عقوبات أميركية على مصرف عراقي تخيف المودعين
أثار قرار وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل العراقي مخاوف بشأن مستقبل نشاط المصرف وأموال المودعين.

ميدل ايست نيوز: أثار قرار وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل العراقي، بتهمة تسهيل حصول إيران على الدولار وإجراء معاملات مالية مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات، مخاوف بشأن مستقبل نشاط المصرف وأموال المودعين، وانعكاسات القرار على علاقات القطاع المصرفي العراقي بالمؤسسات المالية الدولية.
وجاء إدراج المصرف على قائمة العقوبات الأميركية، الخميس الماضي، بعدما اتهمته واشنطن بتسهيل حصول إيران على الدولار، وتوظيف رؤوس أموال إيرانية في أنشطته وتحويل أرباحها إلى طهران شهرياً، فضلاً عن الاحتفاظ بعلاقات مع جهات حكومية إيرانية وفصائل عراقية متحالفة معها، وهي اتهامات رفضها المصرف.
ويأتي القرار في وقت يواصل فيه البنك المركزي العراقي تنفيذ إجراءات لإصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الرقابة على التحويلات الخارجية، وسط تساؤلات بشأن تأثير العقوبات في علاقات المصرف بالمؤسسات الأجنبية، ومدى امتداد تداعياتها إلى مصارف عراقية أخرى، خصوصاً في مجالات التحويلات الدولية وتمويل التجارة الخارجية.
وتبرز قضية الودائع بوصفها أحد أبرز الملفات المرتبطة بالقرار، إذ تشير البيانات المالية المنشورة عن الربع الأول من عام 2026 إلى أن الحسابات الجارية وودائع العملاء لدى المصرف بلغت نحو 2.65 تريليون دينار (الدولار = نحو 1518 ديناراً)، ما يضع استمرار الخدمات المصرفية وحماية حقوق المودعين في مقدمة التحديات التي تواجه إدارة المصرف والسلطات النقدية العراقية.
المصرف يرفض الاتهامات الأميركية
رفض مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل، في بيان أصدره أول من أمس، الاتهامات التي وجهتها إليه وزارة الخزانة الأميركية، مؤكداً أن المعلومات التي استند إليها القرار غير صحيحة، وأن تقديم الوثائق والإيضاحات اللازمة سيسهم في توضيح حقيقة موقفه.
وأوضح المصرف أنه يعمل تحت إشراف البنك المركزي العراقي ويلتزم التشريعات والتعليمات المصرفية ومعايير الامتثال المعتمدة، معرباً عن استعداده للتعاون مع السلطات النقدية العراقية والجهات الأميركية عبر القنوات الرسمية والقانونية لمعالجة الملف والدفاع عن سمعته.
وشدد المصرف على متانة مركزه المالي وقدرته على الوفاء بالتزاماته، مؤكداً أن حماية حقوق المودعين والعملاء تمثل أولوية، وأنه يعمل بالتنسيق مع الجهات الرقابية لضمان استمرار الخدمات المصرفية المسموح بها وإدارة السيولة والالتزامات المالية وفق القوانين النافذة.
تداعيات مصرفية ورقابية
من جانبه، قال الخبير المصرفي سلام حسن إن إدراج المصرف على قائمة العقوبات الأميركية يمثل تطوراً أكثر تعقيداً من القيود السابقة على التعامل بالدولار، موضحاً أن القرار يفرض قيوداً قانونية ومالية قد تؤثر في علاقاته بالمؤسسات الأجنبية وقدرته على تنفيذ التحويلات الخارجية وتسوية المدفوعات التجارية.
وبيّن حسن، لـ”العربي الجديد”، أن العقوبات قد تؤدي إلى تراجع ثقة العملاء بالمصرف، وتصاعد مخاوف المودعين من فقدان أموالهم أو تعذر استردادها، ما قد يدفع بعضهم إلى سحب ودائعهم أو تحويلها إلى مصارف أخرى، الأمر الذي قد يشكل ضغطاً على السيولة ويؤثر في قدرة المصرف على الوفاء بالتزاماته، حتى وإن لم تكن هناك مؤشرات فعلية على تعثره المالي.
وأوضح أن تداعيات القرار قد تمتد إلى مصارف عراقية أخرى، إذا اتجهت المؤسسات المالية الأجنبية إلى تشديد إجراءات التحقق من مصادر الأموال والمستفيدين الحقيقيين، خشية التعرض لمخاطر قانونية، الأمر الذي قد يرفع تكاليف الامتثال ويؤخر إنجاز المعاملات الخارجية.
وأشار حسن إلى أن البنك المركزي العراقي يواجه مسؤولية تقييم الوضع المالي والتشغيلي للمصرف، واتخاذ إجراءات واضحة لحماية حقوق المودعين وطمأنتهم بشأن مصير أموالهم، مع التمييز بين القيود المفروضة على التعاملات الدولية والعمليات المحلية التي قد تظل مسموحة، مؤكداً أن غياب التوضيحات الرسمية قد يزيد حالة القلق ويدفع العملاء إلى اتخاذ قرارات متسرعة.
وأضاف حسن أن احتواء تداعيات القرار يتطلب تعزيز الرقابة على التحويلات الخارجية وتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال، إلى جانب التنسيق مع الجهات الأميركية لتحديد نطاق العقوبات والاستثناءات القانونية المتاحة، بما يحد من تأثيرها في بقية المصارف العراقية ويحافظ على ثقة المتعاملين بالقطاع المصرفي.
الودائع والمخاطر الاقتصادية
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي علي العامري، إن العقوبات الأميركية تثير تحديات تتجاوز التعاملات الخارجية للمصرف، بالنظر إلى حجم موجوداته وودائعه وارتباطاته التجارية والائتمانية، مشيراً إلى أن تأثير القرار قد يمتد إلى نشاط التمويل والائتمان وتسوية الالتزامات المالية داخل السوق العراقية.
وأوضح العامري، لـ”العربي الجديد”، أن البيانات المالية للربع الأول من عام 2026 أظهرت بلوغ موجودات المصرف نحو 3.82 تريليونات دينار، مقابل حسابات جارية وودائع للعملاء تقارب 2.65 تريليون دينار، ما يعكس حجم النشاط المصرفي والالتزامات المالية المرتبطة به.
وأضاف أن حقوق ملكية المصرف بلغت نحو 558.5 مليار دينار، ورأسماله المدفوع 400 مليار دينار، فيما وصلت محفظة التمويل إلى نحو 1.34 تريليون دينار، وهي مؤشرات توضح حجم ارتباط المصرف بالأنشطة الائتمانية والتجارية داخل الاقتصاد العراقي.
وحذّر من أن أي اضطراب في إدارة السيولة أو تراجع ثقة المتعاملين قد يؤثر في قدرة المصرف على تلبية طلبات السحب وتسوية الالتزامات المالية والتجارية، موضحاً أن حجم الموجودات وحقوق الملكية لا يمثلان بالضرورة سيولة نقدية متاحة، كما أن هذه المؤشرات لا تثبت بحد ذاتها تعرّض الودائع للخطر.
وبيّن العامري أن التداعيات الاقتصادية قد تتسع إذا أدت العقوبات إلى تعقيد عمليات تمويل التجارة الخارجية أو تأخير تسوية المدفوعات، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الاستيراد والتحويلات الدولية.
وشدد على ضرورة إعلان البنك المركزي العراقي إجراءات واضحة بشأن مستقبل نشاط المصرف وآليات حماية المودعين، وتعزيز الرقابة على حركة الأموال، بما يحافظ على استقرار القطاع المصرفي ويمنع انتقال المخاوف إلى المؤسسات المالية الأخرى.


