ستارلينك في العراق وتداعياته على إيران.. هل تنهي الاتصالات المباشرة بالأقمار الصناعية عصر حجب الإنترنت؟

ستصبح الرقابة في مثل هذا العالم أكثر كلفة وتعقيدا، وأقل فاعلية في نهاية المطاف. فالسماء تتحول تدريجيا إلى مجال بلا حدود، والتكنولوجيا، عاجلا أم آجلا، ستفرض نفوذها على الجدران.

ميدل ايست نيوز: شهد الشرق الأوسط في صيف عام 2026 أحد أبرز أوجه التناقض التكنولوجي والجيوسياسي. ففي الوقت الذي واجه فيه الاقتصاد الرقمي وإمكانية الوصول إلى المعلومات في إيران قيودا وانقطاعات للإنترنت استمرت أشهرا، خطت الدولة المجاورة، العراق، خطوة تاريخية نحو تحرير تدفق البيانات.

وحسب تقرير لصحيفة “شرق” الإيرانية، في 17 يوليو/تموز 2026 (تير 1405)، وُقّع خلال مراسم أقيمت في غرفة التجارة الأميركية بواشنطن، وبحضور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عقد يمنح ترخيصا رسميا لتشغيل خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية «ستارلينك» في جميع أنحاء العراق. واكتمل هذا التطور ببدء التشغيل التجاري للشبكة في 29 يوليو/تموز 2026 (مرداد 1405).

ولم يكن هذا الحدث مجرد إنجاز اقتصادي لبغداد، بل أطلق تداعيات سياسية وأمنية وتكنولوجية امتدت نحو الحدود الغربية لإيران. وأثار نشر البنية التحتية الرسمية لشركة «سبيس إكس» على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الإيرانية، بالتزامن مع التطورات اللافتة في تقنية «الاتصال المباشر بالهاتف المحمول» (Direct to Cell)، تساؤلات جوهرية في أوساط صنع السياسات والرأي العام: هل يسهل هذا التطور استيراد هذه المعدات وتهريبها إلى داخل إيران؟ وإلى أي مرحلة وصلت تقنية الاتصال المباشر بالهواتف المحمولة، وهل تعمل على جميع الأجهزة؟ وأخيرا، هل يؤدي توسع هذه الشبكات الفضائية إلى حل مشكلة تصفية الإنترنت والرقابة عليه في دول الشرق الأوسط بصورة نهائية؟

ستارلينك في العراق.. قفزة تتجاوز البنية التحتية المتهالكة

لفهم أهمية وجود ستارلينك في العراق، لا بد من النظر إلى احتياجات البلاد الاستراتيجية. فقد عانى العراق لعقود من تهالك البنية التحتية للاتصالات، ومحدودية عرض النطاق الترددي، وعدم اكتمال تغطية الشبكات الأرضية.

وجاء توقيع العقد بين هيئة الإعلام والاتصالات العراقية (CMC) وشركة «سبيس إكس» بهدف تجاوز هذه القيود المادية. ووصف مسؤولون عراقيون، من بينهم بليغ أبو كلل، رئيس هيئة الإعلام والاتصالات، هذه الخطوة بأنها جزء من جهود الحكومة الرامية إلى «الحفاظ على السيادة الرقمية ومواكبة التطورات العالمية في قطاع الاتصالات».

وتتيح هذه الشبكة الفضائية، التي تعتمد على كوكبة من الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض (LEO)، الوصول إلى إنترنت عالي السرعة ومنخفض زمن الاستجابة في أكثر المناطق النائية، بما فيها المدارس والمستشفيات والمجتمعات الريفية التي لم تصل إليها كابلات الألياف الضوئية وأبراج الاتصالات الخلوية.

وعلى صعيد الأسعار، خصصت ستارلينك باقات متنوعة للسوق العراقية، في مؤشر إلى سعي الشركة لمواءمة خدماتها مع القدرة الشرائية في المنطقة.

وجُمعت بيانات الجدول استنادا إلى المعلومات الرسمية المنشورة من هيئة الإعلام والاتصالات العراقية والتقارير الإعلامية.

