة النقل والتجارة.

ميدل ايست نيوز: تراجع حجم التجارة الخارجية الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة بنحو 35%، وهو رقم أثر في الصادرات والواردات والترانزيت، وكشف عن تحديات عميقة يواجهها القطاع الخاص. وقد تكررت في الأوساط الإعلامية ادعاءات من قبيل «منذ بداية حرب الـ 40 يومًا، لا يزال ما لا يقل عن 3 آلاف حاوية إيرانية عالقة عند حدود كراتشي ولا يُسمح لها بالخروج»، و«سائقو الشاحنات الإيرانيون ينتظرون منذ أسابيع خلف معبر بازرغان الحدودي»، و«جورجيا أغلقت حدودها أمام السلع الإيرانية». تعكس هذه الادعاءات جزءًا من المشكلات الحقيقية التي يواجهها التجار، فيما يتضمن بعضها الآخر مبالغة أو رواية منقوصة

ولتوضيح التفاصيل، أجرت صحيفة اعتماد المحسوبة على حكومة بزشكيان مقابلة مع أمير روشن‌ بخش، نائب رئيس منظمة تنمية التجارة الإيرانية لشؤون تطوير الأعمال الدولية، والذي أكد أن الأولوية المطلقة في الظروف الراهنة هي الحفاظ على التجارة، وليس بالضرورة الحفاظ على أسواق بعينها.

ويقول إن إيران صدّرت في عام 2025 نحو 155 مليون طن بقيمة 52 مليار دولار، واستوردت 42 مليون طن بقيمة 58 مليار دولار. وبلغ متوسط قيمة كل طن من السلع المصدرة نحو 300 إلى 350 دولارًا، في حين تراوحت قيمة طن السلع المستوردة بين 1300 و1500 دولار. وهذا يعني أن إيران تصدّر في الغالب المواد الخام وشبه المصنعة، وتستورد السلع النهائية. وفي مثل هذه البنية، تصبح الممرات التجارية والخدمات اللوجستية مسألة حيوية. وقد كشف التركيز المفرط على مسار الخليج وغياب التوازن في إدارة المنظومة اللوجستية عن حجم نقاط الضعف بعد التوترات الأخيرة.

ومن بين النقاط الحرجة باكستان، ولا سيما ميناء كراتشي. ويوضح روشن‌ بخش أن كمية كبيرة من الشحنات التي كانت تتجه سابقًا إلى جبل علي، جرى تحويلها بشكل مفاجئ إلى الحدود الباكستانية، بما في ذلك كراتشي وغوادر وريمدان. وذلك في وقت لم تكن فيه إجراءات الترانزيت في باكستان محددة بوضوح، مع تطبيق صارم لقواعد «فترة السماح» (Free Time). وفي البداية أُعلن أن 3 آلاف حاوية عالقة، ثم ارتفعت الأرقام إلى 8 آلاف و12 ألفًا. لكن بعد دعوة المنظمة أصحاب الشحنات إلى التواصل معها، لم يتضح سوى وجود نحو 200 إلى 300 حاوية لها أصحاب محددون. وكانت كثير من الشحنات تُنقل عبر شركات وسيطة بهدف الالتفاف على العقوبات، فيما لم يكن أصحابها الأصليون على علم دقيق حتى بمسار النقل.

ويؤكد نائب رئيس منظمة تنمية التجارة الإيرانية لشؤون تطوير الأعمال الدولية أن باكستان لم تصادر هذه البضائع، وأن مفاوضات متعددة لا تزال مستمرة عبر المستشارين والوزراء وسفراء البلدين، كما عُقد مؤخرًا اجتماع مع وفد باكستاني رفيع المستوى. وتتمثل المشكلة الرئيسية في غياب تعريفات مشتركة لعمليات الترانزيت، إلى جانب الإجراءات غير المرنة التي تتبعها الشركات المرتبطة بالجيش الباكستاني.

وفي معبر بازرغان الحدودي مع تركيا، يسود وضع مشابه. فقبل التوترات، كان نحو 200 شاحنة تعبر يوميًا في الاتجاهين، وكانت تركيا تمتلك القدرة على استيعاب هذا العدد. أما الآن، فتريد إيران إرسال ما يصل إلى 1200 شاحنة يوميًا، لكن الجانب التركي لا يمتلك العدد الكافي من الموظفين أو البنية التحتية اللازمة، ما أدى إلى تشكل طابور يمتد لمسافة 18 كيلومترًا. وتقول تركيا إن هذا الوضع مؤقت، وإن إيران ستعود إلى المسار البحري بعد عودة الهدوء.

ويقول روشن‌ بخش إن أي معبر بري لم يُغلق بالكامل حتى الآن، وإن إحصاءات الجمارك تظهر استمرار تدفق التجارة عبر مسارات مختلفة. كما ينفي الأنباء عن إغلاق الحدود الجورجية، ويؤكد أن مثل هذه الادعاءات لا تتوافق مع البيانات الرسمية.

وفي مواجهة القيود، حاولت منظمة تنمية التجارة زيادة الطاقة الاستيعابية للمسارات البديلة. فبعد أن كان قطار الصين، الذي لم يكن يلقى إقبالًا في السابق، يعمل دون عدد كافٍ من العملاء، أصبح يصل الآن مرة كل 15 يومًا، مع وجود قائمة انتظار من الطلبات. ومع ذلك، يؤكد روشن‌ بخش أن الجدوى الاقتصادية الناتجة عن اقتصاديات الحجم في النقل البحري باستخدام السفن الكبيرة لا يمكن مقارنتها بالسكك الحديدية والطرق البرية. ولذلك، فإن الأولوية تكون للسلع ذات القيمة المضافة الأعلى، بحيث يكون تأثير قيود حركة النقل عليها أقل.

وفي مجال الواردات، تغيرت السياسات أيضًا. ففي الأيام الأولى للتوتر، جرى تحديد نحو 2100 بند تعريفة، ثم 2500، وأخيرًا 2800 بند باعتبارها سلعًا ضرورية، بهدف توجيه موارد النقد الأجنبي المحدودة إلى الاحتياجات الحيوية. ومع ذلك، تظهر الإحصاءات أنه خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، جرى استيراد أكثر من 27 ألف سيارة بقيمة 743 مليون دولار. ويقول روشن‌ بخش إن الأدوية والمعدات الطبية تُستورد أيضًا، لكن من الضروري ضبط موارد النقد الأجنبي واستخداماته. كما أدى تفويض بعض الصلاحيات إلى المحافظين إلى تسهيل بعض إجراءات الاستيراد، مع تسجيل قفزات في بعض المحافظات.

ومن بين المشكلات الأكثر جوهرية نظام الصرف الأجنبي الذي يجبر المصدّر على تسليم العملة الأجنبية بسعر أقل من سعر السوق الحرة. ويؤدي الفارق الكبير بين سعر مركز التبادل وسعر السوق الحرة إلى إبطاء عملية إعادة العملة الأجنبية إلى البلاد. ويعتقد هذا المسؤول الإيراني أن 80% من القيود التي تواجه التجارة الإيرانية داخلية، مقابل 20% خارجية. فالقيود الداخلية تعرقل الصادرات، بينما تؤدي العقوبات الخارجية بدرجة أكبر إلى رفع التكاليف. ولا يزال نظام المقايضة المباشرة بين المصدّر والمستورد غير مكتمل، ويحتاج إلى منصة تتيح الربط بين الطرفين.

وفي ختام حديثه، يقول روشن‌ بخش إن جميع المشكلات الحالية ناجمة عن إدارة تجارية غير متوازنة وغير متناظرة. فالتركيز المفرط على مسار واحد وإهمال تطوير الأسواق الناشئة والسلع ذات القيمة المضافة الأعلى أدخلا البلاد في دائرة مستنزفة من التجارة التقليدية. ويشكل إصلاح هذه البنية، وتطوير الممرات البديلة، وإيجاد توازن حقيقي بين سعر الصرف المخصص للصادرات وسعر السوق الحرة، شروطًا أساسية للخروج من الأزمة الراهنة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى