زيارة لافروف إلى طهران تختبر حدود نفوذ روسيا على إيران
من الأفضل النظر إلى الدور الروسي باعتباره محاولة لتوسيع النفوذ الدبلوماسي وحماية المصالح الروسية في الوقت نفسه، لا دليلاً على قدرة موسكو على إحلال السلام نيابة عن طهران.

ميدل ايست نيوز: ما المهمة الحقيقية التي جاء بها لافروف إلى طهران؟ وإلى أي مدى تستطيع روسيا المساهمة في حل الخلافات بين إيران والولايات المتحدة؟ يرى موقع «المونيتور» أن هذه الزيارة كشفت حدود نفوذ موسكو على طهران.
ورافق زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، منذ بدايتها، تكهنات مهمة بشأن مهمته الحقيقية. وقبل الزيارة، ادعت شخصيات أمنية أن موسكو توصلت إلى تفاهمات بشأن المقترح الإيراني السابق، خلال فترة تولي علي لاريجاني أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، لحسم مصير اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وتمكنت من دفع طهران وواشنطن إلى قبول إطارها المقترح إلى حد ما. وظهرت أيضاً ادعاءات بشأن اقتراح روسي لنقل نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60%، وهو مقترح قالت تلك المصادر إنه حظي باهتمام بعض مستويات صنع القرار في إيران. وعلى هذا الأساس، تعززت التكهنات بأن الهدف الرئيسي من زيارة لافروف هو دفع اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة بوساطة روسية.
لكن هذا السيناريو واجه منذ البداية تساؤلات جدية: هل ستقبل إيران إخراج مخزونها من اليورانيوم المخصب من البلاد مقابل رفع العقوبات؟ وهل ستقدم واشنطن ضمانات تحول دون شن هجمات عسكرية جديدة؟ والأهم من ذلك، هل تسعى روسيا إلى الوساطة فحسب، أم تريد استخدام الملف النووي الإيراني ورقة ضغط لانتزاع تنازلات من إدارة ترامب بشأن الحرب في أوكرانيا؟
لكن ما حدث خلال زيارة لافروف ابتعد، على الأقل في التصريحات العلنية، عن هذه التكهنات. فقد أعلن محسن رضائي، بحضور وزير الخارجية الروسي، أن إيران لا تقبل إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد.
وهنا يبرز لدينا السؤال الرئيسي: ما المهمة الحقيقية التي جاء بها لافروف إلى طهران، وإلى أي مدى تستطيع روسيا المساهمة في حل الخلافات بين إيران والولايات المتحدة؟
تناول موقع «المونيتور» هذا الموضوع في تقرير تحليلي، مشيراً إلى أن موسكو، رغم محاولتها تقديم نفسها وسيطاً بين طهران وواشنطن، لا تتطابق مصالحها بالضرورة مع المصالح الإيرانية. ووفقاً للموقع، يسعى الكرملين، بالتوازي مع جهوده لمنع تصعيد الحرب، إلى الحفاظ على نفوذه الإقليمي وتعزيز مصالحه الاقتصادية وتحسين موقعه في مواجهة الغرب. ويثير ذلك تساؤلاً بشأن قدرة روسيا الفعلية على ضمان مصالح طهران في أي اتفاق محتمل، أو ما إذا كانت تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية.
وقدمت لقاءات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي عقدها يوم الاثنين في طهران، صورة عن مساعي موسكو وطهران لإدارة نزاع يهدد مصالح البلدين، وإن بطرق مختلفة.
رحب المسؤولون الإيرانيون بالدعم الروسي، وبحثوا احتمال استئناف الدبلوماسية مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على ضرورة إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالطاقة والنقل والتجارة.
وطرحت وسائل الإعلام الإيرانية احتمال وصول لافروف إلى طهران في مهمة خاصة للمساعدة على إحياء المفاوضات. لكن مدى قدرة موسكو على تحويل علاقاتها الوثيقة مع طهران إلى أداة مؤثرة في المسار الدبلوماسي لا يزال سؤالاً بلا إجابة.
تتجاوز أهمية هذه المسألة إنهاء العداء بين الولايات المتحدة وإيران. فروسيا تريد الحفاظ على شريك استراتيجي، وحماية استثماراتها الإقليمية، وترسيخ مكانتها قوةً قادرة على التأثير في تطورات الشرق الأوسط.
أما إيران، التي تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، فتحتاج إلى خيارات دبلوماسية ودعم ملموس. لكن مصالح البلدين لا تتوافق بالضرورة في جميع الأوقات. ويظهر تاريخ العلاقات بين طهران وموسكو أيضاً أنه لا ينبغي الخلط بين التضامن السياسي والاستعداد لتحمل مخاطر الطرف الآخر وتكاليفها.
الوساطة في ظل انعدام الثقة المتبادل
وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة لافروف بأنها جاءت «في الوقت المناسب»، وكتب على منصة «إكس»: «لم يسبق في تاريخ العلاقات الإيرانية الروسية أن بلغ التعاون بين البلدين هذا المستوى من التقارب».
وأعلن لافروف استعداد موسكو لتسهيل التوصل إلى اتفاق، فيما أكد عراقجي أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة كانت من الموضوعات المطروحة خلال محادثات الجانبين.
وقالت وزارة الخارجية الروسية إن لافروف أطلع المسؤولين الإيرانيين على محادثاته مع ممثلي الدول العربية في البحرين، التي أجراها في اليوم السابق لزيارته طهران.
وقد يتيح هذا المسار لموسكو فرصة الاضطلاع بدور الوسيط بين طهران والعواصم الإقليمية التي تشعر بالقلق من المواجهات واضطراب حركة الملاحة في الخليج.
لكن هذا الانفتاح الدبلوماسي لا يزال في مراحله الأولى، ويحيط به قدر كبير من عدم اليقين.
وطرحت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية، نقلاً عن محللين، احتمال أن تتولى روسيا والصين الوساطة بصورة مشتركة لإحياء مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة التي وُقعت في يونيو، قبل أن تنهار مع استئناف المواجهات في يوليو.
أما صحيفة «أرمان ملي» الإصلاحية، فتساءلت عما إذا كان لافروف يحمل «رسالة سلام أم حرب»، ورجحت أن تشكل الزيارة المرتقبة لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير مكملاً للمبادرة الروسية.
وتعكس هذه التقارير وجود اهتمام بالوساطة، لكنها لا تثبت أن الأطراف اتفقت على مبادرة منسقة. كما لا يتضح ما إذا كانت واشنطن ستقبل بموسكو وسيطاً، أو طبيعة التنازلات التي سيقدمها كل طرف للتوصل إلى اتفاق.
ويكشف انهيار مذكرة التفاهم السابقة عن الصعوبات نفسها.
فقد قدم الاتفاق المؤلف من 14 مادة، والذي جرى التوصل إليه بوساطة إسلام آباد، إطاراً لإنهاء المواجهات النشطة والتوصل إلى اتفاق مستدام. لكن الغموض المحيط بالترتيبات المستقبلية في مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والمسائل العالقة بشأن رفع العقوبات، كانت من العوامل التي أضعفته.
كما أدى استئناف الحرب وتبادل الاتهامات بانتهاك الاتفاق إلى تقويض الثقة بين الأطراف بصورة أكبر.
قد تتمكن روسيا من المساعدة على إعادة فتح قنوات الاتصال، لكنها لن تكون قادرة على حل هذه الخلافات الجوهرية لمجرد تمتعها بعلاقات وثيقة مع طهران.
ومن المرجح أن يكون دور موسكو أكثر فاعلية في تسهيل الاتصالات منه في ضمان تنفيذ أي اتفاق.
حدود النفوذ الروسي
تملك روسيا أسباباً متعددة تدفعها إلى منع المزيد من التصعيد.
فالحرب الطويلة قد تعرض مشروعاتها الاستثمارية المهمة في إيران للخطر، وتثير قلق شركائها الإقليميين، وتهدد مشروعات النقل والطاقة التي تقدمها موسكو باعتبارها بديلاً عن الشبكات الخاضعة للهيمنة الغربية.
كما أن تحقيق اختراق دبلوماسي قد يعزز ادعاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن بلاده لا تزال قوة مؤثرة على الساحة الدولية، رغم مواجهتها الغرب.
لكن موسكو تواجه أيضاً دوافع متعارضة.
فاضطراب الأوضاع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الروسي المتضرر من الحرب والعقوبات. كما يمكن لأزمة من هذا النوع أن تحول الاهتمام الدولي بعيداً عن الحرب الروسية على أوكرانيا.
وقد يخدم أي صراع يضعف موقع واشنطن، المنافس الرئيسي لموسكو، في المنطقة المصالح الجيوسياسية الروسية، رغم أن التصعيد غير المنضبط يهدد مشروعات روسيا وعلاقاتها الإقليمية.
كذلك تؤثر الحرب التي تخوضها روسيا نفسها في طبيعة الدعم الذي تستطيع تقديمه لطهران.
فقد زودت إيران روسيا بطائرات مسيّرة أدت دوراً مهماً في الهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا عام 2022، وأسهمت في تعميق التعاون العسكري والتكنولوجي بين البلدين.
ومنذ ذلك الحين، تجاوزت العلاقات الثنائية التعاون في مجال الأسلحة لتشمل التنسيق الدبلوماسي والتكامل الاقتصادي. ومع ذلك، لم تصل هذه العلاقات إلى مستوى التحالف العسكري التقليدي.
وقد أضفت معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي وقعها بوتين وبزشكيان في يناير 2025 ودخلت حيز التنفيذ في أكتوبر من العام نفسه، طابعاً رسمياً على التعاون بين البلدين في مجالات الأمن والتجارة والطاقة والنقل.
لكن المعاهدة لا تلزم أياً من البلدين بتقديم مساعدة عسكرية إذا تعرض الطرف الآخر لهجوم.
وشكر المسؤولون الإيرانيون موسكو علناً مراراً على دعمها خلال الحرب، لكنهم لم يوضحوا طبيعة هذا الدعم والإجراءات التي شملها تحديداً.
كذلك لم تسفر زيارة لافروف عن إعلان اتفاق جديد أو الكشف عن تفاصيل ضمانات أمنية روسية.
لذلك، لا ينبغي مساواة استعداد روسيا للوساطة بالتزامها حماية إيران من هجمات عسكرية أمريكية أو إسرائيلية جديدة محتملة.
وعلى موسكو أيضاً الموازنة بين علاقاتها مع إيران وعلاقاتها مع دول الخليج العربية.
وتظهر محادثات لافروف في البحرين أن روسيا تجري مشاورات مع حكومات إقليمية تشعر بالقلق من الأزمة، بما في ذلك ما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وقد ترحب هذه الدول بالدور الدبلوماسي الروسي، لكنها قد تتحفظ في الوقت نفسه على أي اتفاق يمنح إيران سيطرة أكبر على هذا الممر المائي.
ويمثل الحفاظ على قنوات الاتصال مع الطرفين ميزة لموسكو.
لكن السؤال المطروح بالنسبة إلى طهران هو ما إذا كانت روسيا ستستخدم نفوذها للتوصل إلى شروط مقبولة لإيران، أم ستعطي الأولوية لاتفاق إقليمي يحقق مصالحها، حتى لو اضطرت طهران إلى تقديم تنازلات.
الوعود الاقتصادية
وفقاً لما نشره الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية، دعا بزشكيان إلى تسريع تنفيذ الاتفاقات الثنائية، وطلب من المسؤولين وضع جداول زمنية محددة للتعاون في مجالات الطاقة وتوليد الكهرباء والنقل والتجارة.
وجاءت هذه الدعوة في وقت يستعد فيه لزيارته المقبلة إلى موسكو.
وتكتسب هذه المطالب أهمية لأن إيران وروسيا قدمتا شراكتهما مراراً باعتبارها وسيلة لتقليص الاعتماد على الأسواق الغربية والحد من آثار العقوبات.
كما روج البلدان لأطر متعددة الأطراف، منها مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا، باعتبارها أدوات لتوسيع التجارة وتعزيز الترابط الإقليمي.
وتتقاطع مصالح إيران وروسيا أيضاً في تطوير البنية التحتية للنقل، ولا سيما ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بالأسواق الواقعة إلى الجنوب عبر إيران.
وتنص معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين كذلك على توسيع التعاون في مجال الطاقة وإنشاء آليات لتسهيل التجارة.
لكن البيانات العامة المتاحة تشير إلى أن هذه الالتزامات الرسمية لم تؤد، بعد مرور عام، إلى تسريع تنفيذ المشروعات.
وقد يحقق تسريع هذه المشروعات فوائد اقتصادية لإيران، ويظهر أن العلاقات بين طهران وموسكو خلال الحرب تحقق نتائج عملية تتجاوز البيانات الدبلوماسية.
أما بالنسبة إلى روسيا، فيمكن للتعاون في مجالي البنية التحتية والطاقة أن يعزز وصولها إلى الأسواق الإقليمية، ويساعد على إنشاء مسارات تجارية أقل تعرضاً للقيود الغربية.
لكن البلدين يواجهان عقبات مالية وتكنولوجية وعقوبات اقتصادية، فيما لا تزال الحرب الروسية تستهلك جزءاً كبيراً من موارد موسكو.
ويزيد البرنامج الاقتصادي من تعقيد مسألة الوساطة.
فموسكو معنية بمنع التوصل إلى اتفاق يستبعدها من عملية إعادة إعمار إيران مستقبلاً ومن مسار اندماجها الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، قد ترغب روسيا في الإبقاء على مستوى معين من عدم الاستقرار لترسيخ مكانتها طرفاً لا غنى عنه في أي حوار.
ولا يعني ذلك أن روسيا تريد استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، لكنه يوضح أن أولويات موسكو قد تختلف عن حاجة طهران الملحة إلى تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وعليه، تعكس زيارة لافروف شراكة وثيقة، لكنها ليست غير مشروطة.
فقد تتمكن موسكو من فتح قنوات اتصال دبلوماسية، ودعم المواقف الإيرانية في المحافل الدولية، ومواصلة التعاون التجاري.
لكن قدرتها على إقناع واشنطن بتقديم تنازلات، أو إقناع طهران بقبول الشروط اللازمة للتوصل إلى اتفاق مستدام، تبقى موضع شك كبير.
ولن يكون المعيار الأوضح لنجاح الزيارة هو الخطاب المتعلق بالتضامن الاستراتيجي، بل إحراز تقدم ملموس، من قبيل استئناف المفاوضات، ووضع إطار موثوق لاستعادة حرية الملاحة، وإحراز تقدم في تنفيذ الاتفاقات التي ظلت حتى الآن في معظمها مجرد تطلعات ووعود.
وإلى أن تتحقق مثل هذه النتائج، من الأفضل النظر إلى الدور الروسي باعتباره محاولة لتوسيع النفوذ الدبلوماسي وحماية المصالح الروسية في الوقت نفسه، لا دليلاً على قدرة موسكو على إحلال السلام نيابة عن طهران.



