العقيدة الأمنية الجديدة ــ والمرعبة ــ لإسرائيل كما يرويها تامير هايمان

في مقال لافت نشره رئيس أحد أبرز مراكز الأبحاث الإسرائيلية، يعرض اللواء تامير هايمان واقع العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل.

ميدل ايست نيوز: في مقال لافت نشره رئيس أحد أبرز مراكز الأبحاث الإسرائيلية، يعرض اللواء تامير هايمان واقع العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل.

وذكر المحلل الأمريكي الإيراني تريتا بارسي في مقال بموقعه بعض المبادئ الأساسية التي يتناولها:

1. الولايات المتحدة «قوة آخذة في التراجع»، وبالنظر إلى التحولات الاجتماعية والسياسية المستمرة فيها، فإنها ستتخلى عن إسرائيل عاجلا أم آجلا على أي حال. وهذا يدفع إسرائيل إلى التوجه نحو مزيد من الاعتماد على الذات لتجنب «الاعتماد المفرط» على الولايات المتحدة، لأن ذلك «يعرّض إسرائيل لتأثير منظومة قيم أميركية تقدمية لا تتوافق مع طابع إسرائيل اليهودي».

ثم يخلص إلى القول: «إن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة ليس أمرا حتميا فحسب، بل هو ضروري لاستقلال إسرائيل وصمود هويتها القومية اليهودية».

2. أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية: تتقدم الهوية اليهودية للدولة على نظام الحكم الديمقراطي فيها.

3. السلام وسيلة وليس غاية: «لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام ذي مغزى في الشرق الأوسط، إذ إن اتفاقات السلام ليست سوى ترتيبات تقنية ومؤقتة تتطلب إعادة تقييم مستمرة. ووفقا لهذا التصور، ليس السلام قيمة قائمة بذاتها تولّد الأمن، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى».

4. «رفض الوجود المستقل للدول العربية»: تنطلق هذه الرؤية من افتراض أن معظم الدول العربية ليست دولا قومية حقيقية، بل تجمعات من القبائل والجماعات العرقية التي تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية جامعة. وبناء على ذلك، يُنظر إلى تقويض استقرار هذه الدول باعتباره عملية طبيعية تستطيع إسرائيل إدارتها بفاعلية أكبر من قدرتها على التعامل مع دول قومية قوية، بل ينبغي لها حتى أن تشجعها.

5. «الحرب بوصفها حالة تأسيسية للدولة»: تُعد الحرب ضرورة للأمن القومي، ولا يمكن استبدال حالة السلام بها، إذ إن السلام، كما سبقت الإشارة، مجرد وسيلة وليس غاية. ويضيف هذا التصور أن الحرب ضرورية، وأن الحرب الوقائية أفضل لأنها تضمن تحقيق إنجاز مهم منذ البداية.

6. «الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على حساب الدفاع»: يُنظر إلى الضربات الاستباقية والمباغتة باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق النصر، ما يمنح الهجوم الأولوية على الدفاع.

وهناك المزيد.

من المهم الإشارة إلى أن هايمان لا يدعو إلى تبني هذه المبادئ، بل يرى أنها أصبحت بالفعل العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل.

إنه يصف الواقع كما يراه. وهذا الواقع لا يتوافق ببساطة مع تحالف الولايات المتحدة أو الدول الغربية مع إسرائيل، إلا إذا تحوّل الغرب إلى كيان مماثل يتعامل مع الحرب باعتبارها حالة دائمة.

***

وفيما يلي نص مقال هايمن كما نشره موقع مركز INSS الإسرائيلي:

مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عند نقطة تحوّل تستدعي التوضيح. فمنذ 7 أكتوبر 2023، بات واضحا أن السياسة الأمنية الإسرائيلية تستند عمليا إلى مفهوم أمني جديد، وليس إلى العقيدة الأمنية غير المكتوبة التي تبلورت على مدى عقود. ورغم عيوب المفهوم السابق، فإنه ساعد إسرائيل على التحول إلى قوة إقليمية مزدهرة. وربما كان تطبيقه على النحو الصحيح سيحول دون الإخفاق الهائل الذي وقع في 7 أكتوبر، لكن تحديد ذلك من اختصاص لجنة تحقيق رسمية. ولم يُصَغ المفهوم الجديد رسميا أو يُعرض على الجمهور، كما لم يُحدَّد بصورة ملزمة داخل المؤسسة الأمنية. ومع ذلك، فإن مبادئه توجه القرارات عمليا وتحدد نهج إسرائيل في التعامل مع قضايا الأمن.

من المهم التمييز بين ثلاثة مفاهيم هرمية هي «الهوية الوطنية» و«المفهوم الأمني» و«السياسة الأمنية». يستمد المفهوم الأمني شرعيته من الهوية الوطنية للدولة ودستورها، إن وُجد، ومن إرثها التأسيسي. وهو إطار فكري مستقر نسبيا، لا يُفترض أن يتغير من حكومة إلى أخرى. أما السياسة الأمنية القومية، فتخضع للمفهوم الأمني وتمثل تطبيقه العملي وفقا لأيديولوجيا الحكومة المعنية واعتباراتها السياسية. وبناء على هذا التدرج، فإن حدوث تغيير عميق في المفهوم الأمني، الذي يمثل الحلقة الوسطى، يشير إلى تحول أعمق في الهوية الوطنية للدولة، وفي الوقت نفسه يوجّه سياستها الأمنية العملية. ولذلك، يستدعي هذا التحول دراسة نقدية معمقة.

تقدم هذه المقالة أساسا لنقاش عام ومهني. ولا يقتصر هدفها على دراسة المفهوم الأمني من منظور عسكري وأمني، بل يتمثل في الكشف عن تحول ربما يكون أكثر جوهرية، وهو التغيير في الهوية الوطنية الإسرائيلية. وتسعى إلى إثارة التفكير والإجابة عن سؤال: من نحن بعد 7 أكتوبر 2023؟ ولهذا الغرض، تكشف المبادئ التي تقوم عليها السياسة الأمنية الجديدة، وتطرح أسئلة تستهدف تحفيز النقاش الفكري والأكاديمي بشأن دلالات التحول العميق الذي تعكسه هذه المبادئ.

مبادئ المفهوم «الجديد» الناشئ

يمكن استنتاج المبادئ التالية من السياسة الأمنية التي يجري تطبيقها حاليا، وهي تمثل قراءة نظرية ذاتية:

1. أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية

تتقدم الهوية اليهودية للدولة على نظام الحكم الديمقراطي فيها. ويهدف هذا الترتيب إلى ضمان استمرار إسرائيل دولة يهودية، حتى على حساب تآكل قيمها الديمقراطية. وتستند الهوية اليهودية للدولة إلى أسس عرقية ودينية وقومية، ويُحافَظ عليها من خلال استلهام الروح والتقاليد اليهودية. ويقتضي هذا المبدأ الحفاظ على أولوية الهوية اليهودية على الهويات القومية الأخرى، مثل الهوية العربية الإسلامية أو المسيحية.

2. السلام وسيلة وليس غاية

يقوم الافتراض الأساسي على أن أي تفاهم مع أطراف عربية مؤقت ومضلل. ومن ثم، فإن السعي إلى السلام يعني تكرار خطأ «الكونسبتسيا»، أي التصور السائد الذي يُعد أحد الأسباب الرئيسية لكارثة 7 أكتوبر.

ووفقا لهذا التصور، لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام ذي مغزى في الشرق الأوسط، لأن اتفاقات السلام ليست سوى ترتيبات تقنية ومؤقتة تتطلب إعادة تقييم مستمرة. فالسلام ليس قيمة قائمة بذاتها تولّد الأمن، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى. وعلى الصعيد السياسي، يُنظر إلى «السلام» باعتباره مفهوما ساذجا يمثل معسكر السلام اليساري، في مقابل «الأمن» الذي يمثل معسكر اليمين.

3. رفض الوجود المستقل للدول العربية

ينطلق هذا المبدأ من افتراض أن معظم الدول العربية ليست دولا قومية حقيقية، بل تجمعات من القبائل والجماعات العرقية التي تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية. وبناء على ذلك، يُنظر إلى تقويض استقرارها باعتباره عملية طبيعية تستطيع إسرائيل إدارتها بفاعلية أكبر من قدرتها على التعامل مع دول قومية قوية، بل ينبغي لها أن تشجعها أيضا.