وبهذه الخطوة، انضم العراق إلى مجموعة من دول الشرق الأوسط، مثل البحرين والأردن والكويت وسلطنة عمان وقطر والإمارات العربية المتحدة، التي فتحت أبوابها أمام الإنترنت الفضائي في وقت سابق.

لكن ما يميز نشر هذه الشبكة في العراق هو امتلاك البلاد أطول حدود برية مشتركة لها مع إيران، وهي دولة تواجه، في المقابل، واحدة من أشد القيود المفروضة على الوصول إلى الإنترنت.

التداعيات العابرة للحدود.. السوق السوداء والتهريب والإنترنت في إيران

لفهم تأثير الوجود الرسمي لستارلينك في العراق على الإنترنت في إيران، لا بد من النظر إلى الأحداث الداخلية الإيرانية خلال عام 2026. فقد شهدت إيران، خلال الفترتين الممتدتين من 18 دي 1404 إلى 27 بهمن، ومن 9 إسفند 1404 إلى 25 خرداد 1405، واحدة من أطول حالات انقطاع الإنترنت وأكثرها استثنائية في تاريخها، إذ استمرت أربعة أشهر و18 يوما.

وأدى هذا القطع غير المسبوق، الذي فُرض لدواع أمنية في ظل التوترات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية والأميركية على إيران، إلى تعطيل أجزاء من شبكة المعلومات الوطنية الإيرانية بصورة كاملة أيضا.

وكانت الكلفة الاقتصادية لهذا الانقطاع هائلة. وتشير التقديرات إلى أن القيود المفروضة ألحقت بالاقتصاد الإيراني خسائر مباشرة وغير مباشرة تتراوح بين 35.7 مليون دولار و80 مليون دولار يوميا. كما تراجعت مبيعات المتاجر الإلكترونية بنسبة 80%، فيما هبط المؤشر العام لبورصة طهران آلاف النقاط خلال أيام قليلة فقط.

وفي ظل هذه الظروف، أصبح الوصول إلى اتصال آمن لا يخضع لسيطرة البنية التحتية المحلية للاتصالات، بما فيها شركة الاتصالات الإيرانية الدولية (TIC)، حاجة حيوية لبقاء الأنشطة التجارية واستمرار تدفق المعلومات.

وقبل إضفاء الصفة القانونية على ستارلينك في العراق، كانت معدات الشركة تُهرّب إلى إيران عبر شبكات معقدة ومكلفة، تمر في الغالب عبر الإمارات العربية المتحدة وأرمينيا وأفغانستان. أما مع بدء تشغيل ستارلينك رسميا في العراق، فقد أصبحت سلسلة إمداد هذه المعدات أقرب بكثير إلى الحدود الغربية لإيران.

ومن شأن تقنين شراء هذه المعدات وتركيبها وتفعيلها في إقليم كردستان العراق وسائر المحافظات الحدودية أن يخفض بشدة تكاليف التخزين والخدمات اللوجستية التي يتحملها المهربون.

ويجعل هذا التقارب الجغرافي عمليات الاستيراد غير الرسمي أسهل بكثير. ومع ذلك، لا تزال المخاطر الأمنية وتقلبات السوق السوداء تشكل عقبات كبيرة.

وقبل أزمات عام 2026، تراوحت تكلفة الحصول على جهاز ستارلينك في إيران بين 700 و1000 دولار. لكن مع اندلاع المواجهات، والانتشار الواسع للقوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاوف من انقطاع الإنترنت بصورة دائمة، ارتفعت أسعار هذه المعدات في السوق السوداء الإيرانية، في مدن مثل بانه ومريوان وطهران، إلى نحو 4000 دولار، وهو مبلغ جعل الحصول عليها متاحا عمليا للطبقات الميسورة وشرائح الدخل الأعلى فقط.

ولم تقف الجمهورية الإسلامية مكتوفة الأيدي أمام انتشار هذه المعدات. ففي يوليو/تموز 2026 (تير 1404)، أقر مجلس الشورى الإسلامي قانون «تشديد العقوبات على الجواسيس والمتعاونين مع الحكومات الأجنبية»، الذي جرّم صراحة استيراد معدات ستارلينك وبيعها واستخدامها، وفرض عقوبات مشددة على المخالفين، قد تصل في بعض الحالات إلى الإعدام بتهمة التجسس.

كما تمكنت الأجهزة المعنية، باستخدام معدات متطورة لمراقبة الإشارات، من اكتشاف مئات أجهزة ستارلينك ومصادرتها في مناطق مختلفة من البلاد. وأسفرت إحدى هذه العمليات وحدها عن اعتقال 46 شخصا وضبط 139 جهازا.

وإلى جانب ذلك، لجأت إيران إلى المواجهة الإلكترونية. وتشير تقارير إلى أن الحكومة كثفت جهودها لتعطيل مستقبلات ستارلينك باستخدام معدات متطورة للتشويش على الإشارات (Jamming) والتلاعب بإشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS Spoofing).

وتعتمد مستقبلات ستارلينك على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي الدقيقة للعثور على الأقمار الصناعية ومزامنة التوقيت، ولذلك فإن التشويش على هذه الإشارات يؤدي إلى انقطاع الاتصال.

وخلال بعض مراحل الأزمة، واجه المستخدمون في طهران معدلات لفقدان حزم البيانات (Packet Loss) تراوحت بين 30% و80%.

لكن شركة «سبيس إكس» لم تستسلم في هذه المواجهة. فقد أرسلت تحديثات برمجية تركز على تقنيات «التوجيه الصفري» (Null Steering) في هوائياتها المعتمدة على مصفوفات الطور (Phased Array)، وتمكنت بذلك من تحييد آثار التشويش إلى حد كبير، وخفض معدل فقدان الحزم في مناطق مثل طهران إلى 10%.

المعركة الدبلوماسية.. ستارلينك في أروقة الاتحاد الدولي للاتصالات

لم تقتصر الجهود الإيرانية لعرقلة ستارلينك على الميدانين التقني والمادي، بل امتدت إلى المسارين الدبلوماسي والقانوني الدولي.

ففي الثاني من تير 1404 (أواخر يونيو/حزيران 2026)، تقدمت وزارة الاتصالات الإيرانية، للمرة الثالثة أو أكثر، بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، احتجاجا على ما وصفته بانتهاك شركة «سبيس إكس» سيادتها السيبرانية والطيفية.

وتستند الحجة القانونية الإيرانية بصورة كاملة إلى دستور الاتحاد الدولي للاتصالات ولوائح الراديو (Radio Regulations). ووفقا لهذه اللوائح، يتعين على أي مشغل للأقمار الصناعية الحصول على «حقوق النفاذ إلى السوق الوطنية» أو «حقوق إنزال الإشارة» (Landing Rights)، إلى جانب ترخيص من الهيئة التنظيمية المختصة في الدولة، قبل تقديم خدماته داخل نطاقها الجغرافي.

واستنادا إلى هذه القواعد، وصفت إيران تشغيل ستارلينك بأنه غير قانوني، وطالبت مجلس لوائح الراديو (RRB) بالنظر في القضية.

وكان المجلس قد طلب في وقت سابق، خلال نظره في شكاوى إيرانية سابقة، من شركة «سبيس إكس» احترام السيادة الوطنية للدول وتعطيل المحطات الطرفية غير المرخصة باستخدام تقنية «السياج الجغرافي» (Geofencing)، معربا عن قلقه إزاء المسألة.

لكن تنفيذ هذه التوجيهات على أرض الواقع يواجه تحديات جيوسياسية.

جيوسياسة الاتصال المباشر.. هل تقترب نهاية الرقابة نهائيا؟

تمتلك تقنية «الاتصال المباشر بالهاتف المحمول» (Direct to Cell) القدرة على تغيير معادلات السيطرة على المعلومات بصورة جذرية. ومع ذلك، تواجه إمكانية تطبيق هذه الفكرة في إيران عقبة تنظيمية كبيرة.

فالنموذج الحالي لستارلينك، استنادا إلى إطار خدمات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية التكميلية (SCS) التابع للجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (FCC)، يعتمد على استئجار ترددات أرضية تابعة لمشغلي شبكات الهاتف المحمول.

وإذا أرادت «سبيس إكس» بث إشاراتها فوق الأراضي الإيرانية، فسيتعين عليها استخدام ترددات مخصصة حصريا لمشغلي الاتصالات المحليين، مثل «همراه أول» و«إيرانسل».

ومن شأن ذلك أن يتسبب، من الناحية التقنية، في تداخلات راديوية شديدة (Interference) مع الشبكات المحلية، كما يُعد، من منظور لوائح الاتحاد الدولي للاتصالات، تعديا واضحا على نطاق الترددات السيادي للدولة.

لكن هل ستشكل هذه العقبات القانونية رادعا في أوقات الأزمات السياسية؟ لقد كشف تسريب وثائق سرية في منتصف عام 2026 أن قواعد اللعبة قد تكون بصدد التغيير.

ووفقا لتقارير موثوقة، قدمت شركة «سبيس إكس» مقترحا إلى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، طلبت فيه 500 مليون دولار لتغطية تكاليف إطلاق أقمار صناعية مخصصة، إضافة إلى 100 مليون دولار شهريا لصيانة خدمة «الاتصال المباشر بالهاتف المحمول» وتفعيلها فوق إيران، بهدف تجاوز حالات قطع الإنترنت التي تفرضها الحكومة الإيرانية.

وعلى الرغم من أن المقترح واجه خلافات بشأن التكاليف، فإن مجرد وجود خطة من هذا النوع يشير إلى تحول في النموذج الاستراتيجي؛ إذ تدرس الحكومات الغربية استخدام الفضاء أداة لتجاوز الرقابة مباشرة وكسر احتكار شبكات الاتصالات الحكومية في أوقات الأزمات.

وإذا تولى البنتاغون، أو تحالف من الحكومات الداعمة لحرية الإنترنت، توفير التمويل والغطاء القانوني لمثل هذه العملية، فقد تتمكن ستارلينك، بالاستفادة من الإدارة المتقدمة للتداخلات أو استخدام ترددات خاصة، من إيصال اتصال حيوي مباشرة إلى ملايين الإيرانيين، حتى لو اقتصر على تبادل الرسائل النصية والأخبار.

ومن شأن خطوة كهذه أن تجعل أنظمة تصفية الإنترنت، التي تبلغ تكلفتها عشرات المليارات من الدولارات، عديمة الجدوى عمليا.

ماذا سيحدث؟

إن بدء التشغيل الرسمي لخدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك في العراق يتجاوز كونه مجرد تطور تجاري في الدولة المجاورة، ليشكل إنذارا جديا لبنية نظام تصفية الإنترنت واحتكار المعلومات في إيران.

فعلى المدى القصير، سيؤدي هذا التطور إلى تحويل العراق إلى مركز لوجستي للمعدات، ما يفتح الحدود الغربية لإيران أمام تدفق أكبر لأجهزة ستارلينك. وعلى الرغم من التجريم الصارم لامتلاك هذه المعدات وارتفاع أسعارها بصورة هائلة في السوق السوداء، فإن الطلب على تجاوز القيود سيظل قائما.

كما أن الحرب الإلكترونية وعمليات التشويش المتطورة، وإن أثبتت فعاليتها في بعض الفترات، بدأت تفقد جزءا من فاعليتها أمام القدرات الهندسية المتقدمة لهوائيات مصفوفات الطور والإمكانات البرمجية للشبكات الفضائية.

لكن التحول الأكبر والأكثر حسما يتمثل في تطور تقنية «الاتصال المباشر بالهاتف المحمول». فالانتقال من الأطباق الفضائية باهظة الثمن إلى الاتصال المباشر بين الهواتف الذكية والأقمار الصناعية من دون وسيط سيغير طبيعة السيطرة على المعلومات بصورة دائمة.

وفي عالم يؤدي فيه كل قمر صناعي دور برج اتصالات يصعب تدميره أو تصفية الإشارات الصادرة عنه، ستفقد الحدود الجغرافية والقواعد التقليدية للسيادة على الترددات جزءا من تأثيرها.

وستصبح الرقابة في مثل هذا العالم أكثر كلفة وتعقيدا، وأقل فاعلية في نهاية المطاف. فالسماء تتحول تدريجيا إلى مجال بلا حدود، والتكنولوجيا، عاجلا أم آجلا، ستفرض نفوذها على الجدران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى