تحليل: لماذا لا يُظهر النظام الإيراني علامات رضوخ؟

خمسة عقود من العمل بنجاح في ظل عقوبات قاسية علّمت النظام الإيراني الكثير حول سبل التأقلم

ميدل ايست نيوز: إن الحصار والعقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تؤتي ثمارها، وقد يحدد نجاحها المرحلة المقبلة من الحرب. تكاد مخزونات النفط الإيراني المتاحة للبيع تنفد، وقد انخفض إنتاج النفط الخام إلى النصف. كما أن المصدر الرئيسي لإيرادات النظام آخذ في النضوب.

وفي الوقت نفسه، عاد تدفق النفط من دول الخليج الأخرى عبر مضيق هرمز -الذي كانت إيران تمارس عليه ذات يوم نفوذاً كبيراً- إلى طبيعته فعلياً.

لكن إيران لا تظهر أي مؤشرات على الرضوخ بعد؛ فالنظام ليس مستعداً لتقديم أي تنازلات بشأن برنامجه النووي، كما أن المفاوضات حول حرية الملاحة عبر مضيق هرمز قد تعثرت مراراً.

لماذا يرفض النظام الرضوخ، في حين تقر الحكومة الإيرانية بأن اقتصادها يواجه كارثة تاريخية؟

لقد سبق لإيران أن مرت بهذا الموقف؛ فخمسة عقود من العمل بنجاح في ظل عقوبات قاسية علّمت النظام الإيراني الكثير حول سبل التأقلم. كما أن التكلفة الباهظة للعملية الأمريكية المستمرة جعلت من الوضع الراهن عبئاً سياسياً ساماً بالنسبة لخصم إيران.

ولهذا السبب، قد يكون النظام في وضع أفضل بكثير مما يبدو عليه.

حصار إيران

لم تشحن إيران أي كميات من النفط من موانئها في شهر سبتمبر/أيلول.

كان ذلك الشهر الأول الذي لم تقم فيه إيران بتحميل النفط الخام على الناقلات منذ أن بدأت خدمة تتبع البيانات البحرية “كبلر” في رصد الصادرات الإيرانية عام 2013؛ إذ كانت آخر عملية تحميل ناجحة للنفط الخام الإيراني في 25 أغسطس/آب.

في غضون ذلك، لم يتبق لدى إيران عملياً أي كميات من النفط الخام لبيعها؛ فقد انخفضت كميات النفط الموجودة خارج نطاق الحصار الأمريكي إلى 45 مليون برميل، متراجعةً من 100 مليون برميل في شهر يوليو/تموز، وذلك وفقاً لبيانات شركة “كبلر” وإذا واصلت إيران العثور على مشترين بالوتيرة الحالية، فقد تنفد مخزوناتها من النفط الخام القابل للبيع بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول.

لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لإيران على الصعيد الداخلي؛ ففي ظل غياب منافذ لبيع النفط المستخرج حديثاً، تقترب مخزوناتها البرية من مستويات قياسية غير مسبوقة، إذ بلغت 70 مليون برميل- وهو مستوى يقارب الذروة التي سُجلت إبان الجائحة- وذلك وفقاً لما ذكره مات سميث، مدير أبحاث السلع الأساسية في شركة “كبلر”. وقد انخفض إنتاج النفط الإيراني إلى نصف مستوياته المسجلة قبل الحرب، ليصل إلى نحو مليوني برميل يومياً، وهي كمية تكفي بالكاد لتلبية الطلب المحلي.

لقد ألحقت العقوبات الأمريكية أضراراً بالغة؛ إذ انكمش الاقتصاد الإيراني بمعدل سنوي بلغ 10% في الفترة ما بين شهري مارس ويونيو، وذلك وفقاً لبيانات الحكومة الإيرانية. كما قفز معدل التضخم السنوي ليصل إلى 90% في الشهر الماضي، وبلغ متوسطه 73% على مدار العام المنصرم، وهو أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية.

وأشار عدنان مزاري، وهو زميل أول في معهد “بيترسون” للاقتصاد الدولي، إلى أن الوضع أصبح بالغ السوء لدرجة أن الإيرانيين، بمجرد حصولهم على السيولة النقدية، ينفقونها فوراً على الاحتياجات الأساسية؛ لأن قيمة أموالهم ستنخفض مباشرةً إذا لم يفعلوا ذلك.

لا تستطيع الحكومة تمويل نفسها، لذا فهي تلجأ إلى طباعة النقود، مما يفاقم التضخم؛ كما أدت العقوبات إلى تقليص الواردات بشكل حاد، مما تسبب في إغلاق المصانع على نطاق واسع وارتفاع معدلات البطالة.

وأقر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، بأن الوضع الاقتصادي الحالي للبلاد يُعد من بين أكثر الأوضاع سوءاً في تاريخها، وذلك وفقاً لتقرير نشرته وكالة “تسنيم” الإيرانية شبه الرسمية السبت.

مع ذلك، تبدو إيران بعيدة كل البعد عن الرضوخ.

وقال مازاري: “يعاني الاقتصاد وضعاً سيئاً للغاية، لكن لا توجد نقطة محددة بدقة يمكن عندها القول إن درجة حرارة جسم المريض قد بلغت حداً حرجاً وأنه سيفارق الحياة”.

لقد وفّر النظام السياسي في إيران للبلاد قدراً من الحماية ضد الدمار الاقتصادي الناجم عن الحصار والعقوبات؛ كما يبدو أن إيران تنجح في الالتفاف على بعض تلك القيود.

وأشار مازاري إلى أن “الناس يزدادون بؤساً، لكن النظام يتمتع بصبر وتحمّل هائلين إزاء معاناة شعبه”، مضيفاً أن “إيران تمتلك تاريخاً طويلاً في الالتفاف على العقوبات”.

التهرب من العقوبات

تبدو خيارات إيران للالتفاف على العقوبات محدودة أكثر من أي وقت مضى؛ فقد أصبحت عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي أطلقتها إدارة ترامب فعالة للغاية، لدرجة أن بعض الحكومات التي كانت تتجاهل إلى حد كبير العقوبات الأمريكية في الماضي، بدأت تتعامل مع تلك القيود بجدية بالغة.

على سبيل المثال، تقطعت السبل بعشرات ناقلات النفط الإيرانية التي تخشى أطقمها الوقوع في قبضة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين؛ إذ رُفض تقديم المساعدات الإنسانية لها وهي راسية قبالة سواحل سريلانكا، وذلك رغم توجيهها نداءات استغاثة متكررة، وفقاً لما ذكره تشارلي براون، كبير المستشارين في منظمة “متحدون ضد إيران النووية” (United Against Nuclear Iran) – وهي منظمة غير ربحية تتولى رصد انتهاكات العقوبات المفروضة على إيران والإبلاغ عنها. وقد نُشرت هذه التفاصيل لأول مرة في صحيفة “وول ستريت جورنال”.

ومع ذلك، فقد طوّر النظام الإيراني شبكات متطورة لمواجهة العقوبات والالتفاف عليها. وتشير ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات والمخاطر الجيوسياسية في شركة “كبلر”، إلى أنه على الرغم من تضييق الخناق، فإن هذا الصراع لا يبدو مختلفاً؛ إذ يوحي عدم استعداد إيران للرضوخ بأن عمليات الالتفاف على العقوبات لا تزال مستمرة.

وقالت: “يتمتع النظام الإيراني ببراعة فائقة في إدارة البلاد دون موارد. ولا أعتقد أن إيران وصلت إلى نقطة تحوّل حاسمة؛ لذا لا بد أنهم يتلقون أموالاً من جهة ما”.

حيثما يوجد دخان، قد توجد نار، إلا أن كشف عمليات التهرب من العقوبات أمرٌ ينطوي على صعوبة.

وأشار براون إلى أن إيران قد تكون بصدد نقل النفط برّاً إلى كازاخستان وروسيا، أو بحرياً عبر بحر قزوين، لافتاً إلى أن طهران دأبت على تمويه نفطها المصدّر وإظهاره على أنه نفط عراقي، كما قامت بنقل النفط إلى سفن تابعة لدول أخرى لإخراج الخام من المضيق. ووفقاً لبراون، فإن النظام يمتلك وكلاء في العديد من الدول المجاورة يتولون سراً إجراء معاملات مالية لصالحه- سواء بالدولار الأمريكي أو العملات المشفرة أو وسائل أخرى – وذلك لتجنب الرصد والكشف.

وقالت بروهارد إلى أن من بين الاحتمالات الأكثر إثارة للاهتمام هو قيام بعض دول الخليج المصدّرة للنفط بدفع رسوم سرية لإيران مقابل المرور الآمن عبر مضيق هرمز، وذلك رغم أنها تحظى بحماية ومرافقة عسكرية أمريكية. ورغم عدم وجود أدلة قاطعة على مثل هذا الترتيب، فقد ذكر كل من مازاري وبراون أنهما سمعا أحاديث تشير إلى أن منتجي النفط يدفعون لإيران “ضريبة أمنية” لضمان سلامة العبور.

وواصلت إيران مهاجمة بعض الناقلات التي تنقل النفط عبر المضيق، غير أن بروهراد أشارت إلى أن تلك السفن ربما تكون قد رفضت دفع الرسوم.

مسارٌ غامضٌ للمضيّ قُدماً

سواء كانت بعض دول الخليج تدفع لإيران مباشرة أم لا، فإن تكلفة الحفاظ على الوضع الراهن وضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز قد أصبحت باهظة للغاية بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.

يتعين على البحرية الأمريكية تخصيص موارد كبيرة لعملية الحصار وبرنامج المرافقة؛ وهو ما يُكبّد دافع الضرائب الأمريكي عشرات المليارات من الدولارات، في وقت لا تزال فيه أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

ويتكبد منتجو النفط تكاليف باهظة للغاية لاستئجار ناقلات لنقل الخام إلى وجهته؛ فبين تكاليف العمالة والوقود والتأمين وغيرها، تبلغ تكلفة تشغيل ناقلة النفط الخام العملاقة (VLCC) حالياً 1.6 مليون دولار يومياً، وهو ما يعادل 24 ضعف التكلفة المسجلة لعام 2025، وذلك وفقاً لبيانات شركة “كلاركسونز” للخدمات البحرية والشحن.

وقالت بروهارد: “هناك من يتقاضى المال؛ ففي الوقت الراهن، تُدفع الرسوم لشركات التأمين، ونحن من نتحمل تكلفتها”.

قد يكون هذا الوضع الراهن -غير القابل للاستمرار- هو السبب وراء انتظار إيران بصبرٍ حتى تنقضي ولاية إدارة ترامب؛ فمع أن إيران ربما فقدت أوراق قوتها في سوق النفط وتضرر اقتصادها بشدة، إلا أنها قد تنجح في الصمود لفترة أطول من استعداد الولايات المتحدة لمواصلة هذا المسار (المكلف).

وبعبارة أخرى، قال مازاري: “سنكون على شفا حرب لفترة طويلة”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
سي إن إن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى