«لا حرب ولا سلام».. كيف تستنزف الحرب النفسية الإيرانيين واقتصادهم؟
رغم اندلاع حربين في إيران خلال العام والنصف الأخير، لا تزال البلاد تعيش حالة «لا حرب ولا سلام»، وسط تحذيرات من تداعياتها على الاقتصاد وحياة السكان، دون مؤشرات على تغيير. في القريب.
ميدل ايست نيوز: رغم اندلاع حربين في إيران خلال العام والنصف الأخير، لا تزال البلاد تعيش في حالة «لا حرب ولا سلام»، ما يطرح تساؤلاً حول كيفية انتهاء هذه الحالة؛ فهل ستضع حرب ثالثة محتملة حداً لها، أم أنها ستتواصل مجدداً حتى بعد اندلاعها؟
وفي ظل تحذيرات المسؤولين الحكوميين ووسائل الإعلام، إلى جانب مطالب بعض أعضاء البرلمان الإيراني بإنهاء حالة «لا حرب ولا سلام»، لا تلوح أي مؤشرات على حدوث تغيير في هذا الوضع.
الاقتصاد والحياة اليومية للسكان أكبر الضحايا
منذ انتهاء الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في عام 2025، دخل الاقتصاد الإيراني في حالة يصفها مسؤولون ومحللون بأنها ضحية لحالة «لا حرب ولا سلام».
وأدت هذه الحالة إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها إيران أصلاً بسبب العقوبات، وأضافت إليها مشكلات أخرى، من بينها الحصار البحري.
وقبل عام تماماً، حذر علي مدني زاده، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية، خلال جلسة للبرلمان، قائلاً: «عندما تتشكل أجواء من عدم اليقين ناجمة عن الحرب في المنطقة، وتتزايد ضغوط العقوبات، يضطرب سوق رأس المال وسوق النقد، وترتفع أسعار الفائدة، ونتيجة لذلك لا يستطيع سوق رأس المال أداء دور فعال في الاستثمار، وتكون النتيجة تراجع النمو الاقتصادي».
وأكد: «في ظل حالة لا حرب ولا سلام، لا يمكننا أن نتوقع أن يواصل المستثمرون الاستثمار في البلاد كما في السابق».
لكن اندلاع حرب أخرى بدأت في 28 فبراير 2026 لم يضع حداً لهذه الحالة. وبعد تلك الحرب، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مجدداً إلى إنهاء حالة «لا حرب ولا سلام» من خلال الحوار. غير أن المحادثات التي جرت وأفضت إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد لم تتمكن من تغيير الوضع بصورة مستقرة، بل أسهمت في ترسيخ حالة «لا حرب ولا سلام».
وبعد انتهاك مذكرة التفاهم، حذر محللون سياسيون في إيران، من بينهم محمود سريع القلم، من أن استمرار حالة «لا حرب ولا سلام» بات الاحتمال الأرجح مقارنة بالخيارات الأخرى.
وفي ظل هذه الظروف، كتبت صحيفة شرق في تقرير بعنوان «عقول أنهكتها الحرب» أن «لا حرب ولا سلام» هي حالة تنتقل فيها الحرب من ساحة العمليات العسكرية إلى الحياة اليومية.
وبحسب الصحيفة، يتكرر في مثل هذه الظروف سؤال «هل ستندلع الحرب الليلة؟»، فيما يتحول احتمال وقوع هجوم جديد إلى جزء من الحسابات اليومية للسكان.
وركزت صحيفة شرق في تقريرها، قبل أي شيء، على تداعيات حالة «لا حرب ولا سلام» على الحياة الاقتصادية وحتى النفسية للعائلات، مشيرة إلى أن انتظار الحرب يمكن أن تكون له تكلفة اقتصادية حتى من دون وقوع هجوم عسكري. كما أن مواصلة الناس أنشطتهم اليومية بعد خوض حروب متتالية لا تعني بالضرورة أن مستوى القلق لديهم قد انخفض.
وقال محمد مهدي شهرياري، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، لصحيفة شرق: «بعض الأصدقاء الذين يلقون الخطب في الساحات هذه الليالي ويكتفون بتوجيه الإهانات والافتراءات، يضعفون أصحاب القرار الأساسيين ويسلبونهم الجرأة على اتخاذ القرارات».
في المقابل، اتهم جليل ميرمحمدي ميبدي، وهو نائب آخر في البرلمان، الولايات المتحدة وحدها، وقال في حديث لصحيفة شرق إن «لا حرب ولا سلام هي حرب نفسية، ومصدرها الرئيسي هو سياسات الولايات المتحدة وقدرة واشنطن الإعلامية».
تعميق الأزمة مع تأجيل خطط الحكومة
رغم حالة عدم اليقين، ولا سيما بشأن الأوضاع الاقتصادية للإيرانيين، يعمد مسؤولون في إيران إلى اعتبار حالة «لا حرب ولا سلام» سبباً لتأجيل العديد من الخطط، ما يسهم بدوره في تعميق حالة التعليق وعدم الحسم.
وكتبت صحيفة شرق أن اختلاف أعضاء البرلمان بشأن أسباب المشكلات لا يخفي نقطة مشتركة بينهم، وهي أن أياً منهم لا يريد تعليق إدارة شؤون البلاد إلى حين انتهاء الحرب.
وفي ظل هذه الظروف، ما الآفاق المتاحة للمستقبل؟ يرى علي جاني أن خيار الحرب الثالثة قد يعرّض إيران لخسائر جسيمة على مستوى البنية التحتية والاقتصاد، من دون أن يقدم ضمانة لحل الأزمة الأساسية.
ويقول: «ربما يكون الحل الوسط أن يعترف الأمريكيون بحق الجمهورية الإسلامية في تخصيب اليورانيوم، لكنهم يطالبون في الوقت نفسه بأن تعلق الجمهورية الإسلامية عمليات التخصيب لفترة من الزمن. هل سيقبل ترامب بذلك؟ وهل ستقبل الجمهورية الإسلامية بهذا الطرح؟ أعتقد أن الأمر يرتبط إلى حد ما بالحوافز والامتيازات الاقتصادية التي يمكن للولايات المتحدة تقديمها للجمهورية الإسلامية».
ورغم أن استمرار حالة «لا حرب ولا سلام» قد لا يؤدي بالضرورة إلى اندلاع حرب، فإن استمرارها سيؤدي حتماً إلى زيادة القلق بين السكان.
وحذرت صحيفة شرق المسؤولين قائلة: «خفض القلق العام يتطلب ما هو أبعد من الردود الدعائية؛ فهو يحتاج إلى معلومات دقيقة، وقرارات يمكن التنبؤ بها، وتنسيق في صنع السياسات، وأداء يعيد إلى الناس القدرة على التخطيط».



