الصحافة الإيرانية: ماذا لو كانت العلاقات بين طهران وأوروبا مختلفة عما هي عليه اليوم؟
لعلّه لو كانت العلاقات بين طهران وبروكسل مختلفة عمّا هي عليه اليوم، لأمكن تصوّر أن الجانبين سيعودان مرة أخرى إلى نوع من «التلاقي القابل للشراكة والمنتج» في مواجهة السياسات الهيمنية لواشنطن.

ميدل ايست نيوز: لعلّه لو كانت العلاقات بين طهران وبروكسل مختلفة عمّا هي عليه اليوم، لأمكن تصوّر أن الجانبين سيعودان مرة أخرى إلى نوع من «التلاقي القابل للشراكة والمنتج» في مواجهة السياسات الهيمنية لواشنطن. كان لهذا التلاقي، الذي يقترب إلى حدّ كبير من مقاربة «استراتيجية»، أهمية خاصة لأنه شكّل مقاومة ملموسة في مواجهة النزعة الأحادية التي تبنّتها إدارة دونالد ترامب. ففي الواقع، أدّت النظرة التبخيسية التي عبّرت عنها إدارة ترامب تجاه أوروبا، وما تضمّنته من عبارات مهينة في «الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي»، إلى تعميق الشرخ داخل جبهة الحلفاء الغربيين أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. وكان بإمكان ذلك أن يشكّل فرصة لطهران؛ لولا أن الفرص أُهدرت.
وقال جلال خوش جهره، صحفي وكاتب إيراني، إن إدارة ترامب أظهرت يوم الجمعة 5 ديسمبر الجاري، عبر نشر «الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي»، حقيقة مفهومية ليس فقط للمجتمع الدولي بل للعالم بأسره. ففي هذه الوثيقة، التي استقبلتها موسكو بترحيب فوري، تعلن الإدارة الأمريكية الحالية بوضوح أنها تريد أن تكون فاعلاً يسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة دون رغبة تُذكر في تقاسم المنافع مع حلفائها الأوروبيين. من هذا المنطلق، يمكن فهم هذه الوثيقة في إطار التصوّرات التي يحملها ترامب حول موقع الهيمنة الذي تسعى واشنطن إلى تكريسه في المرحلة الراهنة.
وترتكز هذه التصوّرات على مجموعة من القناعات، أبرزها: السعي الأحادي لتعزيز التفوّق الاقتصادي والتكنولوجي؛ الحفاظ على تفوّق عسكري مطلق؛ استعداد الجيش الأمريكي لتنفيذ أي عمل عسكري منفرد بهدف فرض «الإرادة القائمة على القوة» دون الحاجة لشركاء؛ والقدرة على فرض نموذج النظام السياسي الذي تفضّله واشنطن عبر ذرائع مشابهة لما يجري اليوم في فنزويلا.
وخلال العام الأول من ولايته الثانية، حاول ترامب إقناع المجتمع الدولي بأنه قوّة مهيمنة تسعى إلى إعادة صياغة النظام الدولي، من خلال وسم حليفه التقليدي، أي أوروبا، بالعجز ودفعها إلى موقع أدنى.
في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، فإن سياسة إدارة ترامب الساعية لفرض تسوية على كييف وفق الصيغة التي تضعها واشنطن، لا تكتفي بتجاهل مبدأ السيادة الأوكرانية أو بتقويض «مذكرة بودابست» لعام 1994، وإنما تشكّل أيضاً شكلاً من أشكال الإهانة لأوروبا. فمن خلال تقليص دور أوروبا في مسار المفاوضات الهادف لإنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا، خفّض ترامب مكانة بروكسل في أي عملية تغيير تتعلّق بالحدود الأوروبية وبالاتحاد الأوروبي وحتى بحلف الناتو، إلى ما يشبه «المراقب السلبي».
في «مذكرة بودابست»، قبلت أوكرانيا إلى جانب بيلاروس وكازاخستان، وبحضور وتوقيع رئيسي الولايات المتحدة وروسيا، التخلي عن أسلحتها النووية والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي. كان الشرط الأساس لذلك أن تلتزم الدول الموقّعة بضمان احترام استقلال الدول الثلاث وسيادتها ضمن حدودها والامتناع عن أي تهديد أو استخدام للقوة ضدها؛ وفي حال تعرّض أي من هذه الدول لعدوان أو تهديد، يتعيّن على مجلس الأمن التدخل لمساعدتها. كما نصّت المذكرة على عدم استخدام السلاح النووي ضد هذه الدول بأي حال من الأحوال.
لكن، ما الخيارات المتاحة أمام أوروبا اليوم؟ وماذا عليها أن تفعل مستقبلاً؟ هل يجب أن تسارع إلى إعادة بناء «توازن القوى»؟ أم تستسلم لخيار «المجاراة المريحة» لواشنطن؟ وما تبعات كل من هذين الخيارين؟ إن اللقاء الرباعي الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في داونينغ ستريت (الأحد 7 ديسمبر)، شكّل واحدة من آخر المحاولات الأوروبية ليس فقط للتأثير في النهج الذي يحاول ترامب فرضه لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بل شكّل أيضاً صورة عن حالة الارتباك التي وجد الأوروبيون أنفسهم أمامها في مواجهة سياسة الهيمنة الأمريكية. وهي سياسة لا تقبل التعدّدية وتسعى لفرض رؤيتها فوق الجميع.
يقف الأوروبيون اليوم أمام خيارين: قبول الهيمنة أو إيجاد توازن للقوى. وهو وضع مشابه لما تواجهه طهران حالياً في نزاعها مع واشنطن. ولتحقيق توازن للقوى، تحتاج أوروبا إلى متطلبات عدّة، من أبرزها وجود حلفاء أو شركاء إقليميين، خصوصاً في منطقة حساسة مثل الخليج. ومن جانبها، كان بإمكان طهران، انطلاقاً من تجارب العقود الأربعة الماضية، وحتى تجربة انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، أن تأمل بنوع من «التعاطف» — وليس بالضرورة التلاقي — الأوروبي لتخفيف دائرة الضغط الأمريكي؛ ربما لو كانت العلاقات بين طهران وبروكسل مختلفة عمّا هي عليه اليوم.



