حدود الشراكة الإيرانية مع الصين: العلاقات لا تعني تحمّل كلفة العقوبات
قال الرئيس السابق لمنظمة تنمية التجارة الإيرانية إن الصين، رغم حفاظها على علاقاتها السياسية مع إيران لا ترغب في تحمّل الحصة الأكبر من الكلفة الاقتصادية للعقوبات.

ميدل ايست نيوز: قال الرئيس السابق لمنظمة تنمية التجارة الإيرانية إن الصين، رغم حفاظها على علاقاتها السياسية مع إيران واستمرار جزء من التبادل التجاري بين البلدين، لا ترغب في تحمّل الحصة الأكبر من الكلفة الاقتصادية للعقوبات. وقد يدفع هذا الواقع التجارة بين البلدين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الشركات الصغيرة والوسطاء ووسائل الدفع غير المباشرة.
ولا تعني العلاقات السياسية بين إيران والصين بالضرورة استعداد المصارف والشركات الصينية الكبرى لتحمّل جميع تكاليف التعاون الاقتصادي مع طهران.
وفي مقابلة مع موقع اقتصاد نيوز، أوضح محمد رضا مودودي، أن هناك فرقاً بين سلوك الحكومة الصينية وسلوك الشركات الاقتصادية في البلاد، معتبراً أن بكين مستعدة لتحمّل الكلفة السياسية والقانونية للتعاون مع إيران، لكنها لا ترغب في تحمّل أعبائه الاقتصادية على نطاق واسع.
وبحسب مودودي، تختلف مستويات المخاطرة لدى الأطراف الصينية، فكلما زاد اعتماد شركة أو مصرف على النظام المالي الدولي والدولار، ارتفع احتمال توخي الحذر في التعامل مع إيران.
ولتوضيح هذا الوضع، أشار إلى إجراء اتخذته وزارة التجارة الصينية في 2 مايو 2026، تمثل، بحسب قوله، في اللجوء إلى «قانون الحجب» لمواجهة تطبيق العقوبات الأميركية على خمس مصافٍ صينية تشتري النفط الإيراني.
ومع ذلك، يرى مودودي أن الموقف القانوني للحكومة الصينية لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات والمصارف في البلاد ستسير على النهج نفسه. وقال إن التحذير الأميركي لمصرفين صينيين في 15 أبريل 2026، وفرض العقوبات على مصفاة مستقلة ونحو 40 سفينة وشركة شحن صينية، إلى جانب تصاعد الضغوط المتعلقة بالعقوبات خلال أغسطس وسبتمبر من العام نفسه، زادت المخاطر التي تواجه العاملين في القطاع الاقتصادي عند التعامل مع إيران.
لماذا تزداد الشركات الكبرى حذراً؟
يرى مودودي أن الشركات الكبرى والمصارف التي ترتبط بصورة أوسع بالنظام المالي العالمي ستكون أكثر ميلاً إلى تقليص تعاملاتها مع السوق الإيرانية حفاظاً على إمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية.
وأكد أنه حتى وقت إجراء المقابلة، لم تكن واشنطن قد فرضت عقوبات على أي مصرف صيني كبير، فيما كانت الشركات الأصغر حجماً والمستقلة تتحمل الجزء الأكبر من مخاطر التجارة مع إيران.
وقد يؤدي هذا الوضع إلى تغيير هيكل التجارة بين إيران والصين، بحيث تختلف تركيبة الجهات المشاركة فيها وطرق تسوية المدفوعات ومسارات نقل البضائع، حتى إذا استمر حجم التبادل التجاري.
دور أكبر للمصافي المستقلة والوسطاء
قال مودودي إن المصافي الصينية الصغيرة والمستقلة، التي تستحوذ على نحو ربع الطاقة التكريرية للصين، تؤدي دوراً مهماً في تجارة النفط الإيراني. كما أشار إلى آليات تستخدم في هذه التجارة، منها تسوية المدفوعات باليوان عبر مصارف إقليمية صغيرة، والمقايضة، ونقل الشحنات من سفينة إلى أخرى.
وأضاف أنه خلال السنة المنتهية في يناير 2025، غطت آلية تسوية قيمة النفط من خلال مشاريع البنية التحتية معاملات بلغت قيمتها 8.4 مليارات دولار، وهو رقم أورده خلال المقابلة نقلاً عن مسؤولين غربيين.
كما قدّر مودودي حصة اليوان من تمويل التجارة العالمية بنحو 8.4%، مقابل قرابة 80% للدولار. وينبغي النظر إلى هذه الأرقام في إطار المؤشر الذي أشار إليه، وعدم تعميمها على جميع أنواع المدفوعات التجارية من دون تحديد المؤشر والفترة الإحصائية بدقة.
ومع توسع دور الوسطاء، تزداد أهمية تكاليف العمولات ومخاطر التعامل مع الأطراف المقابلة وصعوبة مراقبة التدفقات المالية. ولذلك، فإن استمرار التجارة لا يعني بالضرورة إجراءها بالتكلفة نفسها أو بالشفافية والسهولة اللتين كانت تتمتع بهما سابقاً.
وذكّر مودودي بأن العلاقات بين إيران والصين ارتقت في فبراير 2016 إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، كما وُقّعت خطة التعاون الممتدة 25 عاماً في مارس وأبريل 2021. لكنه أشار إلى أن الصين تتمتع في الوقت نفسه بمصالح اقتصادية واسعة في علاقاتها مع الدول العربية المطلة على الخليج، وأنها تتخذ قراراتها استناداً إلى مجموع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، قد تكون بكين مهتمة بالحفاظ على تجارتها مع إيران، لكن ذلك لا يعني استعدادها لتحمّل جميع التكاليف الناجمة عن العقوبات والتأمين والنقل والقيود المصرفية.
ما السبل المتاحة للحد من مواطن الضعف؟
يدعو مودودي إلى تنويع المسارات البرية والشركاء التجاريين، وتعزيز آليات تسوية المدفوعات بين الحكومات، واستخدام اتفاقيات المقايضة بصورة مدروسة، وإعطاء الأولوية لاستيراد المواد الأولية والقطع الضرورية، فضلاً عن زيادة القيمة المضافة للصادرات الإيرانية.
ويرى أن تعزيز موقع إيران في سلاسل إمداد الطاقة ومسارات العبور، وزيادة حصة السلع المصنعة من الصادرات، من شأنهما تعزيز قدرة البلاد على التفاوض مع شركائها التجاريين.
وفي نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال الأساسي في ما إذا كانت الصين ستواصل التجارة مع إيران فحسب، بل في الكلفة التي ستُجرى بها هذه التجارة، وحصة الاقتصاد الإيراني من عائداتها، ومدى قدرة طهران على تقليص اعتمادها على المسارات والآليات المحدودة.



