الصحافة الإيرانية: خطوات دبلوماسية هامة لحل القضايا غير النووية
طالما أن الملف النووي متوقف، لا ينبغي لإيران انتظار المعجزات. يجب أن تعمل بسرعة وجسارة على إغلاق أو تهدئة باقي الملفات وأهمها العودة إلى أوروبا، وجذب الدول المتأرجحة، وخلق تهدئة مع العرب.
ميدل ايست نيوز: في ظل تجمّد المفاوضات النووية مع الغرب مجددًا وبطء سيرها وحتى وصولها إلى حالة ركود، لا تستطيع إيران وضع كل أوراق سياستها الخارجية في سلة تعتمد على مسار لا يوفر أي أمل على الأقل في المدى القصير والمتوسط.
وقالت صحيفة آرمان امروز في مقال لها، إن تجربة العقد الماضي أظهرت بوضوح أنه كلما تحول الملف النووي إلى مأزق، تصاعدت الضغوط الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية القصوى على إيران. لذلك، فإن الاستراتيجية الأكثر منطقية والعاجلة هي أن تعمل إيران، في هذه الأيام التي لا يظهر فيها الغرب أي رغبة في اتفاق حقيقي، بسرعة وجدية على إغلاق ملفات التوتر الأخرى أو على الأقل خفضها إلى مستوى قابل للإدارة، لتوفير مساحة اقتصادية وسياسية للتنفس وتجنب العزلة الكاملة.
أول وأسرع خطوة هي إعادة إحياء العلاقات مع أوروبا. فخلافًا للولايات المتحدة، لا تزال أوروبا تحتفظ بقنوات دبلوماسية واقتصادية وحتى سياسية شبه مفتوحة مع إيران. الشركات الأوروبية المتوسطة لا تزال مهتمة بالوجود في السوق الإيرانية، والبنوك الأوروبية الصغيرة يمكن أن تكون مرنة، والأهم من ذلك، أن أوروبا كوزن سياسي يمكنها أن تحد، إلى حد ما، من تشدد الولايات المتحدة في مجلس الحكام وحتى في مجلس الأمن.
يجب على إيران، دون انتظار انفراج كبير في الملف النووي، تنشيط سفاراتها في العواصم الأوروبية الرئيسية، وإرسال وفود إلى بروكسل وبرلين وباريس ومدريد، وحتى تقديم تنازلات أحادية الجانب في مجالات غير حساسة مثل التعاون البيئي، ومكافحة المخدرات أو الهجرة غير القانونية. هذه الإجراءات تكلف قليلًا، لكنها ترسل رسالة واضحة للغرب مفادها أن إيران ليست مستعدة للعزلة التامة ولديها خيارات أخرى على الطاولة.
الخطوة الثانية هي تعزيز العلاقات بشكل ملحوظ مع الدول التي تلعب دورًا بين الشرق والغرب، لا سيما الهند. فقد أظهرت الهند في السنوات الأخيرة بوضوح أنها لا ترغب في الانضمام الكامل إلى المعسكر الغربي، فهي مشترٍ رئيسي للنفط الروسي، وشريك استراتيجي في ميناء تشابهار، وعضو في مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. يجب على إيران أن تقدم اليوم مقترحات جريئة تشمل التعاون النفطي طويل الأمد مقابل الحصول على الخدمات والتقنيات، ومنح إدارة جزء من ميناء تشابهار لمدة عشرين عامًا، والتعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات والدواء.
ويمكن تكرار هذا النموذج مع تركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا وحتى باكستان. هذه الدول ليست معادية للغرب تمامًا، ولا متحالفة بالكامل مع إيران، ومن هنا تكمن أهميتها، إذ يمكن أن تكون جسورًا بين إيران والنظام المالي والتجاري العالمي حتى في ذروة العقوبات.
لكن الملف الأهم والأكثر حساسية هو بناء الثقة مع التحالف العربي، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي. فقد أظهرت التجربة أنه طالما شعرت هذه الدول بتهديد عسكري أو أيديولوجي من إيران، فإن لديها لوبي قوي في واشنطن وأوروبا ضد إيران، ويعمل على إفشال أي اتفاق. يجب على إيران إرسال رسائل واضحة وعملية اليوم مثل حل الملف اليمني، والتفاوض المباشر مع السعودية، وضمان أمن الطاقة، وحتى التعاون في أوبك بلس.
ويمكن لتوقيع معاهدة عدم الاعتداء مع ست دول من مجلس التعاون حتى لو كانت غير علنية، أن يكون أعظم ورقة قوة لإيران ضد الضغوط الغربية. فهذه الدول تمتلك المال والنفوذ والوصول إلى النظام المصرفي العالمي، وهو ما تحتاجه إيران بشدة الآن.
في هذا الإطار، يمثل تعزيز العلاقات مع مصر أولوية قصوى. فمصر لها وزن سياسي كبير في العالم العربي، وتسيطر على قناة السويس، ولديها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا. ويمكن أن يتيح تطبيع العلاقات مع مصر بسرعة لإيران ممرًا بريًا إلى إفريقيا، وفتح طرق التجارة مع الدول العربية في شمال إفريقيا، والأهم من ذلك سد الفجوة بين جناحي العالم العربي.
يجب على إيران زيادة التعاون بلا تأخير، وإقامة خطوط جوية مباشرة، وحتى تقديم عروض للتعاون في مجال السياحة الدينية والحج. هذه الإجراءات قليلة التكلفة لكن لها آثار استراتيجية كبيرة.
وفي الوقت نفسه، يجب منع الانتهازيين الإقليميين الذين يحاولون دائمًا زرع الفتنة بين إيران والإمارات. فقد أظهرت الإمارات في السنوات الأخيرة أنها تبحث أكثر عن المصالح الاقتصادية من كونها معادية أيديولوجيًا لإيران، ولا تزال دبي أكبر ميناء ترانزيت للبضائع الإيرانية، ولا يزال رجال الأعمال الإماراتيون يستثمرون ملايين الدولارات في إيران. يجب على إيران استثمار هذا الاهتمام بذكاء، من خلال اقتراح منطقة حرة مشتركة في قشم أو كيش، والسماح للإمارات بلعب دور الوسيط بين إيران والغرب.
هذا الإجراء ينقذ الاقتصاد الإيراني ويبعد الإمارات عن المعسكر المعادي لإيران بالكامل.
وقد تكون أهم خطوة تكتيكية يمكن لإيران القيام بها اليوم هي الخروج السريع من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF). فهذا القرار لا يحمل تكلفة سياسية كبيرة، لكنه يمكن أن يعيد مليارات الدولارات من أصول الإيرانيين العالقة في الخارج إلى الداخل، ويسهل التبادلات المصرفية مع الدول غير الغربية، والأهم من ذلك، يلغي المبرر الأساسي للضغوط على البنوك الصينية والهندية والتركية.
وقد أظهرت تجارب دول أخرى أن الخروج من القائمة السوداء غالبًا ما يرتبط بانفتاح فوري في العلاقات المصرفية، حتى لو استمرت العقوبات الأمريكية.
باختصار، طالما أن الملف النووي متوقف، لا ينبغي لإيران انتظار المعجزات. يجب أن تعمل بسرعة وجسارة على إغلاق أو تهدئة باقي الملفات وأهمها العودة إلى أوروبا، وجذب الدول المتأرجحة، وخلق تهدئة مع العرب، وتقوية الشراكة مع مصر، والحفاظ على الإمارات، والخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي. هذه الإجراءات لا تقلل فقط من الضغوط الاقتصادية، بل ترفع يد إيران في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب، إذ لن تكون دولة معزولة وعلى حافة الانهيار، بل لاعبًا يمتلك خيارات متعددة على الطاولة وقادرًا على التفاوض بهدوء ومن موقع قوة. الوقت محدود جدًا، وكل يوم تأخير يفرض تكاليف أعلى.



