فشل المفاوضات الباكستانية–الأفغانية: التحول من مأزق الجوار إلى مأزق التفاوض
يبدو أن التوتر الأمني والعسكري بين باكستان وأفغانستان مرشح للتصعيد، على خلفية فشل المفاوضات بينهما في اسطنبول برعاية تركية، وقطرية غير معلنة.

ميدل ايست نيوز: يبدو أن التوتر الأمني والعسكري بين باكستان وأفغانستان مرشح للتصعيد، على خلفية فشل المفاوضات بينهما في اسطنبول برعاية تركية، وقطرية غير معلنة، وما تشهده الهدنة المتفق عليها في 16 أكتوبر 2025 بالدوحة من خروقات، حيث شهدت منطقة سبين بولدك الحدودية خرقًا للهدنة في 6 نوفمبر الحالي – في نفس يوم اجتماع الطرفين للتفاوض- أدى إلى مقتل خمسة أشخاص. وتبادل الطرفان الاتهامات حول انتهاك الهدنة، إذ حمّلت باكستان الحكومة الأفغانية مسئولية إطلاق النار، مؤكدة أنها قد ردّت على ذلك بشكل “مدروس”، بينما أكدت كابول أنها لم ترد على الهجوم احترامًا لفريق التفاوض ومنعًا لسقوط مزيد من المدنيين.
وعلى الرغم من إعلان الجانب الباكستاني مؤخرًا عن استعداده لمواصلة “الحوار” مع أفغانستان، إلا أن وزارة الخارجية الباكستانية وضعت شرطًا مسبقًا لعودة الحوار، وهو تسوية المسائل الأمنية التي أحبطت على حد بيانها جولة المفاوضات الأخيرة بين البلدين، وهو ما يعني أن الأزمة ما زالت قائمة، بسبب تعقيدات عدة أدت في الأصل إلى فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق مكتوب.
ويمكن القول إن فشل مفاوضات اسطنبول لم يكن مجرد إخفاق دبلوماسي عابر، بل كان لحظة كاشفة عن عمق التحول الجاري في الإقليم، فالمفاوضات التي استضافتها تركيا كشفت أن “الوساطة التقليدية” لم تعد كافية أمام بنية منعدمة الثقة، تداخل فيها الأمن بالهوية، والتجارة بالمخاوف الأيديولوجية.
ومع غياب اتفاق محدد، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة “اللا حرب واللا سلم”، وهي حالة غالباً ما تسبق إعادة تموضع إقليمي جديد تبدو مؤشراته واضحة إلى حد ما.
تحول تجاري كبير: أفغانستان تتجه إلى ميناء تشابهار للالتفاف على باكستان
الأسباب المباشرة لفشل المفاوضات
تعود الأسباب المباشرة لفشل المفاوضات الباكستانية–الأفغانية إلى تعقّد الملفات الأمنية وتباين أولويات الطرفين، حيث اصطدمت مساعي التقارب بحسابات سياسية متناقضة وشكوك متبادلة حول النوايا والالتزامات من الجانبين. كما أسهم غياب الثقة في تعطيل الوصول إلى تسوية مقبولة لهذه الأزمة. ويمكن الإشارة إلى أهم أسباب هذا الفشل فيما يلي:
1- تباين الرؤى حول ملف الأمن الحدودي: جاء الخلاف الأبرز حول نشاط حركة “تحريك طالبان باكستان” (TTP) المتمركزة داخل الأراضي الأفغانية، والتي تتهم إسلام أباد حكومة طالبان بعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من عملياتها ضد القوات الباكستانية في المناطق الحدودية. في المقابل، ترى كابول أن باكستان تستخدم هذا الملف للضغط السياسي وتبرير تدخلها في الشأن الأفغاني.
ففي هذا السياق، يتحرك الطرفان انطلاقًا من تعريفين مختلفين للأمن؛ فبالنسبة لباكستان؛ فإنها ترى أن الأمن يبدأ من “ضبط الحدود” ومنع نشاط حركة طالبان الباكستانية، أي أنها تراه من زاوية “أمن دفاعي–عسكري”.
أما حركة طالبان الأفغانية؛ فتنظر للأمن باعتباره سيادة داخلية، وترى في مطالب باكستان تدخلاً في الشأن الأفغاني، خاصة بعد عقود من تدخل إسلام آباد في تشكيل المشهد السياسي الأفغاني. ومن هنا يصطدم المفهومان، حيث تريد باكستان “ضمانات سلوك”، فيما تريد كابول “اعترافاً بشرعية الحكم”، هذه الفجوة في تعريف الأمن من وجهة نظرهما جعلت المفاوضات –على الأرجح- تدور حول فهم كل منهما لأمنه وليس حول إيجاد حلول.
2- غياب الثقة بين الطرفين: عقب سقوط كابول في يد طالبان عام 2021، كان لدى باكستان تفاؤل واسع بإمكانية التعاون مع طالبان الأفغانية، إلا أن سلوك طالبان المستقل في كثير من الملفات، لاسيما الملفات الأمنية، أنهى فرص هذا الافتراض، ومن ثم سادت أجواء من عدم الثقة يبدو أنها انعكست بشدة على سير المفاوضات الأخيرة.
وتستشف مؤشرات عدم الثقة بين الطرفين بشكل واضح من خلال سرديات الطرفين على لسان مسؤليهما؛ إذ يكرر المسئولون في حركة طالبان أن أفغانستان قد قاومت تدخلات أجنبية عدة على مر السنوات، وأن باكستان تريد أن تكون امتدادًا جديدًا للنفوذ الأجنبي المفروض. بينما تنظر باكستان إلى أفغانستان بوصفها عمقًا استراتيجيًا لطموحها في منطقة آسيا الوسطى.
فخلال فترة التفاوض، لم تكن هناك أجواء مشجعة على الحل، إذ استمر تبادل الاتهامات بين الجانبين، حيث تمسك الجانب الباكستاني باتهام طالبان أفغانستان بتصدير الإرهاب. بينما استمر الجانب الأفغاني في تصوير باكستان كأداة في يد القوى الغربية. إذ لا يخفى أن الخلاف التاريخي على الحدود وترسيم “خط دوراند” منذ عام 1893، لا زال يلقي بظلال من عدم الثقة بين الطرفين لاسيما من قبل أفغانستان، التي تعتبره خطًا استعماريًا، يقسم قبائل واحدة بين دولتين.
ولعل ما أعلنته حركة طالبان من رفض شرط باكستاني خلال المفاوضات يطالبها بإصدار فتوى بتحريم محاربة باكستان، يشير إلى إصرار الحركة على عدم الموافقة على إملاءات باكستان، واعتبار هذا الطلب تدخلاً غير مقبول في شئون الجهة المسئولة عن الفتاوى في أفغانستان.
3- تأثير الأوضاع الداخلية غير المستقرة: وذلك على أكثر من مستوى؛ الأول: أنه من اللافت أن المفاوضات التي شهدتها اسطنبول كانت مغلقة، دون أي تمثيل للمجتمع المدني أو القوى المحلية، أو منظمات معنية بشئون اللاجئين، حيث ضم الوفد الباكستاني في هذه الجولة من المفاوضات مسئولين من الجيش وأجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية، برئاسة الفريق عاصم مالك، المدير العام لجهاز المخابرات الباكستاني، فيما ضم وفد حركة طالبان الأفغانية رئيس المديرية العامة للاستخبارات، ونائب وزير الداخلية، والمتحدث باسم طالبان، والقائم بالأعمال في أنقرة، ما يعطي دلالات مهمة مفادها غياب صوت المجتمع المحلي على الرغم من أهمية وفاعلية عامل القبلية في الدولتين، بالإضافة إلى عدم الالتفات لملفات مثل النازحين واللاجئين، والسكان المتضررين من الهجمات العسكرية الأخيرة، بالرغم من أهمية هذه الفئات كدافع لحل الصراع، فضلاً عما يعنيه ذلك من عدم وجود ظهير مدني لحكومتي الطرفين، يمكن الوثوق في تأثيره في سير هذه المفاوضات.
والثاني: أن باكستان تشهد اضطرابات سياسية واقتصادية، بسبب عوامل المنافسة السياسية بين الأحزاب التي أسهمت في زيادة حالة عدم الاستقرار العام، وتأثير الكوارث المناخية على الزراعة، وتردي الوضع الاقتصادي، وهو الأمر الذي ينعكس على قدرتها على تبني سياسة خارجية مستقرة بشكل عام، وفي حالة النزاعات تجاه كابول على وجه خاص.
أما في أفغانستان، فإن حكومة طالبان تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة من القوى القبلية والجماعات المتشددة الرافضة لأي تنازل أمام باكستان، ما جعل وفدها التفاوضي على الأرجح مقيد سياسيًا في هذا الإطار.
والثالث: تسبب تعثر التفاهم الأمني، وغياب التنسيق فيما بينهما على الحدود في ظهور ملامح اقتصاد الظل في المناطق الحدودية لاسيما في ننجرهار ووزيرستان، مثل تلك المرتبطة بتهريب الوقود، تجارة السلاح، والمرور غير النظامي، وهي تطورات في مجملها تؤشر على ضعف سيطرة الدولتين على كامل أراضيهما، وظهور مصالح لجماعات ضد نظام الدولتين وأمنهما.
4- إخفاق فكرة الحدود الذكية التي نفذتها باكستان: حاولت باكستان على مدى السنوات الأخيرة، بناء ما أسمته الحدود الذكية “Smart Border” مع أفغانستان، تشمل بناء سور خرساني، وسياج إلكتروني، وكاميرات وأبراج مراقبة على طول الحدود مع أفغانستان. لكن اللافت أن هذا السور حاصر الجغرافيا لكنه لم يحاصر الحركة عبر الحدود، سواء حركة القبائل البشتونية على الجانبين، أو حركة التجارة غير الشرعية من تهريب وسلاح وغيره.
ففي الوقت الذي تشكل فيه قبائل البشتون كتلة سكانية ضخمة في أفغانستان، وفي غرب باكستان، فإن كل محاولة لترسيم الحدود أو تنظيمها بين البلدين عادة ما تصطدم بالبنية القبلية التي لا تعترف بـ “خط دوراند”، لاسيما على الجانب الأفغاني. فيما تزيد مخاطر تجاهل مناطق سكنهم في باكستان، ناحية تكوين هوية منفصلة في الداخل الباكستاني.
الصحافة الإيرانية: تحرك إيران الفوري لمعالجة الأزمة بين طالبان وباكستان بات ضرورة استراتيجية
تداعيات فشل المفاوضات
أدى تعثر المفاوضات بين باكستان وأفغانستان إلى سلسلة من التداعيات السياسية والأمنية والإنسانية، انعكست على استقرار المنطقة بأكملها. فغياب التفاهم بين الجانبين لم يوقف فقط مسار الحوار، بل عمق أزمات قائمة بالفعل، في ظل غياب الأطر المدنية والإنسانية القادرة على تخفيف حدة التوتر أو معالجة آثاره على المجتمعات المتضررة. ومن بين هذه التداعيات:
1-تداعيات على الصعيد الأمني
أ- تزايد احتمالات تكرر خروقات الهدنة: يمكن القول إن الفشل في التوصل إلى اتفاق مكتوب، في الجولة الأخيرة من المفاوضات في اسطنبول، ووضع باكستان شرطًا صعبًا للعودة إلى طاولة المفاوضات، قد فتح المجال أمام تجدد خروقات وقف إطلاق النار، لاسيما في ظل امتداد الحدود بين البلدين لأكثر من 2,640 كيلومترًا، لا تخضع كلها للسيطرة الأمنية الفاعلة من الجانبين، وهو ما أعلنته باكستان عندما أطلقت تحذيرات واضحة بأنها قد تدخل فيما وصفته بحرب مفتوحة، إذا لم تنجز اتفاقية تضمن تعهد أفغانستان بالسيطرة على جماعة طالبات باكستان على أراضيها.
ب- توسع نشاط الجماعات المتطرفة: في ظل غياب تنسيق استخباراتي مشترك، وعدم وجود حد أدنى من التنسيق الأمني بين الطرفين، ستتوفر للجماعات المتشددة، وعلى رأسها القاعدة وداعش ولاية خراسان، مساحة أوسع للتحرك، وفرصة أكبر لاستقطاب عناصر جديدة في المناطق الحدودية الوعرة. التي تتسم بها الحدود بين البلدين، من منطقة واخان شمالاً إلى إقليم بلوشستان جنوبًا، حيث تعد من أكثر الحدود اضطرابًا في آسيا، وتشهد عمليات تسلل ممنهجة. فضلاً عن استمرار الاشتباكات، وبالتالي إغلاق المعابر، مثل تورخم وسبين بولدك، على نحو أدى إلى نقص في المواد الغذائية وتشريد المئات على الجانبين، ونزوح آلاف العائلات، وتدهور الوضع الإنساني.
ج- تراجع فرص التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب: في ظل الاضطراب المستمر في هذه المنطقة، وتوتر العلاقات بين الهند وباكستان، والأخيرة وأفغانستان فإن فشل الحوار بين البلدين قد أضعف الجهود الجماعية لمكافحة الإرهاب ونشاط الجماعات المسلحة في هذه المنطقة، ضمن إطار منظمة التعاون الإسلامي، ومنتديات الأمن الإقليمي، مثل؛ منتدى “قلب آسيا–عملية إسطنبول”، و”مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا”، وهو أمر على الأرجح سيعيق طرح استراتيجية مشتركة لمواجهة التطرف العابر للحدود في المنطقة.
2- تداعيات على صعيد الأوضاع الإنسانية
أ- تفاقم الأوضاع الإنسانية على الحدود في البلدين: ألقى فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان بظلاله على الأوضاع الإنسانية في المناطق الحدودية، التي تعاني في الأساس من ضعف الخدمات الأساسية. وقد أدى استمرار التوتر الأمني وإغلاق المعابر بين البلدين إلى تعطّل حركة اللاجئين والتجارة والمساعدات الإغاثية، ما فاقم معاناة السكان على الجانبين.
في الوقت نفسه، أدى غياب التنسيق الإنساني بين الحكومتين والمنظمات الدولية إلى تراجع القدرة على إيصال المساعدات، خاصة في مناطق “خيبر بختونخوا وسبين بولدك وتورخم”، التي تشهد تدفقًا مستمرًا للنازحين. ومع غياب مؤسسات المجتمع المدني عن جولات التفاوض، لم تطرح قضايا الأمن الغذائي والتعليم والرعاية الصحية ضمن أولويات الحوار، ما جعل الفئات الأشد ضعفًا مثل النساء والأطفال واللاجئين، الخاسر الأكبر من فشل المفاوضات.
ب- تعاظم فرص استخدام اللاجئين الأفغان في باكستان كورقة ضغط من قبل الأخيرة: أدى فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان إلى تفاقم أزمة اللاجئين الأفغان المقيمين في الأراضي الباكستانية، والذين يقدر عددهم بأكثر من 3.5 مليون لاجئ بين مسجلين وغير مسجلين. فيما ربطت باكستان استمرار وجود اللاجئين على أراضيها بمدى تعاون حكومة طالبان في ضبط الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة. وفي ظل غياب أي اتفاقات ثنائية لتنظيم أوضاع اللاجئين، بدأت السلطات الباكستانية في تنفيذ حملات ترحيل واسعة منذ أواخر عام 2023، شملت مئات الآلاف من الأفغان، بينهم نساء وأطفال، ما تسبب في نزوح إنساني عكسي نحو الداخل الأفغاني وسط نقص حاد في الغذاء والمأوى والخدمات الصحية. في وقت تصاعد التوتر المجتمعي داخل باكستان، وتزايدت حملات الكراهية ضد اللاجئين. وبالتالي أصبح مستقبل اللاجئون الأفغان في باكستان مرهونًا بمصير التجاذبات السياسية والأمنية بين البلدين.
ج- ضغوط إضافية على اللاجئين الأفغان في إيران: أسهم غياب الاستقرار واستمرار التوتر بين كابول وإسلام آباد في زيادة الضغوط على إيران بوصفها الوجهة البديلة الأقرب للاجئين الأفغان الفارين من الصراع أو المرحلين قسريًا من باكستان. وبالتالي شهدت إيران موجات جديدة من تدفق اللاجئين عبر حدودها الشرقية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية داخلية وتراجع القدرة على استيعاب الوافدين. وتزايد دعوات إعادة اللاجئين إلى بلادهم، وبصفة خاصة عقب المواجهات العسكرية الإسرائيلية الإيرانية، والحديث عن تورط أفغان في التجسس لصالح إسرائيل في الداخل الإيراني، مما أدي إلى تشديد سياسات الإقامة والرقابة على اللاجئين، وتزايد حالات الاحتجاز والترحيل القسري، خاصة لمن لا يملكون وثائق رسمية.
3- تداعيات على الصعيد الاقتصادي
أ- تراجع معدلات التبادل التجاري عبر المعابر الحدودية: انعكس فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان بصورة مباشرة على معدلات التبادل التجاري وحركة الترانزيت عبر المعابر الحدودية بين البلدين مثل تورخم وسبين بولدك، مما أدى إلى انخفاض كبير في تجارة الترانزيت. ففي السنة المالية 2024- 2025، انخفضت قيمة تجارة الترانزيت الأفغانية عبر باكستان إلى نحو 974 مليون دولار مقارنة بـ 2.408 مليار دولار في العام السابق، أي بانخفاض تقارب نسبته 60٪. ويعود هذا التراجع الحاد في تجارة الترانزيت في الأساس إلى غياب التنسيق السياسي والأمني حول الحدود فيما يتوقع أن يتزايد هذا التراجع مع استمرار إغلاق المعابر أمام حركة التجارة والتنقل البشري بين الدولتين.
ب- انكماش الأسواق الحدودية وتسريح العمالة: مع تراجع حركة الترانزيت، تأثرت المدن الحدودية مثل تورخم وكويتا، التي كانت تعتمد على سوق التجارة العابرة، بشح السلع وتعطل التوريد، وتراجع عدد الشاحنات المارة من خلال المعبر لأكثر من النصف، مما أدى إلى إغلاق المتاجر ومن ثم تسريح العمال.
ج- تزايد معدلات التهريب عبر الحدود: وهو إحدى العواقب المباشرة لتراجع التبادل التجاري الرسمي، خاصة مع إغلاق المعابر أو تشديد الرقابة، إذ لجأ بعض التجار إلى إيجاد طرق بديلة بعيدًا عن قيود حكومة الجانبين، الأمر الذي أدي إلى تقليل إيراداتهما.
د- تهديد استمرار مشروع الممرات الاقتصادية (CPEC): كان من المفترض أن يربط هذا المشروع الصين بالمحيط الهندي عبر باكستان وأفغانستان، فأصبح حاليًا بسبب التوترات بين البلدين الجارتين رهينة للأوضاع الأمنية والعسكرية بينهما. حتي في حال التوصل إلى اتفاق مع كليهما على حدا، فإن غياب التنسيق والاستقرار الحدودي يعني زيادة تكلفة التأمين لهذا الممر، وبالتالي تراجع الرغبة الصينية في الاستثمار فيه حاليًا على الأقل، وهو ما يعني القضاء على أو تأجيل الرغبة الباكستانية في أن تكون أراضيها محطة ترانزيت رئيسية في آسيا.
انعكاس خصوصية النزاع الباكستاني الأفغاني على جهود الوساطة
لم يعكس فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان في اسطنبول برعاية تركية قطرية تجذر الخلافات وتعثر التفاهم بين كابول وإسلام آباد، بقدر ما عكس تغير مفهوم الوساطة المؤثرة والقادرة على الضغط، اعتمادًا على ثقل وزن نسبي في المنطقة، أو من خلال امتلاك أوراق ضغط/ تحفيز للأطراف المتنازعة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن تركيا قد دخلت هذه الوساطة مدفوعة بهدفين أساسيين؛ الأول: التأكيد على حضورها في منطقة آسيا الوسطى، التي تعتبرها تركيا ظهيرًا لها، فيما تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التعليمية التركية قد أعلنت في أكتوبر من العام الماضي عن تغيير اسم منطقة آسيا الوسطى إلى “تركستان” في كل المناهج الدراسية في البلاد وفي كل مراحلها، في محاولة لخلق هوية مشتركة لها مع دول هذه المنطقة، والثاني: استثمار علاقاتها المتوازنة مع كل من طالبان وإسلام آباد. غير أن غياب أدوات ضغط فعلية، على المستوى الأمني أو الاقتصادي، جعلها أقرب إلى ما يمكن وصفه بالمضيف وليس وسيطًا حقيقيًا.
أما بالنسبة لقطر، فعلى الرغم من خبرتها السابقة في التفاوض مع حركة طالبان عقب استيلائها على الحكم للمرة الثانية في أفغانستان، فإن زخم اتفاق الدوحة 2020 لم ينتقل إلى المفاوضات الأخيرة التي لم ينتج عنها سوى هدنة مؤقتة بالتعاون مع السعودية، في 19 أكتوبر الماضي ربما لأن حركة طالبان أصبحت أكثر استقلالاً من ذي قبل، وبالتالي، أخفق الوسيطان في وضع بنود تضمن التوصل إلى حلول بشأنها.
وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى عدة تغيرات عكستها مفاوضات باكستان وأفغانستان الأخيرة، ومنها:
1- ضعف الوساطة مع تجاهل الاعتبارات الإنسانية: أظهر فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان محدودية فاعلية الوساطة الإقليمية في حل النزاعات المستمرة بين الجانبين. فعلى الرغم من مشاركة تركيا وقطر كوسطاء ناجحين في نزاعات أخرى، إلا أن هذه الوساطة لم تترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض، نظرًا لغياب التنسيق الأمني والإغاثي المطلوب في إدارة نزاع مركب مثل النزال بين باكستان وأفغانستان، حيث تتداخل العوامل الأمنية مع الإنسانية بشكل كبير لاعتبارات ترسيم الحدود التي فصلت قبائل وعائلات، وتسببت في النزوح بين البلدين عبر الحدود، ليس فقط هربًا من ويلات النزاع العسكري، وإنما في محاولة للم شمل عائلات تفرقت وبات تنقلها بسلاسة بين البلدين محظورًا.
2- تعدد الوساطات دون وجود وسيط مهيمن: إخفاق الوساطة التركية–القطرية قد يدفع الإقليم نحو تعدد مراكز الوساطة، حيث يمكن أن تقدم إيران نفسها كوسيط مستفيدة من حضورها الميداني في غرب أفغانستان ومن ورقة اللاجئين، في محاولة لتدارك عثراتها في الإقليم، ولإعادة تموضعها في منطقة آسيا الوسطي، مدفوعة بخطورة هذا التوتر على حدودها لاسيما في منطقة سيستان بلوشستان المضطربة بالأساس، وقد أبدت بالفعل إيران استعدادها للوساطة خلال الأيام الماضية.
كما يمكن أن تسعى الصين للعب دور في هذا الإطار، لا يقتصر فقط على وساطة بين طالبان وباكستان، بل يعكس توجهًا أوسع لبكين لملء الفراغ الذي تركه انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مستفيدة من حيادها التاريخي في الملف الأفغاني، ومن علاقاتها المستقرة مع مختلف الأطراف، لتعزيز مكانتها كوسيط مقبول، وللحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع الدولتين. وبالتالي فإن الأزمة بين أفغانستان وباكستان تطرح سيناريو تعدد وساطات بلا وسيط مهيمن، وهي سمة تفرضها تعقيدات منطقة آسيا الوسطي، وجنوب وسط آسيا.
3- أدارة الأزمة نفسها كأداة تفاوض: يتعامل الطرفان مع صراعهما على أنه ورقة تفاوض استراتيجية، وليس كخلاف يُسعى لحله، فباكستان من جانبها تحاول التركيز على الخطر الأمني القادم لها من أفغانستان، بسبب وجود طالبان باكستان على أراضيها، لتبرير رغبتها في إيجاد نفوذ فعلى لها في أفغانستان، وكذلك في محاولة للحصول على دعم أمني واقتصادي دولي يمكنها من حل مشاكلها الداخلية، فيما تسعي طالبان على الأرجح إلى استخدم هذا التوتر الحدودي للتأكيد على وجودها، وأنها عامل أساسي في استقرار المنطقة. وفي هذا السياق يمكن توقع أن يكون الطرفان مستفيدين من إطالة أمد الصراع وبالتالي المساومة.
ختامًا، يعكس فشل المفاوضات بين باكستان وأفغانستان في اسطنبول تحولات كبيرة في طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث تجاوزت الأزمة حدود التوتر الأمني إلى مأزق تفاوضي معقد، يتداخل فيه السياسي بالأمني والاقتصادي بالإنساني. إذ ترجع أسباب فشل المفاوضات بينهما إلى تعدد الملفات المعقدة، إلى جانب غياب الثقة المتبادلة الناتج عن التاريخ الطويل من الخلافات على ترسيم “خط دوراند”، وتأثير الضغوط الداخلية على كليهما.
في ضوء تجربة الوساطة بين الطرفين والتي لم تسفر عن نتائج، يظهر تحول مهم في مفهوم الوساطة الإقليمية؛ إذ لم تعد الوساطة التقليدية أداة كافية لإنتاج اتفاقيات ملموسة، بل أصبحت إدارة للأزمة تستخدمها الأطراف لامتلاك أوراق ضغط استراتيجية. كما كشف إخفاق الوساطة التركية–القطرية محدودية قدرة الوسطاء على فرض الحلول في غياب أدوات ضغط حقيقية وقادرة على التأثير في طرفي النزاع.
وأخيرًا، يشير هذا الإخفاق، وتشبث كل طرف بموقفه المتصلب تجاه الآخر إلى أن تحقيق استقرار مستدام في العلاقات الباكستانية–الأفغانية يحتاج إلى إعادة بناء الثقة فيما بينهما، ومحاولة دمج مؤسسات قادرة على جمع الطرفين تحت مظلة أمنية وربطهما بمصالح اقتصادية أقوى، فضلاً عن ربط الوساطة الدولية والإقليمية بأدوات ضغط واقعية، بحيث تتحول المفاوضات من إدارة للأزمات المؤقتة والمتجددة بينهما في آن واحد، إلى وسيلة لحل النزاع بشكل دائم، وتفكيك أسباب تجدده، وبالتالي المساعدة في تحقيق استقرار إقليمي شامل.