4. الحرب بوصفها حالة تأسيسية للدولة

تُعد الحرب ضرورة للأمن القومي، ولا يمكن استبدال حالة السلام بها، لأن السلام، كما سبقت الإشارة، مجرد وسيلة وليس غاية. ووفق هذا التصور، فإن «الصمت عار»، ولذلك فإن السعي إليه يعبر عن الضعف. كما أن التعامل مع الحرب باعتبارها شرا لا بد من تجنبه، إلى جانب السعي لعقود إلى التفاهمات والسلام، يمثلان أساس الخطأ الذي أدى إلى أحداث 7 أكتوبر.

الحرب ضرورية، والحرب الوقائية أفضل لأنها تضمن تحقيق إنجاز مهم منذ البداية. وقد تختلف حدتها بحسب الظروف، لكن استمرارها يمثل رصيدا للأمن القومي.

5. الاعتماد على الذات وقطع التبعية للولايات المتحدة

يستند الأمن القومي الإسرائيلي حصرا إلى القدرات الذاتية، ولا يحتاج إلى دعم قوة عظمى بعينها. وعلى الرغم من أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة، فإنها تقوم حصرا على المصالح.

كذلك، فإن الالتزام المفرط بالقيود التي تفرضها إدارة أميركية على إسرائيل أمر خطير؛ فالولايات المتحدة «قوة آخذة في التراجع»، وبالنظر إلى تحولاتِها الاجتماعية والسياسية المستمرة، فإنها ستتخلى عن إسرائيل عاجلا أم آجلا على أي حال. كما أن الاعتماد المفرط عليها يعرّض إسرائيل لتأثير منظومة قيم أميركية تقدمية لا تتوافق مع طابعها اليهودي. ولذلك، فإن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة ليس أمرا حتميا فحسب، بل ضروري لاستقلال إسرائيل وصمود هويتها القومية اليهودية.

6. الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على حساب الدفاع

تُعد الضربات الاستباقية والمباغتة، وفقا لهذا التصور، السبيل الوحيد لتحقيق النصر، ما يمنح الهجوم الأولوية على الدفاع. وإذا كانت إسرائيل عاجزة عن التصدي لهجوم مفاجئ أو ضمان الإنذار المبكر الموثوق، فإن الاستنتاج الوحيد هو ضرورة اتباع سياسة استباقية تقوم على الضربات والحروب الوقائية.

7. الدفاع المتقدم

عندما يتعذر تنفيذ ضربة مضادة استباقية، أو تكون هناك حاجة إلى وقت للتحضير للهجوم، يصبح إنشاء مناطق دفاع متقدم، حيثما أمكن، أمرا بالغ الأهمية. وتوفر هذه المناطق دفاعا متعدد الطبقات في مواجهة الجيوش الإرهابية التي تزعزع استقرار الدول التي تستضيفها وتضعفها مقارنة بإسرائيل.

وتتيح هذه المناطق نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن. ولا يوجد، وفق هذا التصور، تناقض بين الدفاع المتقدم والمبادرة الهجومية، لأن الأول يمثل عمليا هجوما مؤجلا، ويشكل عنصرا بنيويا من عناصر الهجوم.

8. ترسيخ واقع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باعتباره صراعا إسرائيليا عربيا دائما

وفقا لهذا المفهوم، فإن وجود حركة وطنية فلسطينية ليس سوى سردية غربية زائفة، متجذرة في الشعور بالذنب الناجم عن الاستعمار. ويُنظر إلى النضال الفلسطيني ضد إسرائيل وتجددِه دوريا باعتبارهما محاولة عربية أخرى لمحاربة دولة إسرائيل وتدميرها.

وعمليا، يشكل عمق الصراع مع الفلسطينيين وعدم اعترافهم بإسرائيل دولة يهودية أساس الاعتقاد باستحالة التوصل إلى حل. ويؤدي ذلك إلى معارضة مبدئية لأي فصل سياسي أو جغرافي أو أمني بين إسرائيل وكيان فلسطيني، وكذلك إلى رفض إقامة دولة فلسطينية.

ووفقا لهذا التصور، يتحقق الأمن من خلال توسيع الاستيطان في جميع أنحاء أراضي الدولة، داخل «الخط الأخضر» وخارجه، وهو خط يُنظر إليه باعتباره وهميا. أما السكان العرب في أرض إسرائيل الذين يختارون البقاء داخل الدولة اليهودية، فسيُمنحون حقوق الإقامة والحكم المحلي الذاتي.

9. الاستيطان والمدنيون عنصران أساسيان في الأمن

يمثل هذا المبدأ عودة إلى المبادئ الأمنية التي سادت في عهد «الييشوف»، أي فترة ما قبل قيام الدولة، حين تحقق الأمن من خلال الاستيطان في أراضٍ جرى شراؤها قانونيا، وكانت قوات الدفاع لامركزية وتعتمد على الدفاع المحلي الذي يتولاه مدنيون منظمون في تشكيلات شبه عسكرية تطوعية، هي الميليشيات السرية.

وبالمفهوم المعاصر، لا يُعد الأمن مسؤولية حصرية للقوات الأمنية، بل يشكل المدنيون جزءا من شبكة الدفاع. ويتحقق ذلك من خلال إنشاء تجمعات سكنية وبؤر استيطانية في مناطق الاحتكاك مع السكان العرب، في يهودا والسامرة، وكذلك في المناطق الأمنية داخل سوريا ولبنان وقطاع غزة.

ويتطلب هذا الانتشار من الجيش الإسرائيلي تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع المتقدم عمليا، كما يسهم في زعزعة استقرار الدول العربية «الاصطناعية».

10. إعطاء الأولوية للاستقلال الصناعي الدفاعي

يعاني الاقتصاد الدفاعي الإسرائيلي من هشاشة كبيرة أمام اضطرابات سلاسل الإمداد الطويلة. ولذلك، ينبغي إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي والاستثمار في قطاع التكنولوجيا الدفاعية، بما يشمل الصناعات العسكرية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، على حساب القطاعات الأخرى.

ويُنظر إلى البحث العلمي الداعم للتكنولوجيا باعتباره أمرا بالغ الأهمية، لكن ينبغي تطويره بصورة مستقلة، لا من خلال أطر التعاون الدولي مثل برنامج «هورايزون».

أسئلة نقدية: مواجهة المبادئ التأسيسية للمفهوم الأمني الإسرائيلي التقليدي

ينبغي التأكيد أن المفهوم الأمني «الجديد» ظهر في سياق صدمة وطنية وتجدد الشعور بالتهديد عقب 7 أكتوبر. وتستدعي هذه الصدمة إجراء تغييرات وإعادة صياغة بعض جوانب المفهوم الأمني. ومع ذلك، إذا كانت المبادئ المذكورة تمثل بالفعل المفهوم الجديد، فإنها تكشف عن تناقض عميق وجوهري مع المبادئ التأسيسية للمفهوم الأمني الإسرائيلي التقليدي.

ولا تكمن أهمية نقطة التحول هذه في صياغة مفهوم أمني جديد فحسب، بل في أنها تعكس تحولا أساسيا في الهوية الوطنية الإسرائيلية التي تطورت منذ تأسيس الدولة.

وفيما يلي أبرز جوانب هذا التحول، التي تستدعي دلالاتها وتداعياتها النقاش والدراسة:

1. دولة اليهود أم دولة لليهود؟

المبدأ التقليدي: عرّف إعلان الاستقلال إسرائيل دولة يهودية ملتزمة بمبادئ الديمقراطية الليبرالية، وإن لم يستخدم هذا المصطلح صراحة. ونص على التزام الدولة بمبادئ «الحرية والعدالة والسلام». ويتجلى طابعها اليهودي في إقامة وطن قومي للشعب اليهودي، بينما تستمد طبيعتها الأخلاقية والديمقراطية من القيم اليهودية، بما فيها المساواة أمام القانون والسعي إلى الأخلاق والعدالة بروح رؤية أنبياء إسرائيل.

ويحدد الطابع اليهودي هوية الدولة، بما في ذلك التزامها «بالمساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها، دون تمييز في الدين أو العرق أو الجنس». وبعبارة أخرى، ليست إسرائيل دولة ثيوقراطية يحكمها قانون ديني يرمي إلى تكريس «التفوق اليهودي» على الأديان الأخرى، بل دولة لليهود، يفترض أن تكون منارة أخلاقية للعالم.

السؤال النقدي: ما التداعيات العملية طويلة الأمد لاعتماد المصادر الدينية، بدلا من الاعتبارات المدنية والديمقراطية، إطارا لتحديد الأولويات الأمنية؟ وهل يمكن لسياسة تسعى إلى تقييد الحقوق المدنية للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون نحو خُمس السكان، أن تنسجم مع تعريف إسرائيل بأنها دولة «يهودية وديمقراطية»، و«منارة للأمم» يسهم وجودها في «تيكون عولام»، أي إصلاح العالم؟

وما التداعيات الدولية لتآكل الهوية العلمانية الليبرالية للدولة وتراجع التزامها بالمساواة أمام القانون؟

2. السلام مرحلة مؤقتة لا هدف استراتيجي

المبدأ التقليدي: لطالما عرّفت إسرائيل نفسها دولة تسعى إلى التفاهمات واتفاقات السلام. ووفقا لإعلان الاستقلال، تمد يد السلام وحسن الجوار إلى دول المنطقة، استنادا إلى «الحرية والعدالة والسلام». وأكد مؤسسو الدولة، من مختلف التيارات السياسية، مرارا أن السلام مفتاح الازدهار وعنصر أساسي في العلاقات الخارجية لإسرائيل ومكانتها الدولية، كما أنه يميزها عن الدول العربية.

السؤال النقدي: ما الثمن الاستراتيجي والأخلاقي لمفهوم أمني يعتبر اتفاقات السلام «كونسبتسيا»، أي وهما خاطئا ينبغي عدم الوثوق به من الأساس، بدلا من اعتبارها رصيدا استراتيجيا يتيح للدولة الازدهار ويستحق الحفاظ عليه؟

وهل يؤدي التعامل مع السلام باعتباره أمرا مؤقتا بطبيعته إلى نبوءة تحقق ذاتها، تقوض أمن إسرائيل على المدى الطويل؟ وما انعكاسات هذا المفهوم على السياسة الخارجية الإسرائيلية ومكانتها الدولية، في ظل تعارضه المباشر مع المبادئ الأساسية للعالم الغربي الليبرالي؟

وإذا أصبح هذا التصور أساسا للمفهوم الأمني، فكيف ستواجه إسرائيل خطر الهجرة إلى الخارج، بما في ذلك نزيف العقول على نطاق يهدد اقتصادها وتماسك مجتمعها وجودته؟

3. الازدهار «بين الحروب» لدى دافيد بن غوريون أم الحرب الدائمة؟

المبدأ التقليدي: تُبنى الدولة خلال فترات الهدوء بين الحروب، بينما تُعد الحرب حالة استثنائية وقصيرة ومؤقتة، تستخدم خلالها الدولة الموارد التي راكمتها في أوقات السلم. وتتيح فترات الهدوء الطويلة التنمية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.

السؤال النقدي: ماذا يحدث لمجتمع الدولة الديمقراطية واقتصادها وثقافتها عندما تصبح الحرب الطويلة أمرا طبيعيا بدلا من أن تكون استثناء مؤقتا؟ وهل يتوافق هذا الوضع مع قدرة الدولة على التطور والازدهار، وفقا لرؤية مؤسسيها؟

4. الردع والإنذار المبكر لإدارة المخاطر أم الحرب الاستباقية الدائمة؟

المبدأ التقليدي: شكّل الجمع بين الردع والإنذار المبكر أحد أعمدة المفهوم الأمني الإسرائيلي، بوصفهما أداتين لإدارة المخاطر في بيئة معادية دون اللجوء المستمر إلى استخدام القوة.

السؤال النقدي: ماذا يحدث لدولة تتخلى عن خيارات الردع والإنذار المبكر والدفاع اللاحق، التي يجسدها الشعار العسكري المعروف: «حتى لو فوجئنا، فلن نُهزم»؟ وما النتائج العملية للاعتماد على المبادرة الهجومية المستمرة بوصفها استراتيجية افتراضية؟

هل يمكن لأي استراتيجية الاستغناء عن إدارة المخاطر؟ وهل يؤدي غياب هذه الإدارة إلى جعل إسرائيل، أو أي دولة أخرى، أكثر أمنا؟ وما التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتخلي عنها؟

5. «الجنود قبل المدنيين» وحرمة الحياة المدنية أم المدنيون بوصفهم «الدرع الحقيقي»؟

المبدأ التقليدي: منذ تأسيس الجيش الإسرائيلي، كان من المبادئ الأساسية أن يتحمل الجنود، لا المدنيون، عبء الدفاع على خطوط المواجهة، بالتوازي مع الالتزام بحرمة حياة المدنيين وتقليل تعرضهم للقتال. ويتولى الجيش الدفاع عن حدود الدولة وحماية المزارعين الذين يحرثون أراضيهم حتى آخر خط، وليس المحراث أو المزارع في الكيبوتس أو الموشاف.

السؤال النقدي: أليس وضع المدنيين، بمن فيهم سكان البؤر الاستيطانية والمستوطنات، في موقع «الدرع» في الخطوط الأمامية، قلبا فعليا لأولويات الدولة القوية ذات السيادة، التي تضع الجنود قبل المدنيين؟ ألا يؤدي ذلك إلى تعريض غير المقاتلين للمخاطر نفسها التي سعى الجيش الإسرائيلي إلى حمايتهم منها؟

وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى وضع حدود إسرائيل؟ ينبغي أن يتحدد هيكل القوات ومفهوم الدفاع في الدولة وفقا لحدود معترف بها بموجب القانون الدولي ومثبتة في الاتفاقات. فما التداعيات الاقتصادية والأمنية والدولية للتخلي عن حدود محددة لصالح مناطق دفاع مرنة وغير واضحة المعالم؟ وما المفهوم الدفاعي الملائم لمثل هذا الواقع؟

6. دعم القوى العظمى والاعتماد العالمي أم الاستقلال الاقتصادي والأمني الكامل؟

المبدأ التقليدي: نظرا إلى صغر مساحة إسرائيل الجغرافية، ومحدودية مواردها الطبيعية، واعتمادها الكبير على شبكات التجارة والعلوم والتكنولوجيا العالمية، أدركت المؤسسة الدفاعية منذ وقت طويل حاجتها إلى دعم قوة عظمى. ولا تستطيع إسرائيل إقامة اقتصاد دفاعي مكتفٍ ذاتيا ومنعزل عن العالم؛ فمن دون دعم قوة عظمى، تظل معرضة لمخاطر دولية جسيمة.

السؤال النقدي: ما تداعيات غياب دعم القوى العظمى والعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة؟ وهل تكفي علاقة مع واشنطن تقوم حصرا على المصالح والاعتبارات التجارية والاقتصادية؟

وكيف يؤثر هذا النهج في مكانة إسرائيل الإقليمية؟ وهل من الممكن اقتصاديا لدولة صغيرة تعتمد على التجارة ومحدودة الموارد الطبيعية أن تفصل علومها وصناعاتها الدفاعية عن أطر التعاون الدولي؟ أم أن ذلك ينطوي على خطر الركود التكنولوجي والعزلة الدبلوماسية، في وقت أصبحت فيه الشراكات الاستراتيجية أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

الخلاصة

إن المفهوم الأمني «الجديد» الموصوف أعلاه، رغم عدم تثبيته في وثيقة رسمية أو إقراره عبر إجراء رسمي، هو الذي وجّه فعليا جوانب أساسية من السياسة الأمنية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.

وتنبع قوة تأثيره الكبيرة تحديدا من كونه مفهوما غير مكتوب تكشف عنه الممارسات، وليس سياسة معلنة للحكومة. ولذلك، من الضروري صياغته بوضوح وإخضاع تفاصيله وتداعياته للنقاش العام. عندها فقط يمكن تحديد ما إذا كان يمثل تكيّفا ضروريا مع الواقع الأمني الراهن والمقبل، أم تعبيرا عن تحول جوهري غير خاضع للمساءلة في هوية الدولة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى