الصحافة الإيرانية: ماذا يخفي خطاب “علييف” الأخير بشأن تركيا وإسرائيل؟
تكتسب الرسالة الضمنية لهذا الموقف أهمية خاصة، إذ لا يمكن ببساطة اعتبار أي طرف خارجي، حتى لو كان حليفاً وثيقاً، صاحب الفضل السياسي في نجاح أذربيجان.
ميدل ايست نيوز: قدّم الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، خلال المؤتمر الثامن لحزب «أذربيجان الجديدة» في باكو في 2 أكتوبر/تشرين الأول، رواية غير مألوفة وصريحة لما وصفه بـ«الأمن الأيديولوجي» لأذربيجان. وقال إن أهمية هذا المفهوم لا تقل عن أهمية الأمن المادي، لأن التهديدات الأيديولوجية يمكن أن تتجاوز الحدود عبر الإنترنت والهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي.
تقول صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير لها، إن علييف أكد أن أذربيجان لا تحتاج إلى أي «مساعدة أو دعم خارجي»، مضيفاً أن على الدول الأخرى عدم التدخل في الشؤون الداخلية لباكو أو إملاء الطريقة التي ينبغي لها أن تعيش بها. وبحسب موقع «ذا كريدل»، لم يسمِّ علييف تركيا مباشرةً بوصفها مصدر أي تهديد. لكن تصريحاته جاءت في ظل انتقادات من أوساط سياسية وإعلامية تركية للسياسات الداخلية الأذربيجانية، ولا سيما طريقة التعامل مع الطالبات المحجبات.
وفي 26 سبتمبر/أيلول، اتهم «مجلس الإعلام والبث الأذربيجاني» جهات لم يسمّها بشن حملة ضد البلاد في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي التركية. وقد أضفى هذا التطور بُعداً جديداً على الشعار الشهير «شعب واحد ودولتان». فالتقارب السياسي لم يُلغِ يوماً الاختلاف في المصالح الوطنية.
ويرى محللون أن خطاب علييف يمثل محاولة لإعادة ضبط العلاقات وإعادة تعريفها، لا قطيعة معها. فأذربيجان لا تعتزم التخلي عن شراكتها العسكرية والاقتصادية والثقافية مع تركيا، لكنها تريد توضيح أن الروابط القومية لا تمنح أنقرة أي حق في التدخل في السياسة الداخلية الأذربيجانية.
ويفسّر الباحث في العلاقات التركية الروسية هازل يالين الخطاب على أنه موجّه إلى حد كبير إلى حكومة رجب طيب أردوغان. كما يستخلص المحلل التركي آيدين سيزر منه رسالة دبلوماسية غير مباشرة، قائلاً إن علييف خاطب عدة أطراف، من بينها الغرب وأرمينيا وروسيا، لكن أنقرة ربما كانت من أبرز الجهات المقصودة بهذه الرسالة.
ويتمثل السياق المباشر لهذا التوتر في الخلاف بشأن الدين في المدارس الأذربيجانية. فقد حظرت تعديلات أُدخلت في سبتمبر/أيلول على لوائح الزي المدرسي الحكومي ارتداء إضافات تتعارض مع التعليم العلماني. ولم يرد ذكر الحجاب صراحةً في القرار، لكن تقارير عن منع طالبات محجبات من دخول الصفوف أثارت احتجاجات منتقدين أتراك.
وخلال المؤتمر، شدد علييف على أن أذربيجان تحركت بمفردها، ودفعت ثمن أسلحتها، وحققت النصر من دون الاعتماد على داعم خارجي. وهذه هي الرواية السياسية التي يقدمها عن الحرب، لكن لا ينبغي تفسيرها على أنها إنكار لدور الدعم التركي.
وبالنسبة إلى علييف، يشكل الانتصار العسكري جزءاً من مشروع أطول أمداً لبناء الدولة. فقد عرض استقلال أذربيجان، وقدرتها الاقتصادية، وقوتها العسكرية، واعتمادها على إمكاناتها الداخلية بوصفها ركائز لاستدامة حكمه.
وتكتسب الرسالة الضمنية لهذا الموقف أهمية خاصة، إذ لا يمكن ببساطة اعتبار أي طرف خارجي، حتى لو كان حليفاً وثيقاً، صاحب الفضل السياسي في نجاح أذربيجان. ويرى خبراء أن باكو لم تعد ترغب في أن تُعامل بوصفها شريكاً أدنى مرتبة وتابعاً لتركيا.
ويعتقد يالين أن محاولة الانقلاب الفاشلة عام 1995 ضد حيدر علييف، والد إلهام، تركت تحذيراً راسخاً بشأن العواقب المحتملة للأنشطة السياسية المرتبطة بتركيا. وإلى جانب ذلك، بات علييف اليوم أكثر ثقة بقدرته على ممارسة نفوذ سياسي مستقل في أنحاء المنطقة.
وتتمتع باكو حالياً بثقل عسكري واقتصادي أكبر مما كانت عليه في مطلع الألفية. فقد وسّعت شركة النفط الوطنية الأذربيجانية «سوكار» نطاق حضور البلاد في قطاع الطاقة، وأقامت باكو روابط وثيقة مع إسرائيل، وشراكات استراتيجية مع الصين والولايات المتحدة، فضلاً عن مكانة بارزة داخل «منظمة الدول التركية». وتمنح هذه العلاقات أذربيجان هامشاً أوسع للمناورة.
وتشكّل علاقة أذربيجان بإسرائيل مصدر ضغط إضافياً على هذا التحالف. ففي حين أدانت أنقرة الحرب الإسرائيلية على غزة، حافظت باكو على روابط أمنية وطاقوية وثيقة مع تل أبيب. وتشكل الأسلحة الإسرائيلية جزءاً مهماً من الترسانة العسكرية الأذربيجانية، كما يستمر وصول النفط الخام الأذربيجاني إلى إسرائيل عبر ميناء جيهان التركي.
ومع ذلك، لا يرى بعض المحللين أن الخلافات بين أنقرة وباكو بلغت من العمق حداً يهدد أساس التحالف. في المقابل، يعتقد آخرون أن ثقة علييف المتزايدة تستند جزئياً إلى الدعم الإسرائيلي، ويرى هؤلاء أنه إذا اضطرت باكو إلى الاختيار بين أنقرة وتل أبيب، فستختار إسرائيل.
ويرى محللون أن علييف أراد من خلال خطابه إرسال إشارة إلى تركيا مفادها أن أذربيجان حليف رئيسي لإسرائيل، وأن على أنقرة تخفيف لهجتها تجاه تل أبيب والامتناع عن اتخاذ مواقف حادة ضدها.
ويعتبر يالين أن إشارات علييف إلى إنتاج النفط الأذربيجاني وبيعه جاءت رداً على الانتقادات الموجهة إلى تجارة بلاده مع إسرائيل. كما استغل علييف المؤتمر لوصف الصين والولايات المتحدة بأنهما القوتان العظميان في العالم، مؤكداً الشراكات الاستراتيجية التي تربط أذربيجان بكلتيهما.



