طهران تستعدّ للمواجهة المقبلة: ماذا عن التكتيكات الجديدة؟

تتواصل الاستعدادات في إيران على قدم وساق لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط تصاعد حاد في التوترات الإقليمية.

ميدل ايست نيوز: تتواصل الاستعدادات في إيران على قدم وساق لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط تصاعد حاد في التوترات الإقليمية وارتفاع مؤشرات التصعيد العسكري، رغم الحراك الدبلوماسي النشط الذي تقوده أطراف عدة مثل قطر وروسيا وباكستان لاحتواء الأزمة، والذي لم يفضِ بعد إلى اختراق يعيد الطرفين إلى طاولة التفاوض.

وبموازاة المساعي السياسية والزيارات الدبلوماسية إلى طهران لكل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، تصاعدت أخيراً حدة النبرة التحذيرية الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية في طهران، متوعدة بردود غير مسبوقة تختلف جذرياً عن سابقاتها، وتتضمن توسيع جغرافية المواجهة في حال تجددها، فضلاً عن التلويح باستخدام أسرار عسكرية وأسلحة جديدة لم تظهر من قبل، الأمر الذي يعكس قناعة متزايدة لدى دوائر القرار الإيرانية بأن عودة الطرفين الأميركي والإسرائيلي إلى خيار الحرب أضحت احتمالاً راجحاً.

في المقابل، سعت بعض القيادات العسكرية الإيرانية، خلال الأيام الأخيرة، إلى ضبط إيقاع الخطاب الإعلامي، وخفض سقف التوقعات باحتمال اندلاع حرب وشيكة، في خطوة قُرأت إما بوصفها تقييماً واقعياً للمشهد الميداني وإما مسعًى لطمأنة الشارع الإيراني وسط مخاوف متنامية من تداعيات الانزلاق نحو مواجهة شاملة. وفي السياق، قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، أمس الاثنين، إن الولايات المتحدة “لا تملك القدرة على إشعال مواجهة جديدة”، لكنه أكد أن إيران لا تستبعد أي احتمال ومستعدة للرد، محذراً من أن ردها سيكون هذه المرة “أشد بكثير”.

وأضاف محبي أن واشنطن “ليست الآن في وضع يسمح لها ببدء مواجهة جديدة”، متحدثاً عن أن معظم القواعد الأميركية في المنطقة “أصبحت خارج الخدمة”، وإن القوات الأميركية “منهكة”، وقد ابتعدت مئات الكيلومترات عن إيران، إلى ذلك قال وزير الدفاع الإيراني مهرداد أخلاقي، الأحد، للتلفزيون الإيراني عقب نيله ثقة البرلمان، إن الأعداء “على الأرجح لن يجرؤوا” على مهاجمة بلاده، محذراً من “أنهم وحلفاءهم سيتكبدون خسائر فادحة للغاية في حال أقدموا على شن أي هجوم”.

مستويات الاستعدادات الإيرانية

في قراءة للمشهد العسكري، يقول الخبير العسكري الإيراني، محمد صادق علي زاده إن جاهزية القوات المسلحة الإيرانية لجولة جديدة محتملة لها مستويات عدة:

يتمثل أولها في رصيد الخبرات المستخلصة من حربي الـ12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025 والـ40 يوماً في فبراير/ شباط الماضي. ويوضح علي زاده أن تلك الخبرات العملياتية دفعت التشكيلات الهجومية، وفي مقدمتها القوة الجوفضائية وبحرية الحرس الثوري، إلى إدخال تعديلات جوهرية على تكتيكاتها السابقة، لافتاً إلى أن تلك التعديلات شملت أيضاً قطاعات أخرى مثل قوات الدفاع الجوي في الجيش الإيراني، ما يرجح أن طبيعة الرد الإيراني في الجولة المقبلة لن تشبه في تكتيكاتها القتالية ما شهدته الحربان السابقتان.

المستوى الثاني لرفع الجاهزية يكمن في تحديث المنظومات التسليحية السابقة، مبيناً أن مؤشرات هذا التطوير بدت واضحة في الضربات الاستباقية التي وجهها الحرس الثوري الإيراني خلال الفترة الماضية ضد قواعد جوية يستخدمها الأميركيون في الأردن وخليج العقبة، فضلاً عن الاشتباكات البحرية الأخيرة في مضيق هرمز. ويضاف أن من بين التحديثات اللافتة، تحويل جزء من ترسانة الحرس الثوري القادرة على الوصول إلى إسرائيل إلى منظومات نمطية مجزأة، وهي خطوة تسهم في تقليص الوقت اللازم لتفعيل الصواريخ، وإلغاء أعباء لوجستية معقدة بين التجهيز والإطلاق، ما يمنح الكتائب المقاتلة مرونة ميدانية أعلى وقدرة أكبر على البقاء.

وتطرق علي زاده إلى مسار تطوير المقذوفات الساحلية المضادة للسفن خلال الشهرين الأخيرين، موضحاً أنه على الرغم من دخول هذه الأسلحة الخدمة منذ سنوات، فإن متطلبات الاحتكاك العملياتي مع الأسطول الأميركي فرضت إدخال تحسينات تقنية عليها. ويؤكد أن الدلائل الميدانية، كابتعاد القطع الحربية الأميركية عن سواحل جنوب شرق إيران وتراجعها إلى عمق بحر العرب، تؤكد ارتفاع المخاطر في بيئة العمليات، وإجبار القطع المعادية على اتخاذ مسافات أمان أكبر، مشيراً إلى أن جانباً مهماً من المناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة كُرّس لاختبار تلك المنظومات في ظروف واقعية.

وحول طبيعة الأسلحة الجديدة المشار إليها في التصريحات الرسمية، يبيّن علي زاده أنها تنقسم إلى فئتين:

الأولى تشمل أسلحة محلية خضعت لمراجعات عملياتية، إثر المواجهة مع التحالف الأميركي الإسرائيلي لرفع فاعليتها التهديدية، ويخص بالذكر إدخال تعديلات جديدة على جزء من ترسانة الصواريخ المضادة للسفن التابعة للقوة الجوفضائية، وخضوعها لاختبارات بالذخيرة الحية في الفترة الأخيرة.

الثانية تتعلق بما يتردد عبر قنوات غير رسمية بشأن استيراد أسلحة جديدة من دول حليفة.

ويوضح أن ما يعزز صحة هذه الأنباء، هو تفاهمات سابقة أبرمتها طهران العام الماضي لشراء أسلحة متخصصة في الدفاع الجوي ومضادات السفن، بالتوازي مع حاجتها الميدانية لكسر الحصار البحري، ومساعيها المعلنة وغير المعلنة في هذا الاتجاه، وهو ما وردت بشأنه إشارة مقتضبة في خطاب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي مؤخراً. ويضيف أن هذه الأسلحة تشمل صواريخ فرط صوتية مضادة للسفن، ورغم أن مداها يقل عن نظيرتها الباليستية الإيرانية البالغة ألف كيلومتر، فإنها تتميز بمسارات عملياتية أكثر تعقيداً، تجعل اعتراضها مهمة بالغة الصعوبة، مؤكداً أن هذه الحزم المستوردة، إلى جانب المنظومات الإيرانية المطوّرة والتكتيكات المعدلة، تضع أمام القيادة العسكرية خيارات واسعة وغير تقليدية لإدارة المواجهة المقبلة.

طبيعة الرد الإيراني

بموازاة ذلك، يكاد لا يمرّ يوم دون إطلاق المسؤولين الإيرانيين، وخاصة العسكريين منهم، تهديدات جديدة بشأن طبيعة الرد الإيراني القادم على أي عدوان جديد والأسلحة التي ستُستخدم فيه. ويقول القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني، حسين كنعاني مقدم إن الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي والأميركي في الحربين الماضيتين كان قائماً على عمليات متناظرة، أي إن طهران كانت ترد بما يتناسب مع الهجمات التي تتعرض لها، مؤكداً أن الرد في الحرب المقبلة سيكون غير متناظر.

ويوضح كنعاني مقدم أن الردّ الإيراني المرتقب على أي هجوم جدي لن يقتصر على مبدأ “العين بالعين”، بل سيتجاوز ما يتصوره الأعداء، إذ ستستخدم القوات الإيرانية، حسب قوله، قدراتها الجديدة، إلى جانب إمكانيات سابقة لم تُوظف في الحروب الماضية. ويشير إلى أن العمليات لن تطاول القواعد الأميركية والإسرائيلية في المنطقة فحسب، بل ستمتد لتشمل أهدافاً خارج نطاقها، مستشهداً بإمكانية اللجوء إلى صواريخ ذات قدرة تدميرية هائلة مثل صواريخ “رستاخيز” (القيامة)، وأسلحة أخرى لم تكشف عنها القوات المسلحة بعد، تشمل قنابل كهرومغناطيسية، وأخرى تتجاوز ما يفكر فيه الإسرائيليون والأميركيون تحت مسمى “أم القنابل”.

ويشدد القيادي السابق في الحرس الإيراني على أنه “إذا أرادوا استهداف جبل الفأس، فإننا حتماً سنضرب ديمونا، وإن تفجير ديمونا سيكون مداه أبعد بكثير من مجرد حرب نووية”، محذراً واشنطن من أن المخاطرة التي تقدم عليها في هذا الشأن تتخطى تقديراتها وتضعها في دائرة الخطأ في الحسابات. ويضيف كنعاني مقدم أنه في حال شنّت الولايات المتحدة هجوماً على بلاده، فإن إيران ستستهدف إسرائيل وقواعدها سواء في حيفا أو تل أبيب أو ديمونا بـ”ضربات مدمرة”.

وفي السياق، أكد رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي، بلغة التحدي، مساء الأحد، أن بلاده تترقب بفارغ الصبر ما وصفه بالقرارات “الحمقاء” لقادة الولايات المتحدة وإسرائيل، محذراً من أن أي خطأ في الحسابات مستقبلاً سيواجه بردات فعل مغايرة وأشد قسوة من ذي قبل. كما توعد عبد اللهي بصواريخ جديدة غير قابلة للاعتراض والرصد.

وفي غضون ذلك أيضاً، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، الأحد، في منشور عبر منصة إكس، إن بلاده “أعدّت خطة أكثر تدميراً من الحربين السابقتين للتصدي لأي مغامرة جديدة”، لكنه لم يفصح عنها، واكتفى بالقول إن الخطة العملياتية الجديدة التي وضعتها طهران “لن تسير وفق القواعد والمفاهيم المألوفة لديهم”، لكن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، بعد تهديداته السابقة بتوسيع جغرافية المواجهة، ألمح إلى أن القوات المسلحة الإيرانية ستقوم في المواجهة المقبلة باستهداف سبعة كابلات ضخمة للإنترنت تمر تحت مضيق هرمز، مشيراً إلى أنهم “يريدون فقط أن يدرك الأعداء أنه سيجري الكشف عن أهداف جديدة وأسلحة جديدة”. وأضاف محبي أن أي تحرك أميركي، حتى لو كان محدوداً، قد يضع العالم أمام أزمة خطيرة في مجال الطاقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى