السعودية بين مستنقع اليمن وكابوس انهيار «رؤية 2030».. هل تدفع فاتورة الحرب من طموحاتها الاقتصادية؟

لا بد من إدراك أن السعودية، في ظل المعادلات الجديدة في الشرق الأوسط، لا تملك وقتا مفتوحا لمواصلة الحرب، إذ تتعارض إطالتها مباشرة مع طموحاتها الاقتصادية، فيما تتسارع تداعياتها على تلك الطموحات.

ميدل ايست نيوز: تخيلوا دولة تعمل على تشييد مدن كبرى أسطورية ومستقبلية في قلب الصحراء، بهدف التحول إلى مركز للسياحة واستقطاب الاستثمارات في الشرق الأوسط، فيما تواجه سماء عاصمتها ومطاراتها في الوقت نفسه خطر عبور الصواريخ والطائرات المسيّرة العسكرية.

وحسب مقال رأي للكاتب الإيراني أمير حسين نادري في صحفية “اطلاعات” الإيرانية هذه الصورة المتناقضة تجسد الأزمة التي تواجهها السعودية اليوم. فمع تداول تقارير حديثة عن تجدد الهجمات على مطاري الرياض وأبها، والحديث عن استهداف منشآت نفطية سعودية في خضم التطورات الميدانية على ساحل البحر الأحمر، عاد سؤال استراتيجي إلى الواجهة: لماذا تواصل السعودية الانخراط في مستنقع الحرب اليمنية، رغم المخاطر التي تهدد شرايينها الحيوية؟

في البداية، لا بد من إدراك أن السعودية، في ظل المعادلات الجديدة في الشرق الأوسط، لا تملك وقتا مفتوحا لمواصلة الحرب، إذ تتعارض إطالتها مباشرة مع طموحاتها الاقتصادية، فيما تتسارع تداعياتها على تلك الطموحات.

من التدخل العسكري إلى الاستنزاف

لفهم هذا التناقض، لا بد من العودة إلى الوراء. بدأت الأزمة عام 2014، وعندما تدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن في ربيع عام 2015، راهن على تغيير سريع لموازين القوى، معتقدا أن التفوق الجوي المطلق سيحسم المعركة خلال أسابيع قليلة. لكن العملية تحولت إلى حرب استنزاف طويلة.

وشكل الهجوم الذي استهدف منشأتي بقيق وخريص النفطيتين عام 2019 نقطة تحول في هذا المسار، إذ أثبت لصناع القرار الاستراتيجي في الرياض أن التفوق التكنولوجي في الجو لا يعني بالضرورة حماية المنشآت الحيوية على الأرض.

وأدى وقف إطلاق النار الهش الذي تحقق بوساطة الأمم المتحدة عام 2022 إلى خفض حدة القتال، لكنه لم يعالج جذور الأزمة بصورة كاملة. فقد احتفظت حركة أنصار الله اليمنية بقدراتها العسكرية، فيما أخفقت الرياض في بناء حزام أمني مستقر على حدودها الجنوبية.

لكن التحول الأبرز جاء عام 2023، عندما أصبح البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي بؤرة جديدة للمواجهة. وفجأة، لم يعد التهديد محصورا في الحدود الجنوبية للسعودية، بل بات مرتبطا بالتجارة العالمية ومسارات نقل الطاقة.

وبالتوازي مع ذلك، واجهت الرياض تحديا آخر. فقد كشفت تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، خلال العامين الماضيين، عن اتساع فجوة المصالح بين الرياض وأبوظبي.

وهكذا وجدت السعودية نفسها أمام معادلة معقدة من ثلاثة أطراف: مواجهة أنصار الله، والتعامل مع حلفاء لا يلتزمون بالضرورة بحساباتها في جنوب اليمن، ومنع تداعيات الصراع من شل اقتصادها.

الأمن لم يعد مقتصرا على حماية النفط

تغير مفهوم الأمن بالنسبة إلى السعودية اليوم. فلم يعد يقتصر على القدرة على ضخ النفط، بل بات يشمل ضمان المرور الآمن للشحنات، واستقرار طرق التجارة، والأهم من ذلك، الحفاظ على صورة المملكة بوصفها بيئة مستقرة وموثوقة لدى المستثمرين الأجانب.

فحتى إذا لم تتسبب الهجمات اليمنية في أضرار مادية واسعة لمصافي شركة أرامكو، فإن الارتفاع الحاد في أقساط التأمين على السفن، وتضرر صورة السعودية الأمنية، يمثلان خسائر لا تستطيع أنظمة الدفاع الجوي التصدي لها.

وبالنسبة إلى دولة بنت رؤية 2030 على تطوير السياحة وجذب الاستثمارات الأجنبية، فإن استمرار انعدام الأمن لا يمثل تحديا عسكريا فحسب، بل يهدد الأسس الاقتصادية للمشروع برمته.

ثلاثة مسارات أمام الاستراتيجيين السعوديين

أمام هذه المعضلة المعقدة، يجد الاستراتيجيون السعوديون أنفسهم أمام ثلاثة خيارات رئيسية:

المسار الأول: تصعيد العمليات لتحقيق مكاسب ميدانية.

قد تسعى الرياض إلى تثبيت سيطرتها على مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، بهدف تعزيز أوراق الضغط التي تمتلكها على طاولة المفاوضات. لكن لهذا الخيار جانبا آخر محفوفا بالمخاطر؛ فإذا لم تفض هذه التحركات إلى سيطرة مستدامة، فقد تجد السعودية نفسها أمام حرب استنزاف جديدة، تتحمل فيها تكاليف عسكرية متزايدة من دون أن توفر مستوى الاستقرار اللازم لدعم تنميتها الاقتصادية.

المسار الثاني: تسوية براغماتية.

يقوم هذا الخيار على تقليص الأهداف وقبول اتفاق يركز أساسا على حماية المنشآت الحيوية السعودية، حتى لو أدى ذلك إلى تكريس نفوذ أنصار الله.

ومن شأن هذه التسوية أن تحد من الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها الرياض، لكنها قد تمنح القوات اليمنية فرصة لإعادة بناء قدراتها، إذا لم تستند إلى ضمانات راسخة، بما قد يتيح لها ممارسة ضغوط أكبر على السعودية مستقبلا.

المسار الثالث: المجازفة بتغيير موازين القوى.

أما توسيع الحرب على نطاق شامل بهدف القضاء التام على الخصم، فيظل خيارا محفوفا بالمخاطر، بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية المعقدة والجبلية لليمن، والانقسامات بين القوى المحلية المدعومة من أطراف خارجية.

وقد يتحول هذا الرهان إلى مسار مكلف يقود إلى مزيد من الدمار ونزوح مئات الآلاف، وفق ما أشارت إليه تقارير حديثة للمنظمة الدولية للهجرة، فضلا عن تعريض العمق السعودي لهجمات انتقامية.

الوقت هو العامل الحاسم

بين هذه المسارات الثلاثة، يبقى الوقت العامل الحاسم والحكم النهائي. فقد تتمكن السعودية، بفضل احتياطياتها من النقد الأجنبي، من تحمل الأعباء العسكرية الباهظة وارتفاع تكاليف التأمين التجاري لفترة محدودة. لكن استمرار التهديد لشرايين النفط والتجارة البحرية، إلى جانب تراجع صورة المملكة بوصفها وجهة آمنة للاستثمار، يراكم تكاليف يصعب تعويضها.

ومع كل يوم إضافي يستمر فيه الصراع، تتزايد احتمالات أن تُدفن المكاسب الميدانية المحدودة تحت وطأة الخسائر الاقتصادية الكبيرة وتراجع الاستثمارات.

وفي المقابل، فإن التسرع في الخروج من مستنقع الحرب قد يفضي إلى تسوية هشة لا تفعل سوى تأجيل انفجار الأزمة إلى وقت لاحق.

هل تستطيع الرياض إنقاذ مشروعها الاقتصادي؟

لم تعد القضية الأساسية بالنسبة إلى السعودية اليوم هي السيطرة على المواقع العسكرية في جبال اليمن، بل ما إذا كانت الرياض ستتمكن من التوصل إلى حل سياسي شامل قبل أن تحرق نيران الحرب خارطة طريقها الاقتصادية وموقعها الإقليمي.

فبناء اقتصاد مزدهر يعتمد على الاستثمارات الأجنبية يصبح مهمة بالغة الصعوبة في منطقة تعيش دول مجاورة لها على وقع الصراعات.

إن توفير أمن مستدام لمشروعات التنمية الكبرى لا يتحقق بالاعتماد على السلاح واستمرار الحصار، بل يتطلب التعامل مع الوقائع الميدانية، وقبول موازين القوى القائمة، والعمل على صياغة تسوية إقليمية أكثر توازنا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى