صحيفة إيرانية تحذر: إهمال معيشة المواطنين يهدد الأمن الوطني أكثر من العدوان

مرّ نحو عام ونصف على اندلاع حربين ضاريتين في إيران، وخلال هذه الفترة تغيرت العديد من العوامل الحاسمة التي تحدد مسار الاقتصاد الوطني الإيراني مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ميدل ايست نيوز: مرّ نحو عام ونصف على اندلاع حربين ضاريتين في إيران، وخلال هذه الفترة تغيرت العديد من العوامل الحاسمة التي تحدد مسار الاقتصاد الوطني الإيراني مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

وكتبت صحيفة «اطلاعات» أن إيرادات صادرات النفط كانت تُستخدم في السابق، سواء بطريقة صحيحة أو خاطئة، لتغطية نفقات الموازنة الحكومية، فيما كانت الإيرادات غير النفطية تُخصص لتنفيذ مشروعات التنمية والإعمار. أما اليوم، فقد تراجعت مصادر الإيرادات هذه، وأصبحت النفقات الجارية والاستثمارية في البلاد تواجه ضغوطا شديدة.

من جهة أخرى، تعرضت بعض البنى التحتية المهمة والداعمة للصناعة لهجمات جوية، وتتطلب إعادة إعمارها وقتا طويلا ورؤوس أموال كبيرة. وبذلك، تضرر الإنتاج الذي يفترض أن يكون مصدرا لإيرادات البلاد، في وقت يفتقر فيه إلى الدعم المالي الكافي.

من المؤكد أن العديد من الحلول الاقتصادية المناسبة لظروف السلم لم تعد قابلة للتطبيق في الوضع الراهن. ولهذا، ينبغي إخضاع جميع الخطط والتطلعات التنموية لمتطلبات المرحلة الحربية. لكن التبسيط المفرط في تغيير مسار الإدارة الاقتصادية زاد مشكلات بيئة الأعمال تعقيدا وتفاقما.

ومنذ منتصف هذه المرحلة الحربية تحديدا، أدى تراجع قيمة العملة الوطنية وما نتج عنه من ارتفاع التضخم إلى ركود حاد في الأسواق، ما جعل عجلة الاقتصاد الوطني تواجه احتكاكات شديدة تعوق حركتها.

في ظل هذه الظروف، ينبغي تقديم حلول لتجاوز الحرب الاقتصادية، مع الإقرار بالحقائق وتجنب الممارسات السياسية التي تضر بالثقة الوطنية. ويتطلب حشد دعم المواطنين للتدابير الرامية إلى تجاوز الأزمة مصارحتهم بالواقع، وترتيب أولويات الإنفاق من الموازنة بالعملتين الأجنبية والمحلية في ظل محدودية الموارد الإيرادية.

ويرى معظم الخبراء الاقتصاديين، تقريبا، أنه لا توجد في الظروف الراهنة أولوية تتقدم على تأمين السلع الأساسية، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، ودعم المنشآت المنتجة للسلع المحورية في سلاسل الصناعة. كما أن ضمان حصول الصناعات على الطاقة اللازمة وتأمين رأس المال العامل للمنشآت يمثلان محورين آخرين من شأنهما الحفاظ على الطاقة الإنتاجية، ومنع تفاقم الركود، ومساعدة الأنشطة التجارية على العودة تدريجيا إلى دورة العمل.

ولتحقيق هذا الهدف، يأتي تشكيل هيئة قيادة عليا لإصلاح المسار الحالي لتدفق السيولة ووضع حد لأساليب المضاربة والوساطة في النظامين النقدي والمصرفي في مقدمة جميع الإجراءات التعويضية. إن مواصلة استنزاف الاحتياطيات المحدودة من العملات الأجنبية والعملة المحلية في نفقات تبدو مهمة ظاهريا، لكنها غير ضرورية في جوهرها وتؤدي إلى زيادة الفقر، لن تفضي إلا إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وتعميق تبعيته.

ينبغي أن ندرك أن الرأي العام، ولا سيما العاملين في القطاع الخاص من الفاعلين الاقتصاديين، يرى فجوة حادة بين التوجهات المعلنة للحكومة بشأن دعم المواطنين وأداء الأجهزة التنفيذية في مساعدتهم على تجاوز ظروف الحرب الاقتصادية.

إن التشدد غير المبرر من جانب الجهات التي تصدر مختلف تراخيص الأعمال، إلى جانب اللوائح المتضاربة وسلوك المؤسسات المسؤولة الذي يفتقر إلى التنسيق، يعزز لدى المواطنين الاعتقاد بوجود هذه الازدواجية. ومن المؤسف أنه لا توجد آذان صاغية لمواجهة هذا «المحرك المولّد للسخط» في البلاد.

ويقول المواطنون إن تعزيز القدرة الشرائية للأسر خلال الأشهر الستة الماضية لم يتجاوز حدود الشعارات في تصريحات المسؤولين الحكوميين، وإن إجراءات من قبيل طرح السلع بمعدل تضخم صفري، حتى في عدد محدود من متاجر العاصمة، لا تكفي لتعويض الأضرار التي ألحقتها الحرب بالمعيشة الوطنية.

وفي غضون ذلك، وبينما ينصب التركيز بالكامل على ارتفاع أسعار السلع، من دون اتخاذ خطوات ملموسة لاستعادة القدرة الشرائية للمواطنين، يغيب عن اهتمام المسؤولين الارتفاع المقلق في أسعار الخدمات المرتبطة بها، لتتراجع قدرة المواطنين على تحمل الزيادة في نفقات الأسر إلى أدنى مستوياتها.

وتعود معظم هذه المشكلات إلى غياب التعبئة الاقتصادية المطلوبة في المؤسسات المسؤولة، وإهمال الأولويات الاقتصادية التي تفرضها ظروف الحرب. وما لم نعترف بأن البلاد تخوض حربا شاملة ومتعددة الأبعاد من دون إيرادات كافية لإدارتها، فلن نتمكن من تعديل التوقعات العامة أو توظيف الموارد المتبقية في الأولويات الأكثر فاعلية.

والأسوأ من ذلك أن بعض أصحاب المنابر الإعلامية والسياسية اختاروا، في هذه الظروف الصعبة، ارتداء ثوب المعركة الحزبية بدلا من دعم التعبئة المطلوبة لإدارة الاقتصاد في زمن الحرب، مستغلين كل فرصة لتشويه خصومهم والترويج الانتخابي لأنفسهم. ولا تؤدي هذه الممارسات إلا إلى رفع تكلفة الإنتاج الوطني وزيادة الضغوط على معيشة المواطنين.

حان الوقت للتحذير من أن التقاعس عن التعامل بجدية مع دعم الإنتاج ومعيشة المواطنين خلال الحرب سيلحق ضررا بالأمن الوطني واستقرار النظام السياسي بوتيرة أسرع من الأضرار التي يمكن أن تلحقها العمليات العسكرية للعدو!

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى