صلاحية 23 عاما تنتهي بحكم قضائي: عودة «أمن الدولة» من أربيل إلى بغداد

أعادت المحكمة الاتحادية رسم حدود الصلاحيات بين بغداد وأربيل بإبطالها قانون الإقليم رقم (21) لسنة 2003، الذي أوقف لـ23 عاماً العمل بمواد أمن الدولة.

ميدل ايست نيوز: أعادت المحكمة الاتحادية رسم حدود الصلاحيات بين بغداد وأربيل بإبطالها قانون الإقليم رقم (21) لسنة 2003، الذي أوقف لـ23 عاماً العمل بمواد أمن الدولة. وبينما أكد خبراء قانونيون استناد الحكم إلى الاختصاصات الحصرية لبغداد في السياسة الأمنية، رجحوا أن يفتح القرار الباب أمام طعون جديدة تطال تشريعات أخرى للإقليم.

حكم حصري

ويقول الخبير القانوني بيرو ياسين ميرعزيز، إن “حكم المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون إقليم كردستان رقم (21) لسنة 2003 استند إلى مخالفته المادتين (110) و(121/ثانياً) من الدستور العراقي، بعدما عطل القانون مواد من قانون العقوبات تتعلق بأمن الدولة الداخلي والخارجي، متجاوزاً بذلك الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية”.

ويضيف، أن “اقتصار الحكم على هذا التشريع يعود إلى كونه موضوع الدعوى القضائية المرقمة (62/اتحادية/2026)”، مبيناً أن “المحكمة الاتحادية تفصل في الطعون المقدمة إليها، ولا تبادر إلى إبطال القوانين من تلقاء نفسها، ولذلك جاء قرارها محصوراً بالقانون المطعون فيه”.

ويشير إلى أن “المحكمة سبق أن أبطلت تشريعات أخرى صادرة عن إقليم كردستان، من بينها قانون النفط والغاز لسنة 2007 وقانون تمديد عمل البرلمان لسنة 2022″، معتبراً أن “هذه السوابق تؤكد خضوع التشريعات الإقليمية للرقابة الدستورية عند الطعن بها”.

ويبين ميرعزيز، أن “المادة (110) حددت الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، ومن بينها السياسة الخارجية والدفاع والأمن الوطني والسياسة المالية والنقدية، فضلاً عن إدارة النفط والغاز وفق تفسيره، فيما تمنح المادة (121) الأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وحق تعديل تطبيق القوانين الاتحادية عند تعارضها مع قوانين الإقليم، بشرط ألا تتعلق المسألة باختصاص اتحادي حصري”.

وأصدرت المحكمة الاتحادية العليا، أمس الثلاثاء، حكماً بعدم دستورية قانون إقليم كردستان رقم (21) لسنة 2003، خلال جلسة ترأسها القاضي منذر إبراهيم حسين، بحضور أعضاء المحكمة كافة.

وبحسب بيان للمحكمة الاتحادية العليا فإن الحكم استند إلى مخالفة القانون أحكام المادتين (110) و(121/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، بسبب إيقاف العمل بمواد من قانون العقوبات تتعلق بالجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي.

وأوضح البيان، أن الحكم صدر استناداً إلى المادتين (93) و(94) من الدستور، والمادتين (4) و(5/ثانياً) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 المعدل، مؤكداً أنه بات وملزماً للسلطات كافة، وأفهم علناً في 13 تشرين الأول 2026.

طعون جديدة

وفي شأن التداعيات المستقبلية، يرجح ميرعزيز أن ”يفتح الحكم الباب أمام طعون دستورية جديدة ضد تشريعات إقليم كردستان، مع إمكانية لجوء الحكومة الاتحادية إلى القضاء للطعن بقوانين أخرى تراها مخالفة للدستور، ولا سيما في المجالات المرتبطة بصلاحياتها الحصرية”.

ويعتبر، أن “هذه الرقابة تستند إلى مبدأ سمو الدستور الاتحادي المنصوص عليه في المادة (13/ثانياً)، إلى جانب أحكام المادة (121/أولاً)”، مؤكداً أن “الحماية الدستورية الممنوحة للإقليم ليست مطلقة، وإنما ترتبط بالتزامه حدود صلاحياته”.

في عام 1969، صدر قانون العقوبات العراقي رقم (111)، متضمناً مواد تنظم الجرائم المتعلقة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، فضلاً عن الجرائم الماسة بسلطة الحكومة العامة.

وفي عام 2003، شرع برلمان إقليم كردستان القانون رقم (21)، الذي أوقف العمل بعدد من تلك المواد داخل الإقليم، وشملت المادة (156) الخاصة بأمن الدولة وسيادتها، والمواد من (157 إلى 189) المتعلقة بأمن الدولة الخارجي، والمواد من (190 إلى 195) ومن (198 إلى 219) الخاصة بأمن الدولة الداخلي، إلى جانب المواد من (223 إلى 225) ومن (227 إلى 228) المتعلقة بالجرائم الماسة بسلطة الحكومة العامة.

واستند برلمان الإقليم في تشريع القانون إلى المادة (121) من الدستور العراقي، التي تمنح سلطات الأقاليم حق ممارسة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفق أحكام الدستور الاتحادي.

غير أن الدستور العراقي الصادر عام 2005 حدد، بموجب المادة (110)، اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية، من بينها السياسة الأمنية الوطنية، فيما قيدت المادة (121/ثانياً) حق الأقاليم في تعديل تطبيق القوانين الاتحادية بالمسائل التي لا تدخل ضمن تلك الاختصاصات.

تحديد الصلاحيات

بدوره، يوضح الخبير القانوني طارق المعموري، أن “المادة (110/ثانياً) تمنح السلطات الاتحادية حصرياً مسؤولية وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما يشمل إنشاء القوات المسلحة وإدارتها، وحماية حدود العراق وضمان أمنها والدفاع عن البلاد”.

ويضيف، أن “قانون إقليم كردستان رقم (21) لسنة 2003 تجاوز هذه المسؤوليات، الأمر الذي يجعل قرار المحكمة الاتحادية بإلغائه والحكم بعدم دستوريته متوافقاً مع أحكام الدستور، لكون تأمين الحماية الأمنية ووضع السياسة الأمنية للبلاد من اختصاص السلطات الاتحادية حصراً”.

وفي ما يتعلق بمستقبل الصلاحيات الإقليمية، يشدد المعموري على أن “المادة (121) ما تزال توفر الحماية الدستورية للقوانين التي تصدرها الأقاليم، وأن الحكم لا يلغي هذه الضمانات أو يعطلها، لكنه يؤكد عدم جواز التوسع في ممارستها بما يخالف النصوص الدستورية”.

ويخلص المعموري إلى أن “صلاحيات الإقليم التشريعية والتنفيذية والقضائية تبقى نافذة ومحمية دستورياً، ما دامت لا تتعارض مع الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية”، معتبراً أن “قرار المحكمة جاء تطبيقاً لهذه الحدود وليس إلغاءً للسلطات الممنوحة للإقليم”.

وأعاد الحكم ملف الصلاحيات التشريعية بين بغداد وأربيل إلى الواجهة، بعدما وضع قانوناً إقليمياً مضى على تشريعه 23 عاماً أمام حدود الاختصاصات الاتحادية، فاتحاً التساؤلات بشأن مصير التشريعات الأخرى التي قد تواجه طعوناً دستورية مماثلة، ومدى تأثير ذلك في مستقبل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى