طهران بين فكي الحرب والحصار: هل يصمد الاقتصاد أم يعود الخيار العسكري؟

أصبحت ازدواجية التقييمات بشأن مستقبل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أبرز محاور النقاش بين المراقبين والمحللين.

ميدل ايست نيوز: أصبحت ازدواجية التقييمات بشأن مستقبل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أبرز محاور النقاش بين المراقبين والمحللين. فهناك وجهة نظر ترى في المؤشرات الراهنة مقدمة لجولة جديدة من الحرب. ومن هذا المنظور، فإن التطورات المقبلة عشية انتخابات الكنيست الإسرائيلي والانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، وكذلك الفترة التي تليها، قد تهيئ مجدداً الأرضية لمواجهة واسعة النطاق. ووفقاً لهذا الرأي، ينبغي فهم التهديدات العسكرية والتحركات السياسية والدبلوماسية وتصاعد الضغوط في إطار التحضير لمرحلة جديدة من الصراع.

وحسب تقرير لصحيفة “شرق” الإيرانية، في مقابل هذه الرؤية، يقف تحليل آخر لا يرى، من منظور التكلفة والعائد، مبرراً كافياً لشن حرب جديدة. ويعتقد أصحاب هذا التيار أن تجربة الحربين اللتين استمرتا 12 يوماً و40 يوماً أظهرت أن استخدام القوة العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق كل الأهداف المعلنة. ومن هنا، فإن ترامب، رغم استمرار خطاب التهديد وعروض القوة، بات أكثر حذراً في حساباته بشأن الحرب مما كان عليه في السابق. وفي هذا الإطار، قد يكون الخيار الأقل كلفة بالنسبة لواشنطن ليس شن حرب شاملة، بل تشديد الحصار البحري وزيادة العقوبات والضغط الاقتصادي بهدف استنزاف القدرات الداخلية.

غير أن كون هذا السيناريو أقل كلفة لمصمميه لا يعني بالضرورة أنه قليل الكلفة على إيران. بل على العكس، إذا اعتُمدت استراتيجية «الضغط من الخارج والاستنزاف من الداخل»، فإن نطاق تداعياتها قد يتجاوز الميدان العسكري ليطال الاقتصاد والمجتمع وقدرات الحوكمة في آن واحد.

ومع ذلك، يظل سؤال أساسي بلا إجابة: إذا تمكنت إيران من التكيف مع الضغوط الراهنة وإعادة ضبط مساراتها الاقتصادية والتجارية، فهل سيخرج سيناريو الحرب من جدول الأعمال أصلاً؟ والإجابة ليست إيجابية بالضرورة. ففشل الضغط الاقتصادي قد يعني لصناع القرار الأمريكيين والإسرائيليين ضرورة مراجعة الاستراتيجية، لكن هذه المراجعة قد تؤدي إلى تخفيف التوتر، أو على العكس تدفع نحو خيارات أكثر خطورة. ومن هنا، فإن المسألة الرئيسية ليست فقط احتمال اندلاع الحرب، بل المنطق الحاكم للمرحلة التي تلي فشل الضغوط. فإذا لم ينجح الضغط الاقتصادي في تحقيق النتيجة المرجوة، فينبغي مراقبة ما إذا كان المسار سيتجه نحو التفاوض وتخفيف التوتر، أم أن الخيار العسكري سيعود مجدداً إلى الطاولة. وهنا تحديداً تبرز ضرورة اليقظة وتقليص نقاط الضعف الداخلية وتجنب تبسيط حسابات الطرف المقابل أكثر من أي وقت مضى.

مستقبل غامض للضغط على إيران

بعد سبعة أشهر من اندلاع حرب كان يُفترض أن تستمر أسابيع قليلة فقط، لم تقترب الولايات المتحدة بعد من هدفها الرئيسي المتمثل في إنهاء الصراع وفق الشروط التي تريدها واشنطن. ويُظهر تقييم آلان أير، الدبلوماسي الأمريكي السابق، في مجلة «ذا أتلانتيك» أن التفوق العسكري الأمريكي والضغط الاقتصادي المتصاعد على إيران، رغم أنه أرهق قدرات طهران، لم يتحول بعد إلى إنجاز استراتيجي. فالمسألة الجوهرية تكمن في أن النجاح في الميدان لا يعني بالضرورة النصر في التفاوض أو إجبار الطرف المقابل على الاستسلام.

ويشير التقرير إلى أن الاقتصاد الإيراني يرزح تحت ضغط شديد. فقد انهار سعر الريال إلى أكثر من 2.5 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، وتجاوز تضخم المواد الغذائية، وفق الإحصاءات الرسمية، نسبة 125%. كما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشاً بنسبة 5.4% في الاقتصاد الإيراني خلال عام 2026. ومع ذلك، تحذر «أتلانتيك» من أن الضغط الاقتصادي لا يعني بالضرورة الانهيار السياسي أو قبول اتفاق مفروض.

أما تدفق النفط، الذي انخفض في مرحلة ما من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى أقل من ثلاثة ملايين، فقد عاد في سبتمبر إلى نحو 10 ملايين برميل، فيما نُقل جزء آخر عبر مسارات بديلة. لكن هذا لا يعني عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي. فما زال مرور السفن أقل بنحو 75% عن مستواه قبل الحرب، ويتم نقل النفط بالاعتماد على مرافقة وتدابير أمنية أمريكية واسعة النطاق. وحتى زيادة صادرات النفط تأتي مصحوبة بكلفة ومخاطر. فنقل الشحنات بين ناقلات أصغر وعملاقة في مياه أكثر أماناً يعتمد على الدعم العسكري الأمريكي، ولا يمكن أن يشكل حلاً مستداماً على نطاق واسع ولفترة طويلة. كما أن الهجمات على ناقلات النفط تؤكد أن مضيق هرمز ما زال أحد أخطر نقاط الملاحة في العالم.

ومن وجهة نظر الكاتب، قد يكمن الخطأ الرئيسي في الخلط بين «الهيمنة التكتيكية» و«النجاح الاستراتيجي». فقد تكون الولايات المتحدة قد أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية، وضغطت على اقتصادها، وأعادت جزءاً من تدفق النفط إلى مساراته السابقة، لكن أياً من ذلك وحده لا يضمن أن تجلس طهران إلى طاولة مفاوضات تحدد واشنطن شروطها. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الحرب بوصفها معركة وجودية، وقد تكون أكثر استعداداً لتحمل تكاليفها، في حين تواجه الإدارة الأمريكية ضغوط الرأي العام وارتفاع أسعار الوقود والاعتبارات السياسية الداخلية. وخلاصة تحليل آلان أير في «أتلانتيك» واضحة: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وتشديد الضغط الاقتصادي، وزيادة تدفق النفط، إنجازات حقيقية لكنها في معظمها تكتيكية. ولا يقرب أي منها الولايات المتحدة بذاتها من نصر استراتيجي. وإذا لم ينجح الضغط العسكري والاقتصادي في تغيير الحسابات السياسية لطهران، فقد تجد واشنطن نفسها عالقة في حرب كان يُفترض أن تكون قصيرة لفترة أطول بكثير مما توقعت.

لا ينبغي النظر إلى الحرب والحصار كسيناريوهين منفصلين تماماً

في تحليل ازدواجية استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران بين «الحرب» و«الحصار»، يرى صادق ملكي في حديثه مع صحيفة «الشرق» أنه لا يمكن الفصل التام بين هذين السيناريوهين أو استبعاد أحدهما بسهولة. ويشير الدبلوماسي الإيراني السابق إلى نقطة محورية: «إن ازدواجية استراتيجية أمريكا تجاه إيران بين الحرب والحصار تستتبع ازدواجية أخرى تتعلق بالحرب والسلام». ويقر ملكي بأن الوضع الراهن يتجاوز إطار الاختيار الحاسم بين الحرب والسلام، ويعيش في حالة سيولة يكون فيها الحرب قريبة والسلام ممكناً في آن واحد. فقد فشلت الولايات المتحدة في تحقيق جزء من الأهداف التي تسعى إليها اليوم عبر الحصار والضغط الاقتصادي خلال حرب الـ12 يوماً، وهي تأمل الآن في أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والاختلالات الداخلية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقليص قدرة المجتمع الإيراني على الصمود. غير أن مدى نجاح هذه الاستراتيجية ما زال رهناً بالتطورات المقبلة.

ويضيف: «من جهة أخرى، تمتلك إيران قدرات لمواجهة الحصار البحري، لكنها لم توظفها بالكامل حتى الآن لأسباب منها الاعتبارات السياسية والحوارات المباشرة وغير المباشرة بين طهران وواشنطن. وفي مثل هذه الظروف، يسعى الطرفان إلى إدارة المساحة المتاحة بطريقة تحافظ على إمكانية انتزاع التنازلات. لذلك لا يمكن الحديث عن انتهاء خطر الحرب، كما لا يمكن تجاهل مؤشرات الدبلوماسية».

ويحذر الخبير في الشؤون الدولية من الفصل المفرط بين سياسة أمريكا وإسرائيل، مؤكداً أن «التصور بأن أمريكا تعارض الحرب وتحاول المضي في سيناريو الحصار والضغط الاقتصادي بينما تسعى إسرائيل إلى الحرب، قد يشوه تقييم إيران لواقع العلاقة بين الطرفين. وحتى لو كانت إسرائيل هي البادئة باحتمال اندلاع مواجهة، فلا يمكن الحكم على مثل هذا السيناريو دون أخذ التنسيق بين واشنطن وتل أبيب في الحسبان. ومن هذا المنظور، فإن المبالغة في التباعد بين أمريكا وإسرائيل قد تتحول إلى خطأ حسابي في تقييم التهديد».

وفي تقييم قدرة إيران على مواجهة الحرب، يؤكد ملكي ضرورة الانتباه إلى الطاقة الوطنية للبلاد، قائلاً: «حققت إيران إنجازات مهمة في حرب الـ40 يوماً، وكان تفاهم إسلام آباد قادراً على تمهيد الطريق لسلام كريم، لكن بعض السلوكيات الداخلية والحوادث التي أعقبت ذلك حولت جزءاً من الفرص إلى تهديدات». ومن وجهة نظره: «المسألة اليوم ليست فقط القدرة على مواجهة الحرب، بل القدرة على تحويل إنجازات الميدان إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية». كما يميز ملكي تمييزاً جوهرياً بين قدرة إيران وأمريكا على التحمل، مشيراً إلى أن «المجتمع والأرض الأمريكية بعيدان عن ساحة الحرب، وقد أظهرت تجربة الحربين العالميتين وفيتنام أن كلفة الحرب على الشعب الأمريكي لا تقارن بما تتحمله المجتمعات المنخرطة مباشرة في الحرب؛ لذا فإن الضغط الاقتصادي والاجتماعي للحرب لا يترك الآثار نفسها على الجانبين».

ومن هذا المنطلق، يرى أن «طهران مطالبة أكثر من واشنطن بتوضيح موقفها من ثنائية الحرب والسلام. فقضية الملف النووي، التي كانت أحد العوامل الرئيسية لاندلاع الحرب، ما زالت في صميم النزاع، غير أن مؤشرات إمكانية الحوار حول مستوى التخصيب مع الادعاءات الجديدة لفانس، نائب الرئيس الأمريكي، قد تفتح ثغرة أمام الدبلوماسية». ويسلك المسار المفضل من وجهة نظر ملكي «الانتقال التدريجي من التفاهم إلى الاتفاق ثم التحرك نحو تطبيع العلاقات». ويشدد على أن «الاتفاق لا ينبغي أن يُعتبر نقطة نهاية، بل جزءاً من مسار طويل الأمد لإدارة الخلافات. فمشاكل إيران وأمريكا عميقة ومتعددة، ولا يمكن توقع حلها كلها باتفاق واحد». ومع ذلك، يؤكد أن «إيران تمتلك الطاقة الوطنية اللازمة لحل الخلافات عبر الدبلوماسية، وإذا تحول الاتفاق المحتمل إلى مسار، يمكن تدريجياً الابتعاد عن ثنائية الحرب والضغط المرهقة وتعزيز الأمل في السلام وتخفيف التوتر».

 احتمال الحرب قائم دائماً، لكن ترامب لا يسعى حالياً إلى حرب شاملة

يرى علي بيغدلي، الخبير في الشؤون الدولية، في حديثه مع «الشرق»، أن أولوية ترامب حالياً هي استمرار وتشديد سيناريو الحصار الاقتصادي على إيران، وأن الظروف لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح لأمريكا بدخول حرب جديدة بكلفة سياسية واقتصادية مقبولة. ويقول أستاذ الجامعة: «الضغوط الداخلية في أمريكا، وتراجع شعبية ترامب، واقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، كلها اعتبارات جدية أمام الرئيس الأمريكي». ويعتقد الخبير في الشؤون الأمريكية أن «ترامب، خلافاً لبعض تصريحاته، ما زال حساساً تجاه مستقبله السياسي ومصير الجمهوريين، ولا يمكنه تجاهل تداعيات حرب جديدة. ومن هذا المنظور، فإن العودة إلى حرب غير مضمونة النتائج قد تفرض كلفة سياسية إضافية على الإدارة الأمريكية، خاصة أن تجارب المواجهات السابقة لم تحقق لواشنطن نجاحاً حاسماً ونهائياً».

ويؤكد أن «القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة المباشرة تحتل أهمية حاسمة في المجتمع الأمريكي. فارتفاع أسعار الوقود وزيادة تكاليف الحياة قد يترتب عليهما تداعيات سياسية على الحكومة الأمريكية. لذلك، في ظل تصاعد الضغط الاقتصادي على المواطنين الأمريكيين واقتراب الانتخابات النصفية، قد يكون فتح جبهة حرب جديدة مكلفاً لترامب». ومع ذلك، لا يستبعد بيغدلي احتمال الحرب مجدداً تماماً، قائلاً: «احتمال اندلاع الحرب قائم دائماً، لكن استعراض القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة لا يعني بالضرورة قراراً حاسماً بشن حرب شاملة. ويمكن اعتبار الانتشار والتحركات العسكرية جزءاً من سياسة الضغط وتعزيز قوة المساومة لواشنطن عشية المفاوضات».

ويشير أستاذ العلاقات الدولية إلى أن «الدول عادة ما تسعى قبل الدخول في المفاوضات إلى زيادة الضغط للحصول على ورقة أقوى على طاولة التفاوض، ومن هذا المنظور يمكن رصد مؤشرات على استمرار مسار التفاوض». ويتطرق بيغدلي، مثل صادق ملكي، إلى تصريحات فانس حول السعي للحصول على «تنازلات نووية أكبر» من إيران، معتبراً إياها مؤشراً على أن باب التفاوض ما زال مفتوحاً. ويرى أن «تصريحات فانس تؤكد أن مضيق هرمز فقد إلى حد ما وظيفته السابقة كأداة ضغط، وأن تراجع أهميته في المعادلات الحالية قد يشير إلى أن المحور الرئيسي للحوارات بات أكثر تركيزاً على الملف النووي».

ومع ذلك، يحذر المحلل من دور إسرائيل ونتنياهو شخصياً في دفع ترامب للتخلي عن سيناريو الحصار والتوجه نحو سيناريو آخر. ومن وجهة نظره: «ما زال نتنياهو يبحث عن فرصة لإعادة بناء موقعه السياسي داخل إسرائيل، وقد يختلف دخول إسرائيل في الحرب اختلافاً جوهرياً عن الدخول الأمريكي المباشر. وأكبر مخاوفه في هذا السياق هو تضرر البنية التحتية الإيرانية، إذ يمكن لإسرائيل، إذا قررت الهجوم، أن تقدم على خطوات عسكرية دون أن تتحمل القيود نفسها التي تواجهها أمريكا».

وفي الختام، يؤكد مفسر السياسة الخارجية أن «طهران وواشنطن مطالبتان بأخذ تكاليف حرب جديدة في حساباتهما. فالمجتمع الإيراني يواجه مشكلات اقتصادية وبطالة وضغوطاً اجتماعية متعددة، وتحمل حرب أخرى قد يكون بالغ الصعوبة. ومن جهة أخرى، تقف أمريكا على أعتاب انتخابات ولا يمكنها تجاهل التكاليف السياسية والاقتصادية للحرب. ومن هذا المنظور، ورغم أن ظل الحرب ما زال يخيم على المنطقة، فإن الضغط والحصار والتفاوض قد تشكل حالياً بديلاً أقل كلفة من الدخول في حرب شاملة».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى