إيران: البرلمان يقر مادة مثيرة للجدل تجرّم الحديث مع وسائل الإعلام “المعادية”

لا تزال هناك مرحلة مهمة متبقية، إذ يجب أن يستكمل قرار البرلمان الإيراني مساره القانوني وأن يحصل على موافقة مجلس صيانة الدستور.

ميدل ايست نيوز: صادق البرلمان الإيراني، في إطار مواصلته بحث مشروع «مكافحة نفوذ الأجانب»، على مادة تنص على إخضاع إجراء المواطنين الإيرانيين مقابلات مع وسائل إعلام «معادية» ووسائل إعلام مرتبطة ببعض الحكومات الأجنبية لعقوبات جنائية.

وصادق البرلمان الإيراني على المادة 22 من المشروع، التي تنص على حظر إجراء المواطنين الإيرانيين مقابلات أو المشاركة في حوارات مع وسائل إعلام أو «وسائل إعلام بشرية» تعلن وزارة الاستخبارات أنها «معادية». كما يشمل ذلك وسائل الإعلام الخاضعة لملكية أو إدارة أو تمويل جهات مرتبطة بحكومات من المستوى الأول أو الثاني.

وصوّت النواب، خلال الجلسة العلنية الافتراضية اليوم الثلاثاء، لصالح المادة 22 بأغلبية 174 صوتًا مقابل 6 أصوات رافضة وامتناع نائبين عن التصويت، من أصل 263 نائبًا حضروا الجلسة. ومع ذلك، لا يُعد هذا القرار قانونًا نافذًا بعد، إذ يجب، بعد استكمال الإجراءات التشريعية، أن يحصل على موافقة مجلس صيانة الدستور.

ولا تقتصر أهمية هذه المادة على حظر إجراء مقابلات مع بعض وسائل الإعلام الأجنبية؛ إذ تكمن المسألة الأهم في إمكانية تحول التواصل الإعلامي من نشاط مهني أو اجتماعي إلى موضوع تترتب عليه تبعات جنائية. وبعبارة أخرى، يعمل البرلمان الإيراني على وضع إطار يمكن فيه لتحديد جهاز أمني لهوية وسيلة إعلام ومكانتها أن يؤثر مباشرة في حرية المواطنين في التواصل.

من «النفوذ» إلى تجريم التواصل

واجه مشروع مكافحة نفوذ الأجانب انتقادات جدية منذ إقرار مبادئه العامة. ففي 16 أغسطس، أقر البرلمان الإيراني المبادئ العامة لمشروع يتألف من 33 مادة، ولم يقتصر نطاقه على مكافحة التجسس وأنشطة الأجهزة الاستخباراتية، بل شمل أيضًا التواصل مع وسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية وحتى بعض أشكال التعاون مع الجهات الأجنبية.

ودفعت هذه الشمولية حكومة مسعود بزشكيان أيضًا إلى معارضة نص المشروع رسميًا. فقد أعلنت هيئة الوزراء في 23 أغسطس أن المشروع قد يفرض قيودًا على الأنشطة العلمية، ويزيد من هجرة النخب، ويؤدي إلى تداعيات سلبية على الصعيدين الداخلي والدولي. كما قال مجيد أنصاري، نائب الرئيس للشؤون القانونية، إن الحكومة عارضت المشروع خطيًا منذ أكتوبر من العام الماضي، وإن تجريم عناوين عامة وفضفاضة قد يضر بحقوق المواطنين.

وتكتسب هذه الانتقادات أهميتها من كون المخاوف بشأن المادة 22 اليوم لا تنفصل عن خلفية هذا المشروع. فقد قال منتقدون منذ البداية إن المشكلة لا تكمن في مبدأ مكافحة النفوذ بحد ذاته، وإنما في طريقة تعريف مفاهيم «النفوذ» و«الجهة الأجنبية» والسلوكيات المحظورة؛ إذ كلما كانت هذه التعريفات أوسع وأكثر غموضًا، أمكن أن تقع مساحة أكبر من اتصالات المواطنين العادية تحت طائلة التفسير الأمني.

من يحدد «المعادي»؟

تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في المادة 22 هنا تحديدًا. إذ عهد القرار إلى وزارة الاستخبارات بمهمة تحديد وسائل الإعلام «المعادية» والإعلان عنها. وكانت وزارة الاستخبارات قد أعلنت في وقت سابق قائمة بوسائل الإعلام التي تعتبرها معادية.

ويعرّف نص المشروع «حكومة المستوى الأول» بأنها حكومة معادية، فيما يعرّف «حكومة المستوى الثاني» بأنها حكومة اتخذت إجراءات أضرت بالمصالح الإيرانية. ويمكن أن تتأثر هذه التعريفات أيضًا بالظروف السياسية والعلاقات الخارجية وتتغير تبعًا لها. وبالتالي، فإن الحد الفاصل بين وسيلة إعلام مسموح بالتواصل معها وأخرى قد تترتب على إجراء مقابلة معها تبعات جنائية، ليس بالضرورة حدًا ثابتًا وواضحًا.

من الحوار إلى الملف الجنائي

تزداد المسألة خطورة عندما نعلم أن مخالفة هذه المادة لن تواجه بمجرد تنبيه أو حظر إداري أو قيود مهنية. إذ تنص المادة 22 على إخضاع هذا السلوك للعقوبات من الدرجة السادسة المنصوص عليها في المادة 19 من قانون العقوبات الإسلامي. كما تشير التقارير المنشورة حول نص القرار إلى إمكانية فرض واحدة أو أكثر من هذه العقوبات على المخالف.

وبذلك، فإن حوارًا قد يتناول قضايا اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو حتى حدثًا آنيًا، يمكن، في حال كانت وسيلة الإعلام تندرج ضمن إحدى الفئات المحددة، أن يدخل نطاق المسؤولية الجنائية.

ومن النقاط اللافتة أيضًا استثناء المسؤولين من نطاق هذه المادة. أي إن القانون نفسه الذي يفرض قيودًا جنائية على التواصل الإعلامي للمواطنين، يستثني المسؤولين من أحكام هذه المادة. ويحتاج هذا الاستثناء بحد ذاته إلى مزيد من التوضيح بشأن نطاق المادة ومنطقها، ولا سيما في ظل لجوء وسائل الإعلام الأجنبية عادةً إلى المسؤولين والمواطنين على حد سواء للحصول على معلومات وروايات رسمية بشأن الأحداث في إيران.

أين يقع الحد الفاصل بين الأمن وحرية التواصل؟

لا خلاف على مبدأ مكافحة التجسس والنفوذ الأجنبي؛ وإنما تبدأ المسألة عندما يتسع نطاق السلوكيات المحظورة لتحقيق هذا الهدف إلى حد تصبح معه الاتصالات العادية للمواطنين أيضًا خاضعة لإطار قانون أمني.

فإذا كان هدف القانون هو التعامل مع الأشخاص الذين يعملون عن علم تحت توجيه أو دعم أجهزة استخبارات أجنبية، فمن الطبيعي أن يكون بمقدور القانون التمييز بوضوح بين هذا النوع من النشاط وبين مقابلة إعلامية عادية. لكن المادة 22، بصيغتها الحالية على الأقل، تضع هوية وسيلة الإعلام وتحديد الجهة الرسمية لكونها «معادية» في صلب هذا الأمر.

ومع ذلك، لا تزال هناك مرحلة مهمة متبقية، إذ يجب أن يستكمل قرار البرلمان الإيراني مساره القانوني وأن يحصل على موافقة مجلس صيانة الدستور؛ ولذلك لا يمكن في الوقت الراهن الحديث عن «تنفيذ قانون يحظر المقابلات»، بل عما جرى هو إقرار مادة مثيرة للجدل في البرلمان الإيراني، قد تؤدي، في حال إقرارها نهائيًا، إلى تغيير الحدود الفاصلة بين التواصل الإعلامي والسلوك المجرّم بالنسبة إلى المواطنين الإيرانيين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى